حرب الذاكرة المشتعلة بين نخبة الحكم العلماني في تركيا واصدقائها اللدودين في أوروبا, أخذت ابعادا متطورة هذه الأيام, وإذا كان التاريخ يمارس دور العبء أو الحافز بحسب زاوية النظر والتعامل, فهو الآن يمثل في العلاقات التركية الأوروبية عبئا على الجانبين, لاسيما التركي منهما. كانت الجمعية الوطنية الفرنسية تبنت في 18 يناير الماضي, قانوناً يعترف بأن السلطة العثمانية قد شنت إبادة جماعية بحق الأرمن بين عامي 1915 و1917 وأنها أوقعت نحو 5.1مليون قتيل منهم. وبذلك أخذ البرلمان الفرنسي بالرواية التي تتداولها الجماعات الأرمنية في أوروبا والولايات المتحدة, وأهمل التكييف التركي للمسألة, الذى ينفي قضية الإبادة من ناحية وينخفض بعدد الضحايا إلى ما بين 300 و500 ألف (لا غير!) لم يحفل الجانب الفرنسي بموقف تركيا ولا بمنظورها ولا بحساسية التوقيت بالنسبة لها ولصورتها الأوروبية والعالمية, مما تسبب في غضب بالغ في أنقرة, ويبدو أن الدوائر التركية راحت تستطلع أنماط الرد, وحينما يئست من إمكانيات تأثيرها سياسيا أو اقتصاديا على الخطوة الفرنسية, تفتق ذهنها عن فكرة حسبتها ألمعية. وهي أن يكون هجومها المضاد من جنس الفعلة أي في إطار إثارة الجراح التاريخية ونكئها. وهكذا اتفق نواب البرلمان التركي على إصدار قانون حول التجاوزات التي ارتكبتها فرنسا بحق مستعمراتها السابقة, وبدلا من التركيز على مذبحة فرنسية واحدة. وجد النواب الأتراك أن لديهم في سجل فرنسا ما يدينها في الأناضول وفي الهند الصينية والجزائر وفي رواندا. لكن الرد على فرنسا لن يكون كافيا بهذا الخصوص. ذلك بأن الجبهة المضادة امتدت من باريس إلى بقية العواصم الأوروبية و تخطت الأطلسي إلى واشنطن. ففيما يشبه الاتفاق الودي الجماعي, طفت القضية الأرمنية المغيبة لثمانية عقود إلى السطح في معظم العواصم الغربية. وفي إيطاليا, ذهب نواب رابطة الشمال إلى ضرورة وضع القضية على جدول أعمال القمة الأوروبية القادمة. وحدث الشيء ذاته في بلجيكا, وحتى بابا الفاتيكان, أصدر بيانا يندد بالإبادة الجماعية التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن, وهي السابقة الأولى من نوعها بالنسبة للمقام البابوي, ولولا أن الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون استخدم سلطاته لتم اعتماد اعتراف الكونجرس بالإبادة ووصم السلوك العثماني بها بصفة نهائية من جانب الولايات المتحدة. ولأن البرلمان الاتحادي الأوروبي يعبر عن بيئته المحمومة هذه, فقد تولى تلخيص المطلوب من تركيا اليوم نيابة عن تركيا الأمس, وهو أن تعترف حكومة أنقرة بجريمة الإبادة بأثر رجعي, على أن يكون هذا الإقرار أحد الشروط والمقتضيات التي تضاف للأوراق التركية قبل اعتمادها كعضو عامل في الاتحاد. لقد أضاف الأوروبيون إذن إلى قائمة الشعائر المطولة المطلوبة من الشريك التركى اللحوح, شعيرة يكاد يكون أداؤها مستحيلا, فتركيا تدرك أن جريمة الإبادة لا تسقط بالتقادم, ومن ثم فإن انصياعها للحملة الأوروبية (الغربية) سوف يجر عليها مشاكل يصعب حصرها, ويبدو أن هذا هو بيت القصيد في حرب الذاكرة المنصوبة أوروبيا