خلال تلك المرحلة القلقة من الحرب, حلّ في بغداد منتصف أكتوبر 1939 مفتي فلسطين محمد أمين الحسيني, قادماً من لبنان, دون اشعار سابق للحكومة العراقية. وفي اليوم التالي لوصوله, قام المفتي بزيارة البلاط الملكي, فاستقبله الوصي استقبالاً حسناً, كما رحّب به رئيس الوزراء باعتباره ضيفاً رسمياً على الحكومة العراقية. وبالرغم من أن المفتي قد وعد نوري السعيد بعدم التدخل في السياسة العراقية ونشاطاتها, إلاّ أن الأحداث اللاحقة أشارت الى خلاف ذلك, فقد انغمس فيها منذ اليوم الأول لوصوله, متنكراً لوعوده. إذ كانت لديه أهداف محددة يعمل على تحقيقها. فأصبحت داره مقراً للاتصالات الواسعة, حتى أن الذين يقصدون الوصي في الأعياد الرسمية والمناسبات المختلفة, من ساسة البلاد وقادة الجيش وحملة الأقلام, على اختلاف ميولهم, كانوا يخرجون من البلاط ليقصدوا دار المفتي, والواقع أن الوصي لم يبد تذمراً من نشاط المفتي أول الأمر, ويبدو أن السبب يكمن في استمرار العلاقات الحسنة بين الوصي ورئيس الديوان الملكي رشيد عالي الكيلاني, الصديق الحميم للمفتي, من جهة, و بين الوصي وكتلة العقداء الأربعة الذين أيدوا قدوم المفتي الى بغداد, من جهة أخرى. وفي هذا الخصوص يقول الصباغ (وكان الوصي آنذاك على وفاق معه (الكيلاني) ومعنا (العقداء)). أصبح نشاط المفتي المتصاعد, واتساع نفوذه في بغداد, مصدر قلق واستياء السفير البريطاني الذي ذكر لوزير الخارجية علي جودة الأيوبي, أن نشاط المفتي السياسي ضد حكومته معروف, وأن وجوده هنا قد يتحوّل الى خطر على العلاقات العراقية ــ البريطانية. لكن الوصي بدّد شكوك السفير البريطاني بتأكيده متانة العلاقات بين البلدين, في خطاب العرش, الذي ألقاه في افتتاح الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب, في الأول من نوفمبر 1939, حيث أشار الى تمسك العراق بمعاهدة التحالف مع بريطانيا, والعمل على تطبيق بنودها, بدليل مبادرة حكومته إلى قطع علاقاتها مع ألمانيا, بعد يومين فقط من اندلاع الحرب. وأضاف الوصي (ولا بُدّ أنكم اطلعتم على نصوص البرقيات التي تبادلناها مع الملك جورج السادس, وسررتم لما انطوت عليه من تبادل الثقة, واحترام العهود الكائنة بيننا, والدفاع عن مصالحنا المشتركة). اغتيال رستم حيدر في هذا الجو العاصف الذي كان يؤرجح الوزارة السعيدية الرابعة وقع حادث اغتيال عضوها البارز, وزير المالية رستم حيدر على نحو مثير. ومن بين الآراء العديدة التي حدّدت أسباب الجريمة, ينفرد الصباغ بوضع الوصي في عداد المحرضين على اغتيال رستم حيدر بسبب (اطلاعه على تفاصيل مقتل غازي). ومع افتقار هذا الرأي الى الدليل, يبقى من الصعب الجزم بأن للوصي ضلعاً في مقتل رستم حيدر الذي (سيبقى سراً مكتوماً وأمراً غامضاً وكل ما شاع عنه لا يخرج عن نطاق التخريج, أما السبب الحقيقي فقد أخذه القاتل معه إلى القبر). كان وقع الحادث كبيراً على نوري السعيد الذي عدّه موجهاً على نحو ما ضده, فألقى المسئولية على خصومه, وأثارت إجراءاتها بحق المتهمين, أزمة وزارية بسبب محاولته