الاستنكار الواسع الذي قوبلت به الغارات الأمريكية والبريطانية الجوية على بغداد, ليس في المنطقة العربية وحدها, وإنما في أنحاء واسعة من العالم, يعطي مؤشرا واضحا على حجم الرفض المتزايد لاستخدام القوة من جانب الولايات المتحدة ضد العراق. والحق أن ضعف الحجج والذرائع الأمريكية في ضرب العراق, والاستنكار العالمي, قد أصابا الحليفتين (واشنطن ولندن) بالارتباك, فلم يقدرا أن يبررا ما فعلاه, على نحو ما تعودا من قبل. ولم تجد العاصمتان من تخريجة سوى اللجوء إلى الدوافع الإنسانية, بزعم أن ما حدث كان دفاعا عن النفس بقصد حماية أرواح الطيارين! إن الولايات المتحدة وبريطانيا في ذلك تشبهان طفلا يسرق الدواء من الصيدلية بحجة مساعدة والدته المريضة. وبنفس هذا المنطق يصبح ضرب مرافق الاتصالات والرادارات العراقية من أجل حماية الطيارين الأمريكيين والبريطانيين الذين يطيرون فوق العراق! وهذا المنطق كما هو واضح لا يدل سوى على الارتباك والحيرة. فأبسط رد عليه هو: من الذي يجب أن يدافع عن نفسه وضد من؟ أهي الطائرات الأمريكية والبريطانية التي تطير فوق العراق أم الطائرات العراقية التي تطير فوق نيويورك ولندن؟ وكيف يمكن لطائرات جاءت من على بعد آلاف الأميال من قواعدها في الولايات المتحدة وبريطانيا ان تدافع نفسها في العراق؟ واضح إذن أن المنطق الأمريكي متهافت ولا يمكن أن يصمد لأي محاكمة عقلية. مع ذلك فالولايات المتحدة تصر عليه, وتحذو حذوها في ذلك تابعتها بريطانيا. لست أريد في هذا المقال أن أناقش هذه الزاوية من الموضوع حصرا. فهي واضحة وربما تناولها أو يتناولها الكثيرون. لكني أقول ان الغارات الأمريكية والبريطانية الجديدة على بغداد ربما كانت من أقل الغارات ذات طبيعة سياسية. فهي لم تأت في سياق سياسي, ولم يسبقها حرب تصريحات وتهديدات مثلا, وإنما حدثت فجأة. ولذلك فهي ذات طابع فني بحت وجاءت في سياق أحبذ تسميته (الحرب الصامتة) بين الطائرات الأمريكية والبريطانية والدفاعات الجوية العراقية. وواشنطن محقة في هذا الصدد حين تقول انها اضطرت لمهاجمة أنظمة الرادار والاتصالات لأن دفاعات العراق الجوية أصبحت متطورة وبصورة باتت معها تشكل خطرا على تلك الطائرات. الواقع أن هذا صحيح. ففي السنوات الأخيرة اصبح الجيش العراقي يتمتع بخبرة ومقدرة لا يستهان بها في هذا الميدان. لكن الصحيح أيضا أن الفضل في ذلك لا يعود للعراق وحده, وإنما إلى هذه الحرب الصامتة المستمرة منذ اكثر من عشر سنوات. تجربة الحرب العراقية الإيرانية كي نفهم ذلك ربما علينا أن نستحضر مثال الحرب العراقية الإيرانية. إن الكثيرين لم يتوقفوا للأسف أمام إحدى النتائج المهمة التي تمخضت عنها هذه الحرب. أقصد إن العراق خرج منها وهو قوي في ميدان تسلحي جديد, لم يكن له باع طويل فيه من قبل. وهو ميدان الصواريخ البالستية التي يصل مداها إلى بضعة مئات أو آلاف الكيلومترات. فخلال هذه الحرب والتي استمرت ثماني سنوات (1980 ــ 1988) عجزت الطائرات والمواجهات البرية عن تحقيق الحسم فيها. ولذلك لم يكن ثمة سلاح فعال آخر سوى الصواريخ بعيدة المدى, وبالنظر إلى اتساع رقعة المعركة, ووجود الحقول النفطية لكل من إيران والعراق (وهي عصب الحياة لاقتصاد الحرب) على مسافات بعيدة, فان الصواريخ كانت الوحيدة القادرة (من غير كلفة كبيرة تقريبا) على الوصول إليها وتدميرها. ولهذا برزت الحاجة إلى العمل للحصول على تكنولوجيا هذه الصواريخ وتطويرها. وقد برع العراق في هذا الميدان. فهو استخدم في البداية صواريخ سكود (بنماذجها التقليدية بي أو سي) والمصنعة في الاتحاد السوفييتي وكوريا الشمالية. ثم عمل على تطوير هذه الصواريخ وإنتاج نماذج عراقية منها (كما هو الحال مع صواريخ الحسين والعباس). وهذه الصواريخ هي التي حسمت الحرب فيما بعد لصالح العراق. فالإيرانيون لم يستطيعوا أن يتحملوا حجم الدمار الذي كانت تحدثه في البنى التحتية لبلادهم, سيما المنشآت النفطية (ميناء خرج مثلا والذي دمر العراق منصات تحميل النفط فيه أكثر من مرة) ولذلك وافقوا على وقف الحرب. وبالنتيجة فان العلماء والخبراء العراقيين اكتسبوا خبرة واسعة في ميدان الصواريخ طوال ثماني سنوات هي عمر الحرب. وقد ظهر أثر ذلك خلال حرب الخليج الثانية. وقد يصح القول ان الولايات المتحدة وإسرائيل قد هالهما التقدم الذي حققه العراق