بقدر ما أثار ترشيح مصر لوزير خارجيتها عمرو موسى ليكون الأمين العام الجديد للجامعة العربية من ارتياح عربى شامل, بقدر ما أثار من تساؤلات على الساحة المصرية بسبب الظروف التى تم فيها الترشيح المفاجئ, وبسبب شخصية الوزير وما حققه من نجاح على المستوى الرسمى وما استقطبه من مشاعر الاعجاب لدى الملايين فى الشارعين المصرى والعربى. القاهرة أعلنت بوضوح, وبدون لف أو دوران, أن ترشيح عمرو موسى كان قرارا اضطراريا للقيادة السياسية حتى تمنع انقساما عربيا جديدا كان يهدد القمة العربية المقبلة التى ستتخذ القرار بشأن الأمين العام للجامعة العربية فى المرحلة المقبلة, وذلك بعد أن أصبح واضحا أن هناك دولا تعترض على التجديد للأمين الحالى الدكتور عصمت عبد المجيد سواء لفترة كاملة (خمس سنوات) أو حتى لعامين فقط, وبعد أن بدأت بعض الأطراف تغذى من فكرة أن يكون الأمين العام الجديد غير مصرى حيث أن الميثاق للجامعة لا يشترط أن يكون من دولة المقر.. حتى ولو كانت الدول العربية قد التزمت منذ قيام الجامعة باختيار الأمين من دولة المقر حتى عندما انتقلت لفترة قصيرة إلى تونس فاختارت الشاذلى القليبي لهذا الموقع. على كل حال فإن الأمر لابد أن يحسم فى مرحلة مقبلة تفاديا للبس وحتى تكون الأمور واضحة, أما الآن وفى الظروف التى تمر بها الأمة العربية فإن المطلوب بسرعة ألا نفتح أبوابا جديدة للخلاف, وأن يكون هناك مرشح تجمع عليه كل الأطراف عن اقتناع بشخصه وعن تقدير لدوره وعن أمل فى أن يقود العمل فى المنظمة العربية باقتدار فى هذه المرحلة الصعبة فى تاريخ العرب. ولا أظن أن قرار ترشيح عمرو موسى كان قرارا سهلا بالنسبة للقيادة السياسية فى مصر, فالرجل الذى قاد الدبلوماسية المصرية بنجاح خلال السنوات العشر الماضية تشتد الحاجة إلى بقائه فى ظل التطورات الخطيرة فى المنطقة, ولكن عدة عوامل حسمت فيما يبدو القرار فى مقدمتها: ــ أن الجامعة العربية مقبلة على مرحلة هامة من العمل العربى المشترك, بعد إقرار اجتماعات القمة الدورية, وبعد أن أدرك الجميع فشل المسارات المنفردة.. سواء على مستوى البحث عن تسوية سياسية للصراع مع العدو الإسرائيلى, أو فى مشروعات التنمية الوطنية, أو فى ملاحقة العصر وتحدياته على كافة المستويات. ــ إن وجود شخصية مثل عمرو موسى لقيادة الجامعة العربية سوف يعطيها ثقلا تحتاج إليه لتتحول من مؤسسة إدارية أصبحت فى أحيان كثيرة تمثل عبئا على العمل العربى المشترك إلى مؤسسة سياسية تجمع العرب وتوحد كلمتهم وتخاطب المستقبل برؤية علمية موضوعية بدلا من الاستغراق فى الماضى والإنشغال بهمومه والاكتفاء بالشعارات والكلمات الحماسية. فالمطلوب هو تحويل الجامعة من مبنى للذكريات إلى مشروع مشترك للبحث عن المستقبل. ــ إن ترشيح عمرو موسى سوف يحسم الأمر ويوقف الجدل حول شخص الأمين العام الجديد وجنسيته, وسوف يوفر للقمة المقبلة مناخا إيجابيا تحتاجه لمواجهة التحديات المطروحة. كما أن إجماع العرب على اختيار عمرو موسى سوف يحصد الدعم العربى لدور مصر المحورى والهام, وهو دعم تحتاجه القاهرة ويحتاجه العرب فى وجه حملة مشبوهة تستهدف عواصم الدول العربية صانعة القرار وفى مقدمتها القاهرة. إيمانا من أصحاب هذه الحملات بأن الأدوار المحورية فى المنطقة ينبغى أن تبقى فى أيد غير عربية. ــ إن الدبلوماسية المصرية ــ بكل تاريخها وإمكانياتها ــ قادرة على ملء الفراغ الذى سيخلفه عمرو موسى, ولديها الكوادر المؤهلة للتعامل مع القضايا الشائكة التى تواجه السياسة الخارجية المصرية. وباستثناء فترة قصيرة دخلت فيها بعض العناصر العسكرية إلى السلك الدبلوماسى, فإن الخارجية المصرية تعتمد على كوادرها الخاصة المؤهلة للعمل الدبلوماسي, ولا تلجأ لما تفعله بعض الدول الأخرى (ومنها أمريكا) فى الاستعانة بكوادر