ضد أنقرة. يقال بأن الحملة الأوروبية تعزى إلى نجاح اللوبيات الأرمنية في حث الأوساط السياسية على تولي قضيتهم المتقادمة وبعثها من رقادها. ويمضي البعض إلى ضرورة الاعتبار بحسن الأداء الأرمني ودقة التنظيم والقدرة على إثارة الاهتمام الاعلامي والسياسي, بقضية طال الظن بطيها ونسيانها. غير أن هذا التحليل ينطوي على مبالغة. وربما يتأكد هذا التقدير في ضوء الامتعاض التي تستشعره قوى في ارمينيا الدولة من التركيز على هذه القضية وتداعيات ذلك على مصالحها. والعلة هنا أن تركيا لديها ما تضر به هذه المصالح, كالتخلى عن حيادها في الصراع الأرمني الأذربيجاني؟ ولاقليم قرهباخ, وإمكانية فرض الحصار اقتصادياً على أرمينيا, والتوقف عن مساعي التقارب معها التي أوشكت على الإيناع. التقدير الأرجح هو أن الاوروبيين يتحفظون بقوة على الحاق تركيا بناديهم الحضاري الذي يحمل عنوان الاتحاد الأوروبي. وهم يثيرون العقبة تلو الأخرى لأجل اعاقة الطموح التركى. وأن حملتهم الأخيرة التي تستلهم أحداثا من حقبة يعلمون جيدا مدى تبرؤ تركيا المعاصرة منها, تنتمي إلى الشروط التعجيزية التي يصطنعوها كلما اقتربت أنقرة من استحقاقات الالتحاق بهم. النخبة الحاكمة التركية تتفهم على مضض وغيظ بالغين, أن يعلق الأوروبيون استقبالها في اتحادهم على مزيد من التحول الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي وإظهار تجليات العلمنة ومطاردة المظاهر الشرقية.. بيد أن دفعها للاعتراف بجريمة مروعة هى جزء من التاريخ الذي تريد هي ويراد منها هجرانه, عمل فوق الطاقة والاحتمال. لقد أثبتت الجماعات الأرمنية جدارة تنظيمية في المهاجر الغربية, غير أن الارتقاء بقضيتهم إلى طور الشرط الفارق لانتماء تركيا العلمانية من عدمه لأوروبا, أكبر من قدرات هذه الجماعات. على الأقل, لأن دولا أوروبية كثيرة انضمت للاتحاد الأوروبي وأخرى مرشحة للخطوة ذاتها, من دون التنقيب في صفحات تاريخها, سوداء كانت أم بيضاء.. ثم كيف تأتى لهذه الجماعات أن تنجح في توقيت واحد أو متقارب في اعادة الاعتبار لقضية الابادة الأرمنية في تركيا العثمانية, بحيث انتفض الأوروبيون والأمريكيون على قلب رأي واحد يحملون المطلب ذاته الى أنقرة؟! مهما يكن من أمر, فإن أجواء العلاقات التركية الغربية لم تكن صافية تماما قبل هذه القضية, لكن القصف التاريخى المتبادل, سوف يضيف لطين هذه العلاقات بحرا, وأكثر ما يثير الأسى, وربما السخرية, في هذا السياق, هذا الإصرار التركي حتى الإستماتة والاهانة على ركوب قطار على غير رغبة أهله وقادته. ويقينا نحن مقبلون على إثارة جديدة في المشهد التركي الغربي.. فعلى افتراض تقبل النخبة الحاكمة في أنقرة للتحدي واستحضار الأوراق الصفراء والسوداء في كتاب التاريخ الاستعماري الأوروبي, وإعادة الترويج لأعمال الإبادة الأوروبية, وهي كثيرة بطول الخارطة العالمية وعرضها, فهل سيكون لهذه السياسة رد الفعل ذاته على الصعيد العالمي, مقارنة بالحملة الغربية؟ إننا نشك في ذلك, فمن أين لأنقرة هذا النفوذ الاعلامي والسياسي والدولي الذي لخصومها في عالم الغرب؟! كاتب فلسطيني ــ القاهرة