حينما يلتقي مجموعة أشخاص حول طاولة يتجاذبون أطراف الحوار في شئون البلاد والعباد, يتفقون تارة ويختلفون اخرى شأنهم في ذلك شأن مثقفي اواخر القرن الماضي, حيث لهم وجهة نظر في كل شيء, وينتقدون اي شيء, ولا يتوانون عن كيل اللوم والاتهام لمن لا يتفق معهم في وجهة نظرهم. وحينما تسوقك سوءات طالعك لتكون طرفاً في ذلك الحوار تجد نفسك في موقع اللوم والاتهام والجميع يناقش عملك ولهم آراء في طبيعة مهنتك وكأن الصحافة كمهنة يفهمها الجميع او على الأقل يجيدونها افضل منك, لذلك تراهم يدلون بدلوهم في شكل الصحيفة وتبويبها واخراجها ونوعية حروفها واذا كان احدهم يمتلك راداراً بشرياً (يحب الاصغاء) فسينقل لك سراً من اسرار الصحيفة ربما تجهله انت, او يتذاكى عليك لانه يعرف ماذا يحدث في كواليس عملك. مثل هؤلاء يجتمعون ليدردشوا في مقهى او مجلس او منتدى لانهم يملكون الوقت, وجميعنا يعرف ان الدردشة تحتاج الى وقت وهو متوفر لأشخاص يمضون في العمل اربع او خمس ساعات فقط لذلك يستثمرون بقية النهار في سماع الاخبار, او تناقلها, والاستعراض بمعرفة خبر لا يعرفه احد الحاضرين, وسماع الاخبار فيه متعة على ذمة سقراط الذي سئل ذات يوم عن أحب الامور الى نفسه فأطرق قليلاً ولم يقل المال ولا النساء والسلطة, بل قال (سماع الاخبار)! والحديث عن سماع الاخبار يقود الى انتاجها, فالخبر هو أصلاً واقعة او حدث تم في مكان ما, وعلى أحدهم ان يتطوع لنقل الخبر الى الناس لأن الناس يستمتعون بالاصغاء الى الاخبار ولذلك انتعشت مهنة الصحافة واتسعت لانها تنقل الاخبار. وهذه الاخبار ليست جيدة على الدوام لأن العالم مليء بالظلم والدمار, والامانة تقتضي نقل الخبر دون تدخل فيه تأكيداً للمصداقية لان الناقل للخبر ليس صانعاً له وهذه ايضاً تحتاج الى روح صافية طيبة ربما لا يمتلكها الجميع. ومن ذلك يمكن استنتاج ان الصحفي يقدم حقائق وليس تكهنات وان هذه المهنة تقوم على ملامسة الجروح دون نكئها وانها تشبه المهام المقدسة بصدقها وشدة امانتها وطول صبرها, ويمكن ايضاً القول ان اهل الكار يفهمون طبيعة ان تكون صحفياً حاملاً للأخبار وليس ثرثاراً فيها, لذلك عندما تسوقك اقدامك الى مجمع ناس تختلف مهنهم عن مهنتك ستجد الجميع يدردشون في الصحافة ويقلبون فيها أوجه الرأي ويستعرضون من خلالها انواع الحيل وطرائق العمل دون ان يخطر ببالك ان تسأل المدرس منهم عن درس الرياضيات الذي شرحه اليوم هل استوعبه الطلاب؟ او المهندس الزراعي منهم عن حقل البطاطا هل طرح ثماره بشكل جيد؟ او كاتب الحسابات عن فواتير شركته هل كانت مطابقة لدفاتر التدقيق؟ مشكلة اختلاف المهن تغذي حوار البشر, ولكن عندما يكون احد زملاء الصحافة طرفاً في الحوار سيكون مضطراً للدفاع عن تفاصيل مهنته لان الجميع يدلون بدلوهم في بئره.. أعانه الله.