من خارج المؤسسة لشغل المناصب الرئيسية التى يتغير شاغلوها مع كل إدارة ورغم بعض الإيجابيات فى هذا النظام الأخير.. إلا أنه لا يوفر ما يوفره النظام الذى تتبعه الخارجية المصرية لكوادرها من استقرار وتراكم خبرة وطموح فى تولى المناصب العليا. ــ وهكذا حسمت القيادة السياسية فى مصر قرارها ورشحت عمرو موسى لموقعه الجديد, وأثار الترشيح ارتياحا عربيا عاما, ولكنه أثار ردود فعل متباينة لدى الرأى العام المصرى فموسى هو الذى تحمل مسئولية التعبير عن الموقف المصرى من قضايا شائكة عديدة فى السياسة الخارجية, وخاصة فى العلاقات مع أمريكا وإسرائيل. ولأن السنوات العشر الماضية شهدت محطات عديدة للتوتر فى العلاقات المصرية الأمريكية, وفى علاقة القاهرة بإسرائيل, فقد تركزت الأضواء على عمرو موسى ليصبح أشهر الوزراء المصريين وأكثرهم احتراما وحضورا فى الشارع المصرى الذى وجد السياسة الرسمية في هذه المواقف تتوافق مع مشاعره الوطنية والقومية. ــ فى هذه السنوات كانت مصر تسعى للم الشمل العربى على غير رغبة واشنطن. وكانت القاهرة تتخذ مواقف متصلبة فى دعم المفاوض الفلسطينى وتتهم أمريكا بعدم التعاون من أجل تحقيق السلام! وفى هذه السنوات كانت القاهرة تسعى لفك الحصار عن العراق وليبيا والسودان فيتم تهديدها بحصار دورها واضعاف قدراتها, وكانت القاهرة ترفض الضغوط لفرض الشرق أوسطية على العالم العربى, وتعمل لإيقاف سباق الهرولة العربية إلى تل أبيب, وتصر على حل عادل يعيد الأرض والحقوق العربية, وتدعو لتعاون اقتصادى عربى, وتنجح فى عقد القمة العربية وفى إقرار دورتها. وفى هذه السنوات واجهت القاهرة محاولات أمريكا لحصار دورها العربى, وتهديدات الكونجرس بقطع المعونة, واتهامات الإعلام الأمريكى بأنها تضطهد الأقباط وتعرقل جهود السلام (أو الاستسلام) مع إسرائيل وترفض التطبيع مع الكيان الصهيونى رغم المعاهدات والاتفاقيات, كما واجهت محاولات فرض الارهاب وضرب السياحة على يد جماعات مشبوهة تربت فى أحضان المخابرات الأمريكية وتدربت على يدها فى أفغانستان وغير أفغانستان. وفى هذه السنوات كان عمرو موسى هو المشرف على تنفيذ السياسة الخارجية لمصر والتعبير عنها, وقد نجح فى مهمته بامتياز, وكان موضع تقدير القيادة السياسية فى مصر, وموضع إعجاب الرأى العام المصرى والعربى, وكان فى الوقت نفسه هدفا لهجوم إسرائيل وأنصارها فى واشنطن. وما أكثرهم وما أوقحهم ! وقد ساعد على بروز دور عمرو موسى فى هذا المجال عدة عوامل, بالإضافة طبعا لما يملكه من مؤهلات دبلوماسية ورؤية سياسية وحس وطنى وقومى. ومن هذه العوامل : ــ أن السياسة الخارجية المصرية تخضع للإشراف المباشر للرئيس مبارك. والمواقف الحاسمة يتخذها هو. وإذا كان الرئيس مبارك يعبر عن هذه المواقف بصورة إجمالية, فإن وزير الخارجية هو الذى يشرف على التنفيذ وهو الذى يتعامل مع المواقف اليومية وتفاصيل المشكلات ويملك حرية التعبير عن الموقف المصرى فى إطار الخطوط الأساسية التى تحددها القيادة السياسية. ــ إن الحكومة ورئيسها بعيدة عن مجال السياسة الخارجية التى تخضع ــ كما قلناــ لإشراف القيادة السياسية, مثلها مثل الأمن الداخلى والقوات المسلحة, وهو الأمر الذى يجعل للوزراء المشرفين على هذه المجالات مكانة خاصة باعتبارهم مسئولين عن وزارات السيادة. ويلاحظ هنا أن بيان الحكومة أمام مجلس الشعب لم يتناول شيئا من أمور السياسة الخارجية لمصر.. الأمر الذى جسد واقع توزيع الاختصاصات فى دوائر الحكم. ــ إن عمرو موسى لم يكن مجرد دبلوماسى محترف فى ممارسته لعمله, بل كان رجل سياسة يملك الرؤية الواضحة للواقع والمستقبل, وتزداد أهمية هذا العامل فى ظل حكومة تكنوقراط لايملك الحس السياسى فيها إلا قلة قليلة, ويتعامل الوزراء فيها مع الجانب الفنى فقط. ــ إن النجاح