تأملات علمية عن المياه الجوفية..

تأملات علمية عن المياه الجوفية.. "8" مناطق منذرة بالتلوث في العالم (2 ــ 2) _ بقلم: محمد الخولي في عام 1940 وكان ذلك إبان اشتعال الحرب العالمية الثانية استولى الجيش الأمريكي على قطعة أرض شاسعة بمساحة 70 كيلومترا مربعا في منطقة ويلدون سيرنج في ولاية ميسوري وأقام على الأرض أكبر مرفق في ا لعالم لانتاج مادة الديناميت (ت إن ت). في داخل المرفق المذكور كانوا يعالجون مادة التولين وهي من عناصر الجازولين بواسطة حامض النيتريك من أجل نتاج ما يزيد على مليون طن يوميا من هذا المركب الخطير المستخدم في عمليات التفجير. ومن جوانب هذه العملية ما كان يقتضي ازالة وتصريف الرواسب الكيميائية المتخلفة عن الانتاج وأدى ذلك عبر سنوات الى توليد الملايين من جالونات هذه الرواسب بلونها الأحمر بعضها كان يتسرب مع شبكة الصرف الصحي وكثيرها كان ينساب الى مسارب وخنادق ومن ثم يتم تشربه داخل مسام تربة الأرض كان ذلك في سنوات الحرب كما أسلفنا عند أوائل أربعينات القرن الماضي, ولم يكن أحد قد تسلح بذلك الوعي البيئي الذي أدرك, ولو على نحو متأخر كيف أن هذه العمليات وما في حكمها لا ينتهي أثرها بانتهاء الحاجة اليها.. بل أن لها آثارا أطول بكثير وأخطر بصورة أكثر وأفدح. وقد نضيف هنا أن الفضل في اثارة الوعي البيئي كما تناهى الى عصرنا الحاضر يرجع أول ما يرجع الى باحثة البيولوجيا الأمريكية راشيل كارسون (1907 1964) وقد راعها مع مقتبل ستينات القرن ظاهرة انقطاع هجرات الطيور بسبب عوامل الخلل الذي لاحظته في البيئة من حولها فكان أن أصدرت كتابها الشهير بعنوان (الربيع الصامت) في عام 1962 ليصبح واحدا من الكلاسيكيات المعاصرة أو يصبح كما أطلق عليه الاختصاصيون (إنجيل الحركة البيئية) التي ما لبثت أن تنامت واتسع نطاقها ما بين انعقاد أول مؤتمر دولي للبيئة وآثارها في استوكهولم في عقد السبعينات الى أن بلغت ذروتها كما هو معروف بانعقاد مؤتمر ريو دي جانيرو الدولي حول البيئة والتنمية الذي التأم عقده في جنيف عام 1992 تحت اشراف الأمم المتحدة. الهاجس القومي الأمريكي وهكذا فعندما جاء عام 1980 كان الوعي بأخطار البيئة وعوامل التلوث التي تصيبها قد أصبح شأنا قوميا بل وهاجسا يوميا ولاسيما في الولايات المتحدة مما دفع الكونجرس الأمريكي الى أن يرصد اعتمادا طائلا فوق العادة (سوبرفند) كما يسمونه مخصص لتنظيف وتطهير عدة مواقع كانت مصابة بملوثات النفايات الخطرة في طول الولايات المتحدة وعرضها.. وعندما وضع المشرعون قائمة بهذه المواقع المنكوبة كان موقع ويلدون سبرنج الذي أشرنا اليه في صدرها منذرا بأن ثمة خطرا محدقا وجسيما ما برح يحفه ويهدد باصابة صحة البشر وتوازن البيئة على السواء. ثم عهدوا الى سلاح المهندسين في الجيش الأمريكي بعمليات تطهير الموقع المذكور.. وعندما شرعوا في العمل اكتشفوا أن المسألة كانت أخطر بكثير على نحو ما توضحه الباحثة الهندية بايال سامبات في بحثها الذي أحلنا اليه في الجزء الأول من هذا المبحث بشأن الأخطار التي يمكن أن تصيب أرصدة المياه الجوفية التي تكمن في باطن الأرض ولاسيما أن هذا المصدر الجوفي المائي ما برح يشكل كما ألمحنا من قبل مصدرا متزايد الأهمية باطراد للحصول على كميات المياه اللازمة لأغراض الزراعة ولاستخدامات الانسان على السواء. ما الذي اكتشفه الفنيون في سلاح المهندسين الأمريكي؟ لقد كانوا يتوقعون أن يكون تلوث التربة مقصورا على مساحات التربة والغطاء النباتي المحيط بالموقع المذكور أعلاه.. والذي حدث أن راعهم كيف أن الملوثات الكيماوية, وبعضها فادح السُمية شقت طريقها دفقا وتخللا وتسربا الى آبار الشرب والري والاستخدامات الانسانية المختلفة في مدن وأرياف تبعد عن الموقع المصاب بعشرات الكيلومترات ولم يكن هذا الاحتمال ليراود أحد لا من أهل الاختصاص ولا من عموم الجمهور خاصة وأن الموقع ويلدون سبرنج كان قد تم تحجيمه لاحتواء الأخطار التي كان يمكن أن تنجم عنه. وبعد الدراسة خلص الجيولوجيون الى نتيجة تلخصها الاستاذة سامبات في عبارات تقول: إن ثمة طبقة هائلة من التلوث الذي أصاب مستودع المياه الجوفية (الطبيعي) الواقع تحت مصنع مادة (تي.إن.