التدخل في التحقيق وحرفه عن مجراه الطبيعي, مما دفع بعدد من رؤساء الوزارات السابقين الى مقابلة الوصي, حيث قدموا احتجاجاً على تصرفات السعيد, وتدخله في التحقيقات والمحاكمات الجارية بحق المتهمين الآخرين. فأكد لهم الوصي (أن العدل سيأخذ مجراه). وقابل السفير البريطاني الوصي, وأطلعه على برقية وردت إليه من حكومته, تشير الى ضرورة محاكمة المتهمين في تلك القضية في إحدى المحاكم المدنية. أدّت مضاعفات الحادث الى تقديم السعيد استقالته الى الوصي في الثامن عشر من فبراير 1940, واتجهت النية الى تكليف رشيد عالي الكيلاني بتأليف الوزارة الجديدة, الأمر الذي استعرضه كبار الضباط باجتماعهم في دار الفريق حسين فوزي رئيس أركان الجيش, وانتهوا بأكثرية الآراء الى نقل رغبتهم الى الوصي بتكليف الكيلاني برئاسة الوزارة ومنحه حرية الاتفاق مع السعيد والهاشمي. أقلق نبأ الاجتماع وما تسرّب منه كتلة العقداء الأربعة فاجتمعوا بالسعيد في داره بحضور طه الهاشمي, وتقرر في الاجتماع سحب استقالة السعيد وتكليف العقيد صلاح الدين الصباغ مقابلة الوصي لإقناعه برغبتهم دون أن يخشى مسعى الفريق حسين فوزي الذي لا يمثل سوى (مبادرة شخصية) لا تحظى بتأييد الجيش. علّق رئيس أركان الجيش الفريق حسين فوزي, في رسالة بعث بها في مارس 1952 الى مجلة (المواطن) على ملابسات الأحداث في تلك المرحلة بقوله: (كنت أظن أن قضية استقالة نوري السعيد جدية, ولم أدرك أنها كانت لعبة سياسية في الواقع. وبالنتيجة أذعن الوصي, الذي تبيّن له قوة كتلة نوري ــ طه ــ العقداء الأربعة للأمر الواقع, وصدر الأمر بإحالة حسين فوزي وأمين العمري والعقيد العزيز ياملكي, على التقاعد, لتجاوزهم سلسلة المراجع, والإخلال بالضبط العسكري, وكلّف السعيد بمهمة تأليف وزارة جديدة, على أساس قبول استقالة وزارته السابقة. وهكذا (في ليلة واحدة نال نوري ما تمناه, وأثبت قوة مركزه لدى عبدالإله) وفق رواية الصباغ. ألّف نوري السعيد وزارته الخامسة في الثاني والعشرين من فبراير 1940, دون أن يضع منهاجاً لها, بل اكتفى بتقديم كلمة الشكر للوصي لاستيزاره. ولم يكتب لهذه الوزارة أن تبقى في الحكم أكثر من خمسة أسابيع, أدرك نوري خلالها ضعف وزارته, وعجزها عن اتخاذ قرارات حاسمة, ولا سيما فيما يتعلق بالموقف من دول المحور, كما أن العناصر الوطنية كانت تضغط لمجيء وزارة قادرة على انتهاج سياسة تبعد العراق من أن يكون طرفاً في الحرب, الأمر الذي, بدا واضحاً عند استقالة نوري السعيد من رئاسة الوزارة في الحادي والثلاثين من مارس 1940, واختيار رشيد عالي الكيلاني رئيساً للوزراء استجابة لتلك الضغوط. تشكيل وزارة الكيلاني الثالثة على إثر استقالة الوزارة السعيدية الخامسة استأنف الوصي اتصالاته مع أبرز الشخصيات السياسية لتأليف الوزارة الجديدة, فاقترح رشيد عالي الكيلاني, رئيس الديوان الملكي, على الوصي تشكيل وزارة ائتلافية, قادرة على تفادي ضغوط الجيش وتدخله في السياسة. فدعا الوصي الى عقد اجتماع في البلاط الملكي, حضوره نوري السعيد, ورؤساء الوزارات السابقون, أسفر