في هذا المجال, فكانت حرب الخليج من أحد الوجوه محاولة لتدمير إمكانيات العراق في ميدان الصواريخ البالستية. وسبب ذلك واضح, فالصواريخ كما هو معروف هي أسهل طريقة لتحميل الذخائر النووية والكيمياية والبيولوجية, وإيصالها إلى أهدافها التي قد تبعد آلاف الكيلومترات. حرب الدفاعات الجوية ما حدث خلال الحرب العراقية الإيرانية تكرر نفسه تقريبا أثناء السنوات الماضية, ولكن في ميدان آخر. ميدان الدفاعات الجوية. وليس سرا أن العراق أصبح اليوم يمتلك واحدة من أفضل المنظومات الدفاعية في المنطقة. فالخبرة التي اكتسبها خبراؤه في هذا المجال طوال السنوات العشر الماضية مكنتهم من ابتكار حلول وأساليب جديدة لمواجهة الطائرات الغربية. وثمة خشية أمريكية من أن يصبح العراق قادرا مع الوقت على امتلاك التكنولوجيا والقدرات التي تؤهله لإسقاط بعض هذه الطائرات. واعتقد أن إصرار الولايات المتحدة على الاستمرار في مراقبة منطقتي حظر الطيران شمال وجنوب العراق, هو الوقوف عن كثب ومراقبة كيفية تطوير العراق لأسلحته هذه. لكن استمرار هذه العملية من ناحية أخرى يوفر للعراقيين ميدانا خصبا للتعلم والدراسة وتطوير مهاراتهم. ونتيجة للضربات القاسية التي تلقاها سلاح الدفاعات الجوية العراقية خلال النصف الأول من التسعينيات, فقد قسم العراقيون عملهم إلى مرحلتين. المرحلة الأولى هي إفلات مضاداتهم الأرضية ودفاعاتهم من صواريخ الطائرات الأمريكية والبريطانية المغيرة. أما المرحلة الثاني فهي العمل على تطوير الدفاعات الأرضية بحيث تستطيع إسقاط هذه الطائرات, وليس فحسب أن تفلت من صواريخها. المرحلة الأولى نجحت تقريبا. و الأسلوب الذي اتبعه العراق تمثل في التحكم في توقيت فتح وإقفال الرادارات التي ترصد الطائرات. فثمة فاصل زمني (وان يكن قصيرا جدا) بين تشغيل الرادارات وتحديد البيانات وإعطاء الأمر لصواريخ (أرض جو) للانطلاق ثم إقفال الرادارات, قبل أن تنجح الطائرات في تدميرها. وكان من نتائج هذه الطريقة أن الصواريخ التي تطلقها الطائرات الأمريكية والبريطانية لتدمير قواعد الصواريخ الارضية ومواقع الدفاع الجوي العراقي, غالبا ما تضل طريقها, لتسقط في مواقع أخرى بعيدة عن أهدافها. وهذا ما يفسر سقوطها على مواقع مدنية, وارتفاع الخسائر في صفوف المدنيين العراقيين في السنوات الأخيرة. فالطائرة تستطيع تحديد موقع الرادار الذي يراقبها بمجرد وصول إشارته إليها. وهي تحلل هذه الإشارات وتحدد موقع الهدف. ثم تطلق صواريخها لتدميره. لكن بالنظر إلى أن هذه الأهداف (الرادارات) هي متحركة, فان الصاروخ يهتدي إليها ما دام أنها لا تزال تواصل عملية رصد الطائرة من خلال الإشارات التي تطلقها. أما في حالة إقفال الرادار, وتغيير مكانه, فان الصاروخ الذي ينطلق من الطائرة يصل إلى منتصف الطريق ثم لا يعرف إلى أين يتوجه, فيسقط بصورة عشوائية. هذه الوسيلة مكنت الدفاعات الأرضية العراقية من تحييد معظم الصواريخ الأمريكية (صواريخ هارم بصورة خاصة), فلم تعد تشكل خطرا كبيرا على هذه الدفاعات. وحتى هذه المرحلة كان بإمكان الأمريكيين والبريطانيين أن يتحملوا هذه الوضعية. صحيح أنهم غير قادرين على إصابة الدفاعات العراقية بكفاءة, لكن أيضا فان طائراتهم كانت لا تزال في مأمن, فصواريخ الدفاع الجوي العراقية لا تستطيع الوصول إليها, سواء بسبب الارتفاعات الكبيرة التي تحلق عليها أو بسبب عمليات التشويش الإلكتروني. الجديد في الأمر, وهنا يأتي دور المرحلة الثانية, والتي جعلت واشنطن ولندن تقلقان و تقومان بالغارات الأخيرة على (محطات اتصالات والتحكم وربما مراكز تطوير الدفاعات الجوية) بالقرب من بغداد, أن العراق فيما يبدو طور وسيلة جديدة تمكن راداراته من زيادة سعة ودقة رصدها للطائرات المغيرة, ومن ثم تصويب الصواريخ عليها. ويقال انه حصل على مساعدات فنية جديدة في هذا المجال من يوغسلافيا والصين وبعض دول أوروبا الشرقية. وإذا صح هذا الأمر, وهو يبدو صحيحا, فان العراقيين يكونوا قد وصلوا مرحلة متقدمة في هذا الأمر, باتت معها عملية إسقاط الطائرات الأمريكية والبريطانية في متناول يدهم وربما في فترة قريبة جدا. أما الأهم من ذلك فان العراق سيكون قد خرج من هذه التجربة, كما حصل خلال الحرب مع إيران, وهو يمتلك قاعدة واسعة في مجال الدفاع الأرضي, قد تكون الأفضل والأقوى في المنطقة.