نخطئ كثيراً عندما نتعلق بصورة مثالية للمثقف او الكاتب, ونغمض عيوننا عما يملأ ساحة الواقع من نماذج تسحق بكل قسوة كل القيم النبيلة التي ترتبط بسحر الكلمة وسلطتها وتأثيرها الجماهيري, لدرجة تصبح معها تلك الصورة المثالية نوعاً من الوهم الذي نقتات به في ايام القحط والجفاف القيمي, او تتحول تلك الصورة (الطوباوية) الى حبة مسكنة تريح النفوس المنهكة وتهرب بها من ضجيج الواقع الى سكينة التوهمات. فالأصل والثابت في الكلمة ان لها قدسية تحيطها هالة الصدق والالتزام والاحساس بالمسئولية تجاه تاريخ ممتد يستحضره الممسك بالقلم, وكأنه يحمل بين جوانحه قضاة لا يهتز ميزان العدل بين ايديهم, يحاسبونه على كل حرف, ويحظرون عليه الانحراف بالكلمة تحت وطأة هوى او ضغط سلطان النفع او الخوف من تهديد القوة, وهو ما اكسب كلمة المثقف والصحفي سلطة رابعة, ومنحه صولجان الاحترام الجماهيري, والقدرة على تصحيح ما يطرأ على الواقع من خلل. ولم تصل الكلمة وكاتبها الى هذه المكانة فجأة بل انتزعتها بتضحيات شهداء كتبوا شهادة الضمان والثقة للمثقفين والصحفيين بدمائهم. وعندما استقرت الكلمة المكتوبة على عرش السلطة الرابعة, تلقفها الشحاذون وتحولوا بها الى ساحة الاتجار بها, او طرحها في المزاد لمن يدفع, أو الابتزاز وكأنهم قطاع طريق وشحاذون وليسوا كتابا ولا مثقفين. قد نتساءل: كيف يتمكن هؤلاء الشحاذون او قطاع الطرق من البقاء وسط أهل الكلمة والمثقفين؟ والاجابة ببساطة تكمن في وجود مناخ غير صحي يسمح للاعشاب الضارة ان تتغذى على النبت النافع ولأن اصحاب المصالح ومن تزعجهم الكلمة الصادقة لا يبخلون بالدعم على الشحاذين واستخدامهم كأبواق دعاية لهم وكسلاح لترهيب خصومهم او منافسيهم, وهكذا يستمر الشحاذ في اداء دوره لاستلاب قيمة الكاتب والمثقف الحقيقي, والاساءة للسلطة الرابعة التي يسخرها بكل مهارة لتجريدها من مصداقيتها. يبدو الكلام وكأنه تحليق في الفضاء, لكنه في الحقيقة اشتباك مع واقع حقيقي, عندما لا نتوقف امام نفر من الصحفيين او المثقفين, يؤجرون اقلامهم كفتيات الاعلانات التلفزيونية, ويغيرون قناعاتهم كما تغير تلك الفتيات ألوان (المكياج), أو كما يغير الشحاذ هيئته لتلائم موقع شحاذته امام بوابة مسجد او في سوق تجاري. وهؤلاء الشحاذون انتعشت بضاعتهم مع هجرة الصحف العربية الى العواصم الاوروبية ووجدوا ابواب الرزق مفتوحة على مصارعها, فالتنافس كان مشتعلاً بين اصحاب المصالح والنفوذ, والحاجة لاصدار صحف تمجد هذا وتشهر بذاك كانت ملحة, وتحولت السلطة الرابعة الى ساحة لشحاذة في صورة عصرية, واختفت حمرة الخجل من وجوه الشحاذين الذين أسالوا ماء الوجوه, وتنقلوا بين الجميع, لا يعنيهم انهم يلعنون اليوم, ما كانوا يمجدونه امس وكأن القراء, وحتى معشر الصحفيين والمثقفين ذاكرتهم مثقوبة, لا يعلق الا الأعلى صوتاً والناعق دائماً, وتناسوا ان ذاكرة التاريخ لا تبلى ولا تمحى فيها كلمة ولا يختلط عليها الفرق بين كلمة صادقة واخرى تخرج من فم شحاذ حتى وان اصطنع لنفسه دور المثقف الناقد.