هل تتحمل المقاومة الوطنية اللبنانية بنشاطها القتالي ضد إسرائيل مسئولية إحجام أصحاب رؤوس الأموال الأجنبية عن الاستثمار في لبنان؟ هذا السؤال لم ينشأ من فراغ, فقد قال سفير الولايات المتحدة في بيروت قبل بضعة أيام إن العمليات القتالية التي يشنها (حزب الله) من حين لآخر ضد الوجود الاحتلالي الإسرائيلي في منطقة (شبعا) تنعكس سلباً على الاستقرار في لبنان مما يخيف المستثمرين الأجانب في الوقت الذي يتطلع اللبنانيون إلى إعادة بناء اقتصادهم المدمر. وعلى الفور جاء رد الفعل من قيادة (حزب الله) حين أعلن الأمين العام لهذا التنظيم الشيخ حسن نصر الله أن الولايات المتحدة لن تسمح بتدفق استثمارات أجنبية على لبنان ما لم تبرم حكومة لبنانية اتفاق سلام مع إسرائيل على غرار ما فعلت كل من مصر والأردن. وربما يبدو من الوهلة الأولى أن زعيم (حزب الله) أصاب ضرب المسمار على الرأس كما يقول مثل انجليزي.. لكني شخصياً أرى غير ذلك.. فقد ثبت بالتجارب المعاشة والمرئية أن الاستثمار الأجنبي الأمريكي ليس سوى أسطورة حتى في حالات الدول العربية التي دخلت مع الدولة اليهودية في معاهدة سلام, واستخدام عبارة (استثمار) في هذه الحالة حيلة دعائية مضللة ليس إلا. إن الولايات المتحدة تتعامل مع الدول العربية التي تعترف بإسرائيل أو على استعداد للاعتراف بها مستقبلاً عبر قناتين: قناة (المعونة) التي تربط بين حكومة وحكومة.. وقناة (الاستثمار) التي تربط بين شركات استثمارية أمريكية والحكومة المضيفة. وفي كلا الحالين فإن الضرر الجسيم الذي يصيب بنية الاقتصاد الوطني في الدول العربية المعنية أعظم من أي فوائد إذا وجدت. (المعونة) مبلغ سنوي تخصصه الحكومة الأمريكية للدولة العربية.. لكن الشروط المرافقة لهذا الاعتماد المالي تجعل الطرف الأمريكي هو الرابح والطرف العربي هو الخاسر. بادىء ذي بدء فإن النسبة الأكبر من المبلغ تخصص بقرار أحادي من (الدولة المانحة) لمشتريات عسكرية وأمنية بهدف المحافظة على كفاءة أجهزة الأمن الداخلي مع المحافظة على جاهزية القوات المسلحة, بشرط ألا تتطور إلى مستوى قوة هجومية يمكن أن تشكل تهديداً لأمن إسرائيل. ثانياً: مبلغ (المعونة) لا يدفع إلى الدولة العربية لتتصرف فيه كيف تشاء, فسواء تعلق الأمر بمشتريات عسكرية وأمنية أو سلع مدنية فإنه لا يحق للدولة المتلقية إلا شراء سلع أمريكية الصنع.. بالأسعار التي يحددها البائع الأمريكي. وفي المبتدا والمنتهى فإن (المعونة) ليست معونة, فهي قرض واجب السداد على أقساط وبفوائد باهظة.. ولأجل قصير.. وبالتالي فإنه غير صالح إطلاقاً لتمويل مشاريع طويلة المدى ذات طبيعة تنموية يمكن أن تشكل إضافة إيجابية وحقيقية للاقتصاد الوطني. أما (الاستثمار) فإنه أشد عجباً. ولنبدأ من الآخر: هذا الأسبوع نشر في الصحف الأمريكية والأوروبية إعلان صادر عن (هيئة الخصخصة) التابعة لدولة عربية مصنفة أمريكيا كدولة (صديقة) الإعلان يعرض بيع 70 شركة في تلك الدولة العربية تابعة للقطاع العام الحكومي. وإذ ينتمي بعض هذه الشركات الى قطاعات خدمية كقطاع الفنادق وتجارة التوزيع فإن عدداً كبيراً منها ينتمي إلى قطاعات استراتيجية حيوية كقطاع التعدين وقطاع صناعة الاسمنت والقطاع المصرفي. وهذه هي عملية (الاستثمار): بواسطة (صندوق النقد الدولي) تحمل الولايات المتحدة الدولة العربية على تفكيك القطاع العام وعرض شركاته للبيع الى (مستثمرين) أجانب من أصحاب رؤوس الأموال الأمريكيين في الغالب. وتملك الأجانب للشركات المعروضة للبيع هو (الاستثمار) المقصود. وتكون النتيجة الاستراتيجية المقصودة على المدى البعيد هي نظام حاكم لا يملك سيطرة على حركة الاقتصاد الوطني, ليتفرغ بذلك تماماً الى قمع كل تنظيم معارض يرفع صوته ضد اسرائيل.. وشريكها الاستراتيجي.. الولايات المتحدة الأمريكية.