تفكر ادارة المرور برأس الخيمة بجدية هذه الايام في حماية اعمدة انارة الشوارع من السائقين المتهورين, بعدما لاحظت ازدياد تضرر العديد من هذه الاعمدة من اصطدامات السيارات بها, ومن حق ادارة المرور وادارات البلديات الاتجاه الى هذا النمط من التفكير, طالما ان هناك فئة من سائقي السيارات فقدت السيطرة على نفسها لتحول من وسيلة النقل والانتقال الى كتلة حديد مقذوفة بسرعة الصاروخ الى كل مكان وفي أي اتجاه. وليس مضحكا ان يفكر رجال المرور في رأس الخيمة بحماية الحديد من البشر, لان معدلات الحوادث وازديادها وبشاعتها وظروف حدوثها تجعل المنطق مقلوبا, وتجعلنا نعتقد جازمين ان نسبة كبيرة من الحاصلين على رخص قيادة المركبات على طرقنا لا يستحقونها وليسوا اهلا لها, لانه ليس كل من ادار محرك عربة وانطلق هو سائق يدرك ابسط القواعد المرورية والتعامل مع ما يحيط به وهو يمتطي حديدا متحركا بسرعة. خلال هذا الاسبوع والاسبوع الماضي قادتني وهي تتفحص الاخبار المنشورة الى حوادث عديدة راحت ضحيتها انفس وتضررت منها اخرى, وصار السؤال ملحاً حول تحقق نسبة امان معقولة على شوارعنا وطرقنا من عدمها, ولا اخفيكم انني ومنذ فترة طويلة اعاني من هواجس غريبة ومزعجة حينما اجد نفسي منطلقا بسيارتي وسط سرب من السيارات المتسارعة في احد الشوارع, ودائما يقول لي هذا الهاجس انه الان وبعد لحظة ستجد حديد سيارتك وقد صار كتلة مختلطة بدمك ولحمك, فما يدريك ان من ينطلق بسيارته خلفك او الذي على جانبك سائق محنك او انه ينطلق بسيارته هكذا على (البركة). الاعمار بيد الخالق سبحانه والموت حق لكننا يجب ان نعترف ان هناك عددا من السائقين الانتحاريين لا يبالون لا بالحديد ولا بالبشر, ومن يريد ان يدقق يعيد قراءة اخبار حوادث هذا الاسبوع والاسبوع الماضي ليعرف أن حوادث السيارات تطورت, فبدلا من سيارة تصطدم بسيارة صارت سيارات تصطدم بسيارات يعني موتا واصابات (بالجملة) في وسط طرق وشوارع معدة على ارقى مواصفات السلامة. معهم حق رجال المرور برأس الخيمة حينما فكروا بحماية الجماد من البشر, فالجماد لا يفكر ولا يملك الشعور بما حوله, ومن هم يمتلكون تلك الصفات غير مبالين ولا تهمهم ارواحهم وارواح الاخرين.. هكذا تصبح حماية اعمدة الانارة اجدر من حماية سائقين لا يحبون انفسهم ويقتلونها بمجانية. في البلاد الاخرى يحسدوننا على شبكات الطرق الحديثة ونوعية الاسفلت الذي نستخدمه ويكلف ملايين الدراهم, ويحسدوننا اننا نركب آخر ما ابتكرته المصانع العالمية من سيارات ونحن نغفل التفكير في ان كل تلك الاشياء وسائل مريحة لا قاتلة.