أعتبر نفسى من المعجبين بفن المخرج العالمى كارلوس ساورا. ومنذ أن شاهدت فيلمه (كارمن) وأنا أتتبع كل ما يمكن أن أراه من أفلام, خصوصا أنه معروف بمعالجته المعاصرة للكلاسيكيات الأسبانية, أو المتصلة بالآداب الأسبانية, وله ولع بالرقص الايقاعى الذى يتحول الى عنصر تكوينى فى أفلامه التى حصلت على جوائز عالمية شهيرة. وأذكر أننى بعد أن شاهدت (كارمن) لأكثر من مرة, أخذت أتتبع بقية أفلام ساورا, فشاهدت منها (تانجو) و(عرس الدم). والأول يدور حول الرقصة الأرجنتينية الشهيرة, متصلة بعلاقة انسانية متشابكة من الحب والغيرة وقلق المبدع الذى يحرص على أن يكون خالقا على الدوام, والفيلم الثانى مأخوذ عن مسرحية الشاعر الاسبانى لوركا الشهيرة التى ترجمت الى اللغة العربية فيما أعلم. وقد فرحت عندما رأيت اعلانا عن فيلم لم أره من قبل للمخرج ساورا. كان الاعلان عن فيلم بعنوان (جويا فى بوردو). وينص الاعلان على أن الفيلم حائز على جائزة أفضل عمل فنى فى مهرجان مونتريال فى شتاء ,1990 وانه حائز على أربع جوائز بمناسبة احتفالات (جويا) التى حدثت فى العام الماضى, فقد حصل الممثل فرانسسكو رابال على جائزة أفضل ممثل أول, كما حصل مصور الفيلم فيتوريو ستورارو على جائزة أفضل تصوير, وذلك بالاضافة الى جائزة أفضل ماكياج وجائزة أفضل تصميم مناظر. ولم أتلهف إلى مشاهدة الفيلم فحسب, فقد تضاعفت اللهفة بسبب موضوع الفيلم الذى يدور حول حياة الرسام الأسبانى العظيم جويا فى المنفى. و قد تحققت كل توقعاتى عندما رأيت الفيلم, فاستمتعت بإبداع مخرج عبقرى, وكاتب سيناريو مقتدر, وممثل فذ قام بأداء دور جويا الذى كان قد جاوز الثمانين فى الفترة الزمنية التى يعالجها الفيلم, فضلا عن ممثل متمكن قام بدور جويا الشاب الذى أحب دوقة ألبا, ورسم لها لوحاته الشهيرة. وهناك الزوجة المحبة, والابنة المتعلقة بأبيها, التى تحاول الرسم بدورها, وتدور كل الأحداث فى مدينة بوردو الفرنسية المشهورة بنبيذها الذى ينافس النبيذ الأسبانى, ويتفوق عليه فى نظر البعض. وكان جويا قد لجأ اليها مع مجموعة من المثقفين الليبراليين فرارا من الحكم الاستبدادى الذى ضاق بهم, وظل يعانى فيها حسب رؤية المخرج أوجاع الغربة ومشاكل الشيخوخة, لكن دون أن يفقد قدرته على الرؤية الخلاقة والابداع الاستثنائي. ويبرع ساورا براعة غير عادية فى الكشف عن زوايا دالة على لوحات لوركا, ويفسرها سينمائيا تفسيرا يضيف بعمق الى تفسيرات مؤرخى الفن. ولا أريد تلخيص الفيلم, فذلك أمر مستحيل, ولكنى أحب أن أتوقف عند المشاهد التى سحرتنى فى الفيلم, بل المشهد الذى جعلنى أعيد مشاهدة الفيلم مرة أخرى من أجله. وهو مشهد طويل, تتخلله ذكريات واسترجاعات تنقلها من ازمنة الماضى الى الزمن الحاضر الذى يدور فيه حوار بين لوركا الأب (الأستاذ) وابنته (التلميذة) التى تحاول تعلم الرسم, ويبدأ المشهد بأن تقدم الابنة لوحة رسمتها الى أبيها جويا, فيتطلع الأب الى اللوحة ويشجع ابنته بعبارات مألوفة. لكن سرعان مايقول لها: التقليد جيد, أنت تتعلمين من الأساتذة, وأنا قد فعلت ذلك أيضا, فالتقليد يمرن اليد, ويرهف حركتها, ولكن شيئا فشيئا لابد أن تجدى طريقك الخاص, الطريق الذى لا يمكن ان يمضى فيه أحد سواك. اقبلى التأثر بالآخرين. هذا ضرورى. ولكن تعلمى سر كل واحد ممن تتأثرين به, وامض فى طريقك الخاص. هل أقول لك سرا؟ يسأل جويا ابنته. ثم يقول لها: أعلم أنى لا أسمع منذ سنوات بعيدة, ولكن الآن أسمع مالم أسمعه من قبل, هل تعلمين لماذا؟ لأننى الآن أسمع بأذنى الداخليتين. تستطيعين أن تفعلى ذلك ياابنتى. ألا تريدين ذلك؟! أغلقى عينيك وركزى.. أنصتى.. أنصتى. ويغلق جويا أذنيه وهو يأمر ابنته بالصمت, وبعد أن يصمتا معا لبرهة, يسألها: ماذا تسمعين؟! وتهز الابنة رأسها علامة النفى. فيعاود سؤالها: ألا تسمعين أى شئ؟! فتجيب الابنة بعد أن تمعن فى التركيز: نعم, أسمع أصواتا بعيدة: أجراس فرسان, صوت عربة, بكاء طفل. فيهتف الأب حانيا: لا. ليس هذا ما أ قصد. ألا تسمعين صوتا فظيعا مكظوما كأنه صوت مئات الثيران التى تضرب الأرض بأظلافها؟ ألا تسمعين نحيب امرأة تبكى لأنهم قتلوا ابنها؟ الا تسمعين بكاءها المؤلم؟ الا تسمعين انفجار الطلقة من المدفع, والبنادق تطلق رصاصاتها. وصراخ الريح البرية؟ أنصتى, أنصتى يا ابنتى. يجب أن تبذلى جهدا أكبر ياروزاريتا (تصغير روز = الوردة) يجب أن تضعى كل حضورك فيما تفعلين. تخيلى. بدون خيال, لسنا سوى حيوانات. هل أنت معى؟ أنت تستطيعيين بخيالك أن ترتكبى أبشع الجرائم, دون أن يعاقبك أحد, كما تستطيعين الارتفاع الى أعلى عليين, أو تسقطين الى الجحيم. تستطيعين أن تكونى هائلة أو بالغة الضآلة, تستطيعين أن تكونى فنانة عبقرية أو سياسية قوية. اختارى ما تشاءين. لكن هناك أمر واحد خطر لابد من الانتباه اليه. يجب أن تعرفى متى تتوقفين, والا غصتى فى الظلمة والجنون. ان الخيال المتصل بالعقل هو اصل الفنون ومصدر العجائب. ويلتفت لوركا بعد ذلك الى ابنته قائلا لها: والآن ركزى, أغلقى عينيك, دعى الصور والذكريات تدخل الى عقلك, هل تسمعين صوت الدموع المضيئة التى تذرفها السماء لتحذرنا من الرعد العنيف القادم؟ فتجيب الابنة: أسمعها يا أبى. فيواصل الأب: هل ترين أباك فى زمن آخر؟ وفى مكان آخر؟ ركزى يا ابنتى وتفتح الابنة عينيها الجوانيتين وأذنيها الداخليتين فتسمع وترى, وتستيقظ طفلة صغيرة مع العاصفة التى تفزعها, فتترك حجرتها وتذهب الى أبيها الذى أخذ يرسم على جدران المنزل بشرا مشوهين. وأوجها معذبة, وكلابا ضالة, وأعينا مشدوهة من الرعب, احتجاجا على فظائع الحكم الاستبدادى التى قرر محاربتها بفنه خصوصا بعد أن أدرك أن ريشته هى سيفه الذى يرفعه فى وجه القمر, كما أنه عربته السحرية التى تنفتح لها أبواب النعيم الأرضى المغلقة. وننتقل مع ذكريات جويا لنستعيد مشاهد من حياته, لكن يظل التركيز دائما على معنى الفن ودور الفنان. ويبقى فى ذاكرتى من بين كل المشاهد الرائعة حديثا جويا مع ابنته, ودرس الفن الذى حاول أن يلقنه لها, مؤكدا أن الفنان الحقيقى يتأثر بكل شئ, وهو نفسه كان يردد: أساتذة فيلاسكيز ورامبراندت والطبيعة, وأن الفنان الحقيقى يفتح حواسه لكل شئ. وانه لا يتردد فى أن يتعلم من كل من يمكن أن يتعلم منه. المهم انه عندما تبزغ لحظة الخلق الخاصة, يكون الفنان المبتدئ قد عرف طريقه وحده, خاصيته المميزة, القدرة التى لا يمتلكها غيره, لغته الخاصة, أسلوبه المميز, بصمته التى يعرف بها, بعيدا عن التقليد والمحاكاة, بل بعيدا عن الجرى وراء الموضات والصرعات والبدع الزائفة. وأول ذلك هو الانصات الى ماتسمعه الأذن الجوانية, والتحديق فى العوالم الخاصة بالعين الداخلية والابحار فى المسالك التى لا تفتح أبوابها إلا بعد تعلم أسرار الصمت وصم الأذن عن لغو العالم الخارجى. بعد أن شاهدت الفيلم للمرة الثانية, لكى أستعيد الحوار الثرى بين رسام عظيم (تصادف أنه الأب) ورسامة مبتدئة (تصادف انها الابنة) سألت نفسى: الا ينطبق هذا الحوار على كل عمل ابداعى؟ فى الفن أو فى البحث الأدبى أو فى الدراسة العلمية؟ ان كل شئ يبدأ بالتعلم من الآخرين, ولا بأس من تقليدهم لبعض الوقت, تمرينا للأذهان وتدريبا للأصابع التى تكتب أو ترسم أو تعزف ولكن الابداع يبدأ من الرحلة الخاصة, من اكتشاف الطريق الذى لم يعرفه أحد, ولم يقترب منه أحد, ومن ادراك مايميز السائر المفرد المتوحد عن غيره من السائرين مهما كان افرادهم أو توحدهم. و لم أكد أمضى فى طريق الاجابة عن السؤال الا وفاجأنى سؤال ثان يقول: ولكن هل تعلمت ابنة جويا الدرس من أبيها فكانت مثله؟ الاجابة بالنفى, فالتلامذة الذين يتعلمون حقا من الأساتذة الكبار ليكونوا أساتذة أكبر, أندر من الكبريت الأحمر, ولذلك كانت العبقرية ولا تزال معجزة غير قابلة للتداول بين أرباع أو أنصاف أو حتى ثلاثة أرباع الموهوبين.