في خضم ردود الفعل العربية والدولية والضجيج الإعلامي المرافق لها تجاه عملية القصف الجوي الكبيرة التي قام بها سرب من 24 طائرة أمريكية (بمشاركة بريطانية) ضد أهداف داخل العراق قبل أيام عدة لم يُطرح سؤال حول التوقيت.. أي: لماذا اختارت إدارة بوش منتصف فبراير لتنفيذ هذا التصعيد الجوي الذي تميّز بصفة خاصة أولاً بحجمه, وثانياً باستقصاده أهدافاً عسكرية قرب العاصمة بغداد.. أي خارج النطاق الجغرافي لمنطقتي (الحظر الجوي)؟ دون طرح السؤال بصورة مباشرة أشارت بعض وسائل الإعلام الغربية إلى أن الهجوم الجوي الأمريكي حدث قبل عشرة أيام من موعد محدد سلفاً لاجتماع بين وزير خارجية العراق والأمين العام للأمم المتحدة وكأن ما أرادته واشنطن من وراء العملية الجوية هو خلق ظرف جديد من التوتر لإفساد ذلك الاجتماع المرتقب. لكن يبدو أن الأمر أعمق من ذلك. فالقصف, كما أوضحت التطورات التالية, يتعلق بواشنطن نفسها أكثر من تعلقه بالأمم المتحدة. وعليه فإن ربط الهجمة الجوية الأمريكية بزيارة وزير الخارجية في إدارة بوش الجديدة ربما كان الأقرب الى الدقة. لقد جاءت الهجمة قبل أسبوع بالضبط من مشروع الجنرال كولين باول في أول زيارة له الى الشرق الأوسط بعد توليه منصبه في الإدارة الأمريكية الجديدة. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار الهجمة الأمريكية ضد العراق كرسالة افتتاحية بشأن توجهات السياسة التي تعتزم إدارة بوش اتباعها تجاه المسرح السياسي في الشرق الأوسط. إنها إذن, كما يقول تعبير تصويري إنجليزي (رافعة ستار) في أغلب الظن. إن كل المؤشرات السابقة لجولة باول والمرافقة لها تدل على أن المرتكز الأساسي لموجهات السياسة الأمريكية الجديدة تجاه الشرق الأوسط هو معادلة (تقسيم عمل) بين الولايات المتحدة وإسرائيل باتفاق كامل بينهما: أمريكا تتولى أمر العراق.. بينما تتجاهل القضية الفلسطينية تاركة أمر الفلسطينيين للزعيم الصهيوني المتشدد أرييل شارون. وهي معادلة قائمة على أسلوب الضرب التأديبي: أمريكا تضرب العراق.. وإسرائيل تضرب الفلسطينيين. لا يمر يوم دون أن يصدر عن واشنطن شيء بشأن العراق: إما تهديد مباشر أو رد على انتقاد دولي أو إجراء اتصال دبلوماسي. ومما يلفت الانتباه أنه رغم الضجة الدولية الناقدة التي استقبلت أنباء عملية الهجوم الجوي الأمريكي على العراق لم يكن رد واشنطن إلا شن عملية ثانية. والسؤال التالي الذي يجب أن يُطرح هو: ما الحكمة وراء سياسة (تقسيم العمل)؟ لننتبه أولاً إلى أن استمرار الانتفاضة الفلسطينية ورد الفعل الأمريكي نحوها فضح بصورة تامة خدعة دور (الوسيط النزيه المحايد) الذي ظلت واشنطن تدعيه لنفسها منذ (أوسلو). فقد ثبت عملياً مدى الانحياز الأمريكي النشط لصالح إسرائيل ضد الفلسطينيين. و من هنا وجب تغيير الدور. وليس معنى ذلك أن واشنطن سوف تدير ظهرها للصراع العربي الإسرائيلي.. إنما معناه هو أيضاً أنها قررت فيما يبدو أن تلعب دورها من وراء ستار داعمة بصورة نشطة سياسة تكسير العظام التي يتوقع أن يتبناها شارون. بالإضافة الى هذا أدركت واشنطن أن قضية الفلسطينيين تجمع العرب بينما قضية العراق تفرّق بينهم. فحتى أشد الدول العربية تحالفاً مع الولايات المتحدة ليس بوسعها تأييد إسرائيل ضد الفلسطينيين علناً وعلى طول الخط فإن هناك دولاً عربية لا تتحرج من الاستمرار في المطالبة بعدم رفع الحصار عن العراق متذرعة بقرارات (الشرعية الدولية). وهكذا فإننا على أعتاب مرحلة نشهد فيها الولايات المتحدة تواصل ممارسة العدوان المكشوف على العراق بينما يواصل شارون ضرب الفلسطينيين. لكن لكل فعل رد فعل.