ينتابني شعور بالغثيان, بالحسرة, بالألم من سوء حالنا, من وضعنا الآيل للسقوط من حالة الانكسار والقنوط, من التشبث بالحياة بلا حياء, من صمتنا الذي يطبق على كل الاشياء.. العدو يحاصرنا من كل حدب وصوب والكل غير مبال, الاوضاع تزداد سوءاً ولا حراك الخوف يسيطر علينا.. كلامنا اصبح همساً والرأي نخفيه والتصريح عندنا مجرد تلميح.. والحرية تنتظرها هبة وعطية.. سلامنا بمثابة استسلام مقاومتنا هي القيام لاداء التمام. لا ادري لماذا فجأة تذكرت ابياتاً من الشعر كتبها المبدع الفلسطيني احمد مطر يقول فيها: فكرت بأن اكتب شعراً لا يهدر وقت الرقباء لا يتعب قلب الخلفاء لا تخشى من ان تنشره كل وكالات الانباء ويكون بلا أدنى خوف في حوزة كل القراء هيأت لذلك أقلامي وحشدت جميع الآراء ثم.. بكل رباطة جأش أودعت الصفحة امضائي وتركت الصفحة بيضاء راجعت النص بامعان فبدت لي عدة اخطاء قمت بحك بياض الصفحة واستغنيت عن الامضاء انني اتساءل هل السبب وراء كل ذلك يعود لحالة الخوف والرعب التي تسيطر علينا, وخشيتنا من ابداء رأي صريح لما يجري حولنا؟ هل هي الوصاية التي فرضت علينا كعرب.. فالرأي بالوكالة والقول بالوكالة؟ أم انه الضعف في مواجهة الحقائق ومقاومة الباطل؟ ان حياتنا تبدأ بصرخة وتنتهي بمرثية بكائية كبيرة, فلماذا الصراخ والبكاء يسيطران علينا منذ لحظة الميلاد, وحتى لحظة الميعاد بالفراق الابدي. ان الوعي هو الذي يمثل دائماً أسلوب الانسان في التعامل مع الواقع, والوعي هو صفة الانسان العاقل الذي يميز بين الاشياء ويدرك اهميتها ويحسن اسلوب التعامل معها. وقد قال الفيلسوف العالمي دييف يوماً: (ان الغرور يتمدد في الرؤوس الفارغة) وللأسف الشديد فإن اصحاب الرؤوس الفارغة كثيرون في هذا الزمان.. وهم يعتقدون دائماً ان الله قد منحهم وحدهم فصاحة اللسان, ورجاحة العقل. وذلك قمة الغرور. ولهذا فإنهم لا يمنحون الفرصة لغيرهم للعمل او التعبير واحداث التغيير.. ولهذا نجد ان حالة الانكسار التي تمر بها امتنا الآن هي نتاج طبيعي لافرازات عديدة منها الخوف وحب السيطرة لدى البعض والتمسك بأساليب بالية لا تواكب روح العصر مع المحاولات المستمرة لقمع الآخر ومصادرة رأيه وحرمانه من قول كلمته. ولكن يبقى السؤال دائماً فارضاً نفسه وقائماً.. هل يستقيم الظل والعود أعوج؟ قد تكون الاجابة بسيطة في نظر البعض, لكنها صعبة ومعقدة خاصة في زماننا هذا الذي اصبحت فيه الرؤية ضبابية والنظرة ظلامية, والحالة عقيمة والخطوط غير مستقيمة. ولكن رغم كل ذلك يحاول البعض التمسك بخيوط الامل ولو كانت ضعيفة ويسعى لقول كلمة الحق ولو كان ذلك همساً لأن الكلمة امانة, ولأن الساكت عن قول الحق شيطان أخرس. وكما قال الأديب العالمي البير كامي (جئت لأقول كلمة وسأقولها, فإذا ارجعني الموت قبل أن ألفظها, فإن الغد سيقولها). آخر نقطة يقول مثل ايطالي: (نستطيع ان نرسم زهرة جميلة, لكن كيف لنا ان نأتي بعطرها).