عن حصول الوصي على وعد من المجتمعين بتأييد أية حكومة دستورية يختارها. وقد حظي اقتراح نوري السعيد, في هذا الاجتماع, تكليف رشيد عالي الكيلاني برئاسة الوزارة الجديدة بموافقة الوصي. اعتذر رشيد عالي الكيلاني, بادىء الأمر, من الاضطلاع بأعباء الحكم, ونتيجة إلحاح الوصي ونوري السعيد وطه الهاشمي. استجاب الكيلاني لرغبة الوصي, بعد أن تولى المفتي الحسيني إقناعه بها. فوافق على تشكيل الوزارة, شريطة قيام رؤساء الوزارات السابقين وساسة البلاد البارزين بكتابة (تعهد خطي), تطلق بموجبه يده لرسم السياسة التي يراها مناسبة لصالح البلاد. فوافق الجميع على إقرار ذلك التعهد, الذي عدّه الكيلاني (وثيقة تاريخية هامة), واتفقت آراء الموقعين على تأليف وزارة ائتلافية يختار الوصي رئيسها, وفق التقاليد الدستورية, تحظى بدعم السياسيين في داخلها وخارجها, ومن يتعذّر عليه الاشتراك فيها بسبب مقبول لدى الوصي, فإنه يؤيدها ويتجنب مناوأتها والمرجّح أن دور نوري السعيد كان مؤثراً في تنظيم هذه الوثيقة لأنه أراد أن يجمع كبار الساسة في وزارة قوية, يضمن فيها الهيمنة على سياستها الخارجية, وصولاً إلى تحقيق هدفه في التعاون المطلق مع بريطانيا, في ظل تلك الظروف الصعبة بالغة التعقيد. ألّف الكيلاني وزارته الثالثة في الحادي والثلاثين من مارس 1940, واستجابة لرغبة الوصي, عهد بحقيبة الخارجية الى نوري السعيد, كي يُثبت للبريطانيين أن ابتعاد الأخير عن رئاسة الوزارة لا يعني حدوث أي تغيير في سياسة العراق الخارجية وموقفه تجاه بريطانيا. ومع ذلك, تلقت الأوساط الشعبية والسياسية نبأ تكليف الوزارة الكيلانية الثالثة بارتياح, وقابلها الرأي العام باحترام وحماسة وأطلقت عليها الصحافة العراقية (وزارة الائتلاف الوطني). أكّد الكيلاني في منهاج وزارته, الذي استعرضه أمام مجلس النواب في السادس من ابريل 1940, على أن سياسة حكومته لا تختلف عمّا ورد في أكثر مناهج الوزارات السابقة, وأنها ستؤكد على تعزيز أسس التحالف العربي, وتوثيق أواصر الصداقة والتحالف مع بريطانيا على أسس المصالح المتبادلة. وجدت التطورات السياسية والعسكرية على الساحة الدولية, انعكاساً لها داخل الوزارة الكيلانية الثالثة, الأمر الذي بدا واضحاً عند دخول ايطاليا الحرب الى جانب ألمانيا في العاشر من يونيو 1940, ومطالبة السفير البريطاني بازل نيوتن, الحكومة العراقية مقاطعة روما سياسياً, وقد أيّد وزير الخارجية نوري السعيد طلب السفير البريطاني, في الاجتماع الذي كُرّس لهذا الغرض في العاشر من يونيو 1940, بينما أيّد أغلب الوزراء فكرة التريث حتى انجلاء الموقف العربي في أوروبا, واتضاح مواقف الدول الأعضاء في (ميثاق سعد آباد), والوقوف على موقف مصر التي بات خطر الحرب محدقاً بها. عندها طلب السعيد من المجلس أن يتخذ قراراً رسمياً بهذا الصدد, فأرجأ المجلس جلسته الى اليوم التالي لوضع صيغة القرار. الوصي يناور ترأس الوصي اجتماع مجلس الوزراء في البلاط الملكي يوم الحادي عشر من يونيو 1940, استمع فيه إلى آراء الوزراء التي سبق أن