الذى حققته السياسة المصرية فى المجال الخارجى والعربى خلال السنوات العشر الماضية كان واضحا والخط الذى سارت عليه في هذا المجال استقطب تأييدا كبيرا من مختلف الاتجاهات السياسية, بينما لقيت السياسات الداخلية ومازالت خلافات كبيرة.. سواء فى الجو انب الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية. وقد انعكس ذلك على الرأى العام الذى أيد العديد من المواقف الحاسمة تجاه إسرائيل وفى مواجهة الضغوط الأمريكية, ونالت السياسات التى عبر عنها عمرو موسى هنا اتفاقا عاما من جميع الاتجاهات. * ومن هنا كان ترشيح عمرو موسى لأمانة الجامعة العربية مفاجأة للرأى العام فى مصر.. خاصة أن الجامعة العربية بوضعها الحالى لا تمثل للمواطن العادى شيئا مؤثرا يمكن التضحية من أجله. كما أن هذا الترشيح جاء فى وقت تتغير فيه الإدارة الأمريكية ويأتى فيه السفاح شارون إلى حكم إسرائيل. وتتدهور فيه الأوضاع فى المنطقة, وتحتاج فيه الدبلوماسية المصرية إلى كل طاقاتها لمواجهة الموقف وتداعياته المحتملة الخطيرة. ــ بالنسبة للقاهرة ولاشك أن هذا التوقيت لم يكن أحسن الأوقات لتغيير قيادة الدبلوماسية المصرية, ليس لأن هذا التغيير يعنى تغييرا فى السياسات كما يروج البعض, ولكن لأن استقرار الأوضاع فى الخارجية المصرية كان أفضل بالطبع.. ولكن للضرورة أحكام, وقد يكون هذا هو أحسن الأوقات لتغيير حاسم فى العمل العربى المشترك تحتاجه مصر ويحتاجه العرب جميعا. إن وجود عمرو موسى فى موقعه الجديد, مع دعم كامل من القاهرة وثقة كاملة من الأطراف العربية وفى مقدمتها السعودية وسوريا والعراق قد يمهد الطريق لإتمام المصالحة المنشودة والضرورية لإنقاذ العالم العربى من كارثة استمرت عشر سنوات ويراد لها أن تستمر للأبد. إن وجود عمرو موسى فى موقعه الجديد قد يكون فرصة لإنهاء مأساة الاستفراد بالأطراف العربية فى محاولة فرض التسوية الإسرائيلية الأمريكية عليها. إن لقاء فلسطين وسوريا, وتنسيقا كاملا بين دول الطوق هو السبيل الآن لبناء موقف عربى تفاوضى, تدعمه باقى الدول العربية بإعلان التزامها بالسلام العادل والشامل على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولية, وإعادة الحقوق العربية والأرض المغتصبة. إن وجود عمرو موسى فى موقعه الجديد قد يكون فرصة إذا وجد الدعم الكافى لاعادة ترتيب الأوراق العربية وانتشال العمل العربى المشترك من حالة الموات التى يمر بها, واستغلال حالة الاستنفار والغضب التى يمر بها الشارع العربى فى الضغط من أجل موقف رسمى موحد يوقف الابتزاز الأمريكى والعدوان الإسرائيلى والإستهانة العامة بالعرب وحقوقهم. إن وجود عمرو موسى فى موقعه الجديد قد يستعيد ثقة الشارع العربى بهذه المنظمة التى كادت تتحول إلى مجرد شاهد على ضياع الاحلام العربية الكبيرة, وقد ينجح فى تحويلها إلى مؤسسة تتكلم لغة العصر وتتخلص من ترهلها الإدارى وبيروقراطيتها السقيمة, وتستفيد من إحساس الجميع بالخطر لبعث الحياة فى اتفاقيات كان فى إمكانها لو طبقت أن تحقق خطوات كبيرة للتضامن العربى المفتقد. إنه ليس وقت البكاء على ما ضاع, ولا الغرق فى أوهام مستحيلة, ولكنه وقت مواجهة التحديات والتئام الجروح ولم الشمل وتغيير نظرة العالم الينا كأمة تعيش على الهامش.. إذا استمر الهامش متاحا فى زمن الأقوياء. أما الشارع المصرى فينتظر التغيير الوزارى القادم. ولعله يجد فى اسم وزير الخارجية الجديد ما يبعث فى النفوس المزيد من الطمأنينة, ولعله يجد العزاء أيضا فى خروج وزراء سوف يسعد الجميع خروجهم, وفى دخول وجوه جديدة تمنح الحكومة شيئا من الشباب والحيوية والمصداقية. وعسى ألا يتكرر ما حدث عند تشكيل الوزارة الأخيرة حين دخلتها وجوه لا نعرف حتى الآن أسماءها, ولا لماذا ادخلت الوزارة.. ولعلهم هم أيضا لا يعلمون !