بين كل حين وآخر, يصل الى مسامعنا خبر حول توزيع جوائز ثقافية أو ادبية او فكرية في هذا البلد العربي او ذاك ولا شك أن انتشار هذه الظاهرة بشكل لم يسبق له مثيل, يشكل علامة صحية وتطوراً ايجابياً يحقق الفائدة لرجال العلم وللوطن في آن واحد فمثل هذه الجوائز تدفع المبدعين الذين اختاروا ان يركبوا متن الكتابة ويمخروا في عبابها, نحو مزيد من الانتاج القيم الأصيل الذي ينعكس مردوده ايجابياً على أوضاع الأمة كلها, في المدى البعيد. ومن جهة ثانية, فإن الجوائز تحفز الكتاب على استهداف التميز النوعي والتجويد الأدبي, بدلاً من الوفرة الكمية في الانتاج الكتابي. ولكن مشكلة هذه الجوائز, ان عدد المستفيدين منها محدود جداً, لأن شروط الترشيح لها لا تصل الى جميع المبدعين, لأسباب تتعلق بالاتصال والاعلان وبالاضافة الى هذا العامل, فإن الكثير منها ينطوي على اجراءات روتينية وشكلية معقدة تجعل بعض الكتاب يترددون في ترشيح انفسهم. واذكر هنا اني قرأت مرة حول احدى الجوائز التي تستلزم شروطها ان يبعث المرشح بخمس نسخ من كل كتاب له, واذا افترضنا ان لأحدهم عشرين كتاباً, فإن معنى هذا ان عليه ان يرسل مئة نسخة بالبريد المضمون الى الجهة المقررة للجائزة وهذا يحول المسألة من (عملية فكرية) الى عملية (شحن بريدي)! فلم كل هذا التعقيد, ولماذا لا يكتفى بنسخة واحدة من كل كتاب؟ ولحسن الحظ, فإن هذا الوضع لا يسري على جميع الجوائز فهناك, مثلاً, جائزة الصحافة العربية التي يتولى تنفيذها نادي دبي للصحافة بالتعاون مع الاتحاد العام للصحفيين العرب, فهذه الجائزة لا تفرض على المرشح سوى ارسال بعض الوثائق البسيطة. وكان النادي قد انشئ منذ اكثر من عام, بهدف احتضان الكفاءات الصحفية الاماراتية والمساعدة على تطوير مهنة الصحافة وتوفير الرعاية والدعم للمبدعين, بالاضافة الى القيام بدور صحفي قومي عربي, وعلينا منعاً للالتباس, ان نفرق بين (نادي دبي للصحافة) و(مدينة دبي للاعلام) التي افتتحت رسمياً في العشرين من شهر يناير لعام 2001 وهي اول منطقة اعلامية حرة في الخليج. ونعود الآن الى جائزة الصحافة العربية, فنبين ان جوائزها المتعلقة بأفضل انتاج صحفي في احد المجالات السياسية او الثقافية او العلمية او الاقتصادية او الرياضية, او في حقل التحقيقات والأعمدة الصحفية والرسوم والصور الكاريكاتورية, قد لا تخرج عن الاطار التقليدي المعروف للجوائز العربية, الا في كونها تتعلق بالانتاج الصحفي, حصراً. اما جائزتها الممنوحة لأحسن شخصية اعلامية, خلال عام معين, فهي بحق جديدة وغير مسبوقة ومثيرة للاهتمام. واعتقد ان هناك اعتبارات يستحسن اخذها في الحسبان لدى منح الجائزة ومنها, على ما ارى, ضرورة عدم الاكتفاء بدراسة الانتاج الصحفي للكاتب, في غضون عام واحد, فحسب, بل خلال الاعوام السابقة وذلك حتى تتشكل فكرة عامة واضحة عن اسهامات الكاتب. واعتقد ان النظر في خدماته الصحفية, يجب ان يدور حول ثلاثة مدارات اساسية, أولها مقدار ما بذل من جهود في الدعوة الى اطلاق حرية الكلمة, وثانيها مدى اسهامه في حل بعض المشكلات التي تعوق تقدم الصحافة وازدهارها, وثالثها انجازاته المتعلقة بتطوير العمل الصحفي. وربما يكون الاهم من كل ما سبق, تقصي اهدافه من الكتابة, ومعرفة ما اذا كان يرمي من ادبياته الى خدمة الوطن والامة, ام الى استرضاء بعض الزعامات او الفئات او الجماعات الخاصة. اي من الضروري التفريق بين الكاتب المستقل الذي يتألم بسبب ما يحيق بالوطن العربي من اخطار ومحن, فيغمس قلمه في مداد المشكلات الحقيقية التي تواجه الامة ويحاول انارة الدروب, والتفتيش عن الحلول, والعمل على مداواة الجروح, وبين الكاتب المنافق الذي لا هم له سوى التصفيق لهذه السلطة او تلك, مكرساً انتاجه الكتابي كله في سبيل نيل رضاها. وفي هذه الحالة, فإنه يحصل على جائزته غير المشروعة من السلطة التي ينافق لها, مما يوجب حرمانه من جائزة الصحافة العربية