طُرحت في اجتماع اليوم السابق, وبعد مناقشة مستفيضة للموضوع, أقرّ المجلس التريث في موضوع قطع العلاقات مع ايطاليا مع تأكيد تمسك العراق بمعاهدة التحالف مع بريطانيا القرار الذي أبلغ رسمياً الى السفير البريطاني. وعلى هذا الأساس, انفض الاجتماع الوزاري, دون أن يُبدي الوصي رأياً صريحاً في الموضوع. ويبدو أن الوصي, لم يرغب في الافصاح عن حقيقة رأيه, بل تركه أسير تطورات الأحداث, لأنه أراد الاحتفاظ بهامش مناورة مع دول الجوار, وإن كانت عواطفه مع الحلفاء, لأن الموقف الحزبي آنذاك كان في صالح المحور, وكأن لسان حاله يقول: (إذا كان النازيون هم الذين سيفوزون, فإن أملنا الوحيد هو ألا نعمل شيئاً يستفزهم الآن). ومن هنا لا نتفق مع رأس ساطع الحصري الذي مفاده أن الوصي عمل في هذا الاجتماع, (على تلبية جميع الرغبات البريطانية دون تردد أو مناقشة). إن الوصي كان قد استشار عدداً من السياسيين, من أمثال السيد محمد الصدر وجميل المدفعي وتوفيق السويدي, في موضوع قطع العلاقات مع إيطاليا, الذين نصحوه بعدم إغضاب البريطانيين في هذه القضية. لكن مع ذلك, لم يكن هدف الوصي الوحيد في هذا الاجتماع, وكما يشير الى ذلك أحد الباحثين, هو تأييده المطلق لقطع تلك العلاقات, أو محاولة منه للتأثير في بعض الوزراء, ودفعهم إلى تغيير موقفهم المعارض لقطع تلك العلاقات في أقل تقدير, فالوصي كان (هادئاً مرتاحاً نوعاً ما من القرار) حسبما يؤكد ذلك طه الهاشمي, الذي حضر الاجتماع, وناقش القرار, وأيّد الوصي بـ (ضرورة التريث). شعرت الحكومة البريطانية بعدم الارتياح من التوجهات الجديدة للحكومة العراقية, ولا سيما بعد تسرّب أنباء عن اتصالات رسمية عراقية بجهات ألمانية, والاهتمام بالقضية العربية, فضلاً عن تقوية الجيش العراقي بضمان تسليحه فأوعزت إلى سفيرها في بغداد بازل نيوتن, بمقابلة الوصي تحديداً للموقف. وفي السابع من نوفمبر 1940 التقى السفير بالوصي بحضور وزير الخارجية نوري السعيد حيث عبّر عن استياء حكومته الكبير من سياسة الكيلاني ولا سيما بعد صدور تصريح المحور. وقد عبّر الوصي للسفير البريطاني عن استيائه من الحكومة القائمة للأسباب نفسها, وتحدث معه في موضوع تغيير الوزارة ذاكراً له أن وزير الخارجية نوري السعيد, يرغب في الاستقالة ليسبب سقوطها, لكنه (أي الوصي) يفضل تأجيل ذلك حالياً ليتسنى لمجلس النواب أن يهاجم الوزارة أولاً, مما يجعل استقالة وزير الخارجية أكثر تأثيراً. وأضاف الوصي, أنه يفضل أن يكون نوري السعيد وزيراً للدفاع في الوزارة المقبلة, ليتمكن من السيطرة على الجيش. فنقل السفير البريطاني تفاصيل هذا الاجتماع الى حكومته قريباً). أدرك البريطانيون ضرورة التخلص من الكيلاني, (الذي يقيم علاقات سرية مع المحور) في أقرب فرصة, ليس فقط رئيساً للوزراء, بل إخراجه من الوزارة نهائياً, المضمون الذي تضمنته برقية الخارجية البريطانية إلى سفيرها في بغداد, الذي قابل الوصي ثانية, في السادس عشر من نوفمبر 1940, وأبلغه بحضور نوري السعيد أن حكومته لم تعد واثقة بالوزارة الكيلانية القائمة.