تي) المتفجرة وهي طبقة ظلت على مدار خمس وثلاثين سنة, تتدفق وتسري ضمن طيات صخور الحجر الجيري لتلوث الأجزاء الأخرى من مستودع المياه الجوفية. نسوق هذه القصة من منظورنا العربي لكي نسترعي الانتباه العام من جانب رجل الاختصاص ورجل القرار بل والبشر العاديين ممن يهمهم أمر الأجيال الراهنة والقادمة الى ضرورة متابعة مثل هذه الحالات التي تحدث وينشر عنها في أدبيات شتى وفي مظان مختلفة في هذا الركن أو ذاك من العالم, ومنها نتعلم دروسا مستفادة, ويزداد من عبرتها وعينا الايكولوجي بأخطار البيئة وعوامل تلوثها يزداد عمقا واتساعا وارهافا. نموذج ويلدون سبرنج والحاصل أن نموذج ويلدون سبرنج أدى بعد نشره في الأدبيات المتخصصة والعامة الى تفتيح العيون على حقيقة جوهرية تقول في بساطة: ان ثمة مناطق في أمريكا أو أوروبا وفي أنحاء من آسيا وأمريكا اللاتينية وغيرها تؤدى فيها الأنشطة الانسانية بغير وعي أو ادراك, الى ارسال ملوثات بالغة الخطورة تصيب المياه الجوفية التي ما زالت قطاعات وفئات واسعة من البشر تعدها في براءة تاريخية موروثة مصادر نظيفة مصفاة أو مكررة يمكن أن تلبي احتياجات البشر من المياه حين يعز تلبية هذه الاحتياجات من مصادر المياه العذبة التقليدية المعروفة من أنهار وبحيرات وطبعا حين تندر الامكانات المالية الجسيمة والتجهيزات المادية التقنية الناجحة فنيا واقتصاديا لتحلية مياه البحر من الملح الأجاج وتحويلها الى ماء عذب فرات سائغا لري الأرض وأغراض الشرب والوفاء بسائر احتياجات الانسان. الوعي أمر مفروض واذا كان الأمر كذلك على مدار فترات ليست بالقصيرة ولا بالقليلة من تاريخ الناس فوق كوكب الأرض فلماذا إذن يزداد هذا الأمر خطورة في الحقبة التي نعيشها ومن ثم يكون الوعي بها والتحذير من أخطارها (فرض لغاية) من جانب العلماء والباحثين وأمثالنا من الكاتبين أو المفكرين المهمومين بمثل هذه القضايا, بقدر ما أنه ينبغي في حسباننا أن يصل ليكون (فرض عين) على كل انسان يدرك مسئولية الاستخلاف التي عهد بها الخالق جلّ وعلا الى الانسان عن هذا الكون بكل من فيه وما فيه؟ الاجابة تكمن ببساطة في أن القرن العشرين هو أزهى عصر عاشته البشرية من حيث الاختراعات والكشوف التي أدت موضوعيا الى تثوير حياة الناس فوق كوكبنا ابتداء من عصر الكهرباء التي بدأ بها القرن المذكور.. الى عصر السيارة.. ثم عصور اللاسلكي والراديو والتلفاز ثم عصر تفجير الطاقة النووية وثورة البلاستيك والمواد الاصطناعية التي يتم تخليقها واستخدامها بديلا عن المواد الأولية الطبيعية.. وصولا الى عصر الحواسيب والليزر واتصالات الأقمار الفضائية.. والكتاب الالكتروني.. و.. البقية تأتي. حكاية السموم الجذابة لم تكذب البشرية خبرا فشمرت عن ساعديها ومضت لا تلوي كما يقولون على شيء كي تتوسع في استخدام المكتشفات الجديدة المنهمرة أحيانا والجذابة أحيانا من المواد الجديدة.. ومن ثم دخلت الى البيئة والمجتمع والحياة كثيرة من تلك المواد المستحدثة التي لم يقتصر أثرها على أنه يظل كائنا وموجودا وفعالا بغير تبدد أو زوال أو حتى تخفيف في ثنايا البيئة وفي طيات الأرض.. بل أن كثيرا من تلك المستحدثات من المواد عادة ما يتسم بمحتويات من السموم هي الأعلى من سلائفها التي كانت تستخدم فيما مضى من أزمان. وفي هذا السياق يكتب الباحث ديفيد بيمنتل في كتاب صادر في نيويورك عام 1997 محذرا من أن عناصر المبيدات المستخدمة في الزراعة لمقاومة الآفات والمطروحة في السوق منذ آخر القرن العشرين تتراوح في قوتها وأخطارها بين نسبة عشرة أضعاف ومائة ضعف (!) بالنسبة لمثيلاتها التي كانت تباع في السوق عام 1975. وفي نفس السياق تنشر الباحثة الأمريكية (آن ماكجين) دراسة مكثفة تدعو فيها الى اعادة النظر في استخدام الكيماويات الاصطناعية وفي مقدمتها المبيدات والبلاستيكات وتختار لدراستها عنوانا على شكل سؤال مطروح هو: لماذا نسمم أنفسنا؟ الدراسة المذكورة بين أيدينا وقت كتابة هذه السطور وهي من منشورات سلسلة وورلد ووتش معهد مراقبة الأرض الدولي عدد نوفمبر 2000 وفيها تدعو الاستاذة ماكجين البشرية الى أن تدقق أكثر وأكثر في مدى صحة استخدام تلك الكيماويات الاصطناعية التي أتاح العلم الحديث تخليقها وبأسعار اقتصادية.. وأصبح عددها يتراوