قبل نحو عام او اكثر هرع وفد من كبار رموز الحركة الاسلامية العالمية الى الخرطوم لمحاولة رأب الصدع الذي طرأ على الحركة الاسلامية في السودان بعد الانشقاق الذي وقع بين جناحي الحركة. ومن اسباب فشل مسعى هؤلاء النفر من القادة والفقهاء الاسلاميين العالميين تصلب د. حسن الترابي وتشدده. لقد اتهم د. الترابي بصفته داعية اسلامي ذي اسم النظام الحاكم الذي يمثل الجناح الاخر للحركة الاسلامية السودانية بأنه (باع) المشروع الحضاري الاسلامي لاسترضاء قوى اقليمية (مصر اساسا) ودولية (امريكا اساسا). وانطلاقا من هذا الخط الاسلامي المتشدد ظاهريا رفض الترابي كل صيغ الصلح التي اقترحها وفد رموز الحركة الاسلامية العالمية من فرط غيرته على المشروع الحضاري كما كان يبدو. فماذا عسى أن يقول الشيخ الترابي الآن لرفاقه قادة الحركة الاسلامية التجديدية حول العالم بعد أن وضع يده على يد جون قرنق ـ ممثل العدوان الصليبي المعاصر ضد الاسلام والمسلمين ـ ليستقوي بقواته القتالية ضد نظام حكم تتكون نخبته العليا من رفاق نضال اسلاميين؟ هل يقول لهم ان داعي الوصول الى السلطة بأسلوب نيكولو ماكيا فيلي له اسبقية على ثوابت العقيدة؟ فالتساؤل ليس فرضية خيالية وانما هو واقع معاش لسنين طويلة. فماذا عسى أن يقول المفكر والداعية والمناضل الاسلامي د. الترابي لشباب قاعدته في الحركة الاسلامية السودانية نفسها؟ لمدى اكثر من عشر سنوات ظل الترابي يستحث شباب الاسلاميين على التوجه الى ميدان الجهاد المقدس في الجنوب لمناجزة قوات قرنق الصليبية. وباشراف مباشر وخاص من الترابي نفسه شكلت كتائب (الدفاع الشعبي) و(الدبابين). وكم من مهرجان شرفه الترابي شخصيا بحضوره للاحتفال بالشهداء في معارك الجنوب.. لكن بتكريم اسرهم فحسب وانما بمشاركتها ايضا فرحة (عرس الشهيد) وزفه الى الحور العين في جنة الفردوس؟ لقد نقل الترابي نفسه من عهد الى عهد, دون ان يرف له جفن.. من عهد الثوابت الى عهد المناورات.. وهي نقلة تتطابق تماما مع انتقاله من السلطة الى الشارع. كنت افهم لو ان د. الترابي, من موقعه المعارض في الشارع, ان يدعو قادة كل القوى السياسية الشمالية, الى اصطفاف شمالي, عربي واسلامي, ضد حركة قرنق ومن وراءها: الولايات المتحدة والحركة الصليبية العالمية.. اصطفاف يجمع بين البشير والمهدي والميرغني مع الترابي لمواجهة اعظم خطر قومي في تاريخ السودان المعاصر منذ انهيار الدولة الاسلامية المهدية عند اواخر القرن التاسع عشر يتهدده في صميم هويته العربية والاسلامية. هذا هو ما ينتظر من مفكر اسلامي وداعية. فالمفكر والداعية لا يفرط قط, وتحت اي ظرف, في ثوابته مهما كانت الدواعي مغرية. اما السياسي البراجماتي الانتهازي الذي لا يؤرق ذهنيته الا هاجس السلطة والتسلط فانه باعتماده اسلوب المناورات لا يخرق ثوابت ذاتية لأنه, ببساطة, بلا ثوابت. والسؤال الذي لا اشك ان تلاميذ وحوارى الترابي سوف يطرحونه على انفسهم بأثر رجعي هو: هل كان الترابي على الدوام سياسيا وليس داعية منذ ان صار شخصية عامة في منتصف ستينيات القرن الماضي؟