من باب المداعبة والاطلاع اهداني الصديق العزيز احمد سعد الشريف شريطاً غنائياً مثيراً للمطرب المصري الشعبي شعبان عبدالرحيم الذي يتصدر اسمه اسماء الكثير من الفنانين سواء على ساحة الغناء أو التمثيل او الفنون الاخرى. حكاية هذا المطرب ببساطة تامة انه يكره اسرائيل مثله مثل كل العرب ورغم ذلك أصبح هذا الكره التلقائي يعادل 4 ملايين جنيه أو اكثر! ولأنها دنيا فهي تأتي احياناً بوجهها العابس ونفسها الضيقة وصوتها المخنوق وآهتها الثكلى فتجرنا الى سوداوية غارقة تقفل ابوابها ونوافذها في وجه النور القادم من سماوات الفرح وتأمر احزانها لتغتال كل الأماني التي نسجها بعضنا من خيوط الاشراق والسعادة. وفي احيان اخرى نجدها هادئة, عذبة, رقيقة كنسمات الصباح, تستقبلنا بالعطاء والخير وتفتح صدرها لاحتضاننا بالدفء وتزيد في كرمها حتى نتساءل بين انفسنا.. هل هي هذه التي عبست في وجهنا ذات صباح او مساء او على مدى سنوات؟! يبدو ان مثل هذه التساؤلات عصفت بصاحبنا شعبان صبي المكوجي الذي اصبح في يوم وليلة مطلوباً لاحياء حفلات غنائية في اهم وارقى المسارح المصرية, ومطلوباً ايضاً لتوقيع عقود افلام سينمائية, واكتشف هكذا دون ان يدري انه قيمة فنية أو بالأصح ظاهرة فنية تتوج القرن الحالي, فيجد اسمه يتصدر كل الجلسات الفنية والغنائية, واخبار الفن, والسينما, ومانشيتات الصحف والمجلات, بل ويذهب الى اكثر من ذلك بعد ان تناولته شبكة الاخبار العالمية (سي.ان.ان) ووصفت اغنيته (أنا بكره اسرائيل) بأنها تجسد شعور الشارع المصري العربي تجاه اسرائيل. ولم تقف الحكاية هنا بل اخذت اسهم المطرب شعبان عبدالرحيم تأخذ اتجاهاً تصاعدياً فاقترن اسمه بالسياسة وهو ابن الشارع الشعبي التلقائي الذي يعيش في محيطه ويكاد يجهل اسماء صناع الحدث السياسي خارج هذا المحيط. ونعود من جديد لنقول: انها الدنيا هذه الغريبة العجيبة, الهادئة العنيفة, المتعبة اللذيذة, التي يبدو الانسان فيها غريباً لا يعرف لماذا غضبت, ولماذا هدأت فجأة؟ لماذا ثارت ولماذا سكنت دون سبب؟ وهكذا هو شعبان عبدالرحيم الذي عاش الامرين, بين ديون متلاحقة, وراتب ضعيف ومسئولية اكثر من اثني عشر نفساً, فقد كانت الدنيا قد اعطته ظهرها, ولكن مع هذه (البسيطة) المترامية تبدو الكثير من الأمور مجهولة ويظل الانسان باحثاً عن اجابات محددة لاسئلة مبهمة كثيرة لا يعرف فك طلاسمها او ألغازها, لانها هي هكذا لا تدخل في اطار المتعارف عليه ولا تحددها المعادلات والحسابات واللغات الاخرى. البعض يفسر هذا الصدود وتلك العودة بأنها حظوظ, والبعض الآخر يشير الى الصدف التي ترسم غرابة المواقف احياناً, بينما يشير آخرون الى ان ذلك يتجاوز الحظ والصدفة, ويحاولون دون جدوى البحث عن اسباب هذا التأرجح, وأسباب هذا التفاؤل والتشاؤم الوقتي, بينما تظل هي هكذا تصدمنا وتفرحنا. وحتى لا أفلسف الأمور او اعطيها فوق ما تستحق اقف عند نقطة بعينها وأتناسى طائعاً كل الدعوات الفلسفية, وأدعو القارئ العزيز ان يقف معي عند ظاهرة شعبان عبدالرحيم ولا أقول موهبته, فما الذي يدعو الاعلامي القدير حمدي قنديل ان يستضيفه في برنامجه الشهير (رئيس التحرير) لو لم يجد ان شعبان اصبح ظاهرة, علينا ان نقف امامها طويلاً ودراستها وفهمها, وأقول ظاهرة لأنه استطاع ان يزيح من أمامه جهداً فنياً كبيراً والمتمثل في اوبريت (القدس حترجع لنا) فهذا العمل الذي شارك فيه العشرات من الفنانين لم يصل للناس مثلما وصل شريط (انا بكره اسرائيل) الذي اعتمد فيه شعبان على تلقائيته ومباشرته في طرح ما يريد. ولم يقف شعبان عند هذا الحد فقط وهو الفنان الذي ظهر فجأة في زمن الفضائيات والفيديو كليب ظهر في هذا الزمن المثير الذي تدار دفته بالريموت كونترول ورغم ذلك لم يعتمد على تقنياته ولمساته الساحرة ولقطاته السريعة المتلاحقة, فلم يسجل اغنية واحدة بطروحات هذا العصر, ولم يجرب الفيديو كليب, ولم يعتمد على شبكات الفضاء المتناثرة التي تلقف ما صنعوا بل اعتمد على الذائقة الشعبية, على سائق الاتوبيس والتاكسي والميكروباص, واللحام, والصباغ, والخضري وغيرهم. الجديد الذي طرحه هذا الشعبان موضوعات لم تعرفها الاغنية الشعبية من قبل فقد تعامل مع ما تلتقطه العين من تفاصيل حياتية, فغنى عن الشيشة وتأثيراتها الصحية, والرياضة وأهميتها للانسان والأهم من ذلك انه المطرب الوحيد الذي قال: (انا بكره اسرائيل وحقولها لو أنسأل.. ان شاء الله أموت قتيل او اخش المعتقل!!) فالتلقائية التي تنساب من وسط اغاني شعبان عبدالرحيم هي التي اوصلته بدون ان يعتمد على الفيديو كليب او الفضائيات الى سقف الاربعة ملايين جنيه: (والذنب مش ذنبك يابا.. وأنا وانته وبلادنا غلابه هنعمل ايه بطوب وحجاره.. قدام صاروخ او دبابه) هكذا ترتسم التلقائية لتتفجر عن موقف واضح تختلط فيه المشاعر الانسانية في الشارع العربي بالموقف السياسي مصورة ملحمة الشهيد محمد الدرة وتتواصل الكلمات في حوارية مثيرة بين الأب والابن متجاوزة كل الحدود والتوازنات. عموماً جميعنا نكره اسرائيل, لكن الذي يكرهها اكثر هو شعبان عبدالرحيم, فلولا هذا الكره ما كان شعبان في الـ (سي.ان.ان) ولا في نشرات الاخبار او في الصفحات الأولى في المجلات والصحف.