المشروعة, حتى لو كان غزير الانتاج. أما بالنسبة لجوائز افضل انتاج في مجال صحفي ما, فقد سبق ان قدمنا بعض التصورات بشأنها, في مقالنا (قراءة تأملية في جائزة الصحافة العربية) المنشورة في عدد 12 يناير لعام ,2001 من صحيفة (البيان) وسنعرض هنا بعض النظرات الاخرى المكملة لها: 1- ان شروط الجائزة تجيز للمرشح ان يقدم اعماله الخمسة انفسها, لجائزتين بدلاً من جائزة واحدة, كأن يرشح خمس مقالات للجائزة الثقافية ويرشحها هي أنفسها للجائزة السياسية, مثلاً. وهذا شرط جيد, ولكني أرى ألا تكون المقالات المرشحة لجائزة هي ذاتها بالضرورة التي يجب ترشيحها للجائزة الثانية, وربما من الافضل توفير الحرية للكاتب, كي يرشح لكل جائزة مقالات خمس خاصة بها, ومختلفة عن تلك المرشحة لغيرها, لأن لكل جائزة كما هو معلوم, المقالات التي تناسبها حصراً. 2- ان الاقتصار على منح جائزة واحدة لكل فرع, يجعل مجال الفوز محدوداً جداً امام الصحفيين, لذلك نقترح ان تكون هناك جوائز ترضية اضافية تمنح لعدة اشخاص على اساس اولوية تميز اعمالهم المرشحة. صحيح ان هذا سيضع اعباء مالية اخرى على عاتق المسئولين عن الجائزة, الا انه سيؤدي الى توسيع فرص الافادة منها. 3- ان من الضروري لدى دراسة الأعمال المرشحة, التأكد من صحة السيرة الثقافية والذاتية التي يقدمها المرشح, لأن هناك بعض ادعياء الكتابة الذين يحتالون على الصحافة والأدب بطرق شتى ليست الآن موضع اهتمامنا. ولكن من المفيد ان نشير الى حادثة طريفة بالغة الخطورة, ولها علاقة بموضوع الجوائز, فقد سبق للقاص السوري فاضل السباعي ان نشر قصة جميلة بعنوان (المجاري) في عدد اكتوبر لعام 1972 من مجلة العربي الكويتية, وبعد مرور زهاء عامين اقام نادي القصة في مصر مسابقة للقصة القصيرة وفاز بالمسابقة المدعو احمد جميل عبادي الذي لم يكن احد قد سمع باسمه حتى ذلك الحين, والمفاجأة المذهلة ان القصة التي فاز بها كانت قصة المجاري, بلحمها وشحمها وبكل كلمة وسطر من كلماتها وسطورها. ومعنى هذا ان العبادي سطا على عمل لغيره وانتحله لنفسه. ولسنا هنا بصدد شرح الاجراءات التي اتخذها نادي القصة بحق السارق ولكن المهم بالنسبة لنا الآن استخلاص العبرة مما حدث. وهذا يعني في نظرنا ضرورة التحقق من مؤهلات الكاتب وخبرته الصحفية لدى فوزه, وهو امر لا يمكن ان يخفى على المسئولين عن الجائزة وسواء بالنسبة لجوائز افضل انتاج في حقل صحفي معين, او جائزة احسن شخصية اعلامية, فإن من الطبيعي ايلاء مسألة الجدة والابتكار والابداع, اهتماماً فائقاً يكاد يفوق الاهتمام بمستوى الانتاج. فعندما يقدم الكاتب اسهامات تقليدية لا تخرج عن الأطر المعروفة, ولا تتعدى الخطوط السلفية المرسومة, فيكرر افكاراً مألوفة سبق ان طرحت في الماضي, بأشكال اخرى, فإنه لا يضيف جديداً الى الثقافة العربية حتى لو كانت اعماله جيدة. فالمهم طرح رؤى ونظرات وآراء غير معهودة, ومن شأنها فتح ابواب جديدة للتقدم العربي, بدلاً من تكرار الأفكار القديمة التي لم تنجح في فك الحصار عن فكرنا المجمد في قوالب تقليدية, كانت هذه وسابقاتها مجرد اضاءات وتأملات متواضعة لا ترقى الى مرتبة المقترحات لكننا نأمل اعارتها ما تستحق من اهتمام. ولا شك ان المسئولين عن الجائزة هم الاقدر على تقييم الأمور المتعلقة بها. خلاصة القول, ان جائزة الصحافة العربية تشكل تجربة جديدة تستمد بعض قيمتها من اهمية الصحافة نفسها, بوصفها من ابرز ادوات الاعلام والتثقيف والارشاد والمساعدة على تشخيص عيوب المجتمع ومعالجتها. وبمقدار نزاهة الجائزة, سيكون تأثيرها وصداها ونحن على ثقة بأنه لن تكون للواسطة او المحسوبية اي دور في منح الجائزة. ان نادي دبي للصحافة الذي لم يمض على انشائه فترة طويلة, يضم خيرة الاعلاميين والصحفيين الاماراتيين, ولا شك ان التعاون بينه وبين مجلس ادارة الجائزة, سيفسح المجال امام تنفيذ مشروع صحفي نبيل في مقصده ومخلص في توجهه. كاتب سوري