الطغيان والتخلف والفساد, ثالوث بشع لا يأتي من فراغ ولا ينمو في الفراغ, ولا يسير باتجاه الفراغ مطلقا! تماماً مثل الفقر والجهل والمرض, والمصيبة ان هذا الثالوث هو مرضنا العضال الذي أصبنا به منذ قرون, ولم نحاول ان نجد له دواءً شافياً, فصرنا نضطر إلى عمليات البتر أحياناً حتى لا يتسمم كل الجسد! ودواء المرض كما يقول العالمون بأحوال الدول والحضارات هو القانون, وحارس القانون هو التربية, وأساس التربية هو الضمير الجمعي, والاستعداد الذهني والعقلي لجميع افراد المجتمع للسير في خط حضاري مستقيم للوصول الى الاهداف العامة والخاصة.. فيما عدا ذلك فإن التربية لن تؤتي نتائجها, والقانون لن تكون له سطوته, والفساد سيمد أذرعه طويلاً جداً. ولا عجب فحتى القانون يمكن أن يفسد, وحتى أهل القانون يمكن أن يخترقوه ولنا في حكايات الأقوام الأخرى عبرة إذا أردنا أن نعتبر, فذلك القاضي الأكبر في البرازيل, أو من يسمى بــ (كبير القضاة) تمكن بفضل شبكة الفساد التي كونها وأدارها ان يسرق ما يفوق الـ (90) مليون دولار كانت مخصصة لبناء دار محاكم جديدة في البرازيل, لكنه اخترق طابوراً طويلاً من شركات المقاولات والمتعهدين ورجال البرلمان وصولاً الى مساعدي رئيس الجمهورية, وبأكثر الطرق التواءً.. الرشاوى ومجموعة من (التربيطات) القائمة على المصالح الشخصية والعلاقات المعقدة ليضع في النهاية كل المبلغ في حسابه الخاص ويفر هاربا خارج البلاد! أليس ذلك عين الفساد؟ وممَّن؟ من كبير القضاة! (كبير القضاة) هذا لم يسرق, ولم يرتش, ولم يرش, ولم يهرب, ولم يخترق كل تلك الطوابير المعقدة هكذا بسهولة لو لم تكن هناك أرضية فساد مناسبة سهلت له مهمته, فهو إذن لم يأت من الفراغ, ولن يذهب للفراغ ابداً. إذن فالفساد حالة مجتمع, مثل الطغيان والدكتاتورية والجهل والبيروقراطية المعششة, حالة يصنعها أناس, ويؤسسونها, ويعملون جاهدين على بقائها, كما يضعون لها القوانين والأنظمة.. والحراس أيضاً, ولذلك فحينما ذهب ماركوس وأميلدا من الفلبين ذات يوم بكل فضائح الفساد التي جلجلت وراءهما جاء (استرادا) اليوم ليكمل المسلسل بانتظار فاسد جديد! هل هو التشاؤم؟ لا, ليس التشاؤم, وانما حقيقة الواقع المؤسس في بلدان العالم الثالث والنامي والمتخلف, بلدان الهشاشة القانونية, والرخاوة المتناهية في تطبيق قوانين الرقابة والمحاسبة وفحص الذمم المالية, والمبالغة في منح الصلاحيات الى ما لا نهاية. ان الفساد لا يجتثه سوى رجال ومجتمعات تؤمن بتطبيق القانون بصرامة تصل حد القسوة أحياناً, انطلاقاً من مبدأي المحاسبة والمراقبة المستمرين, وتكريس مبدأ المواطنة الصالحة في نفوس الاجيال, حرصاً على كل الامة وعلى مستقبل هؤلاء الاجيال, ان التربية والقانون هما ملح المجتمع الذي يحفظه وسيحفظه على الدوام, فإذا فسد الملح صار هو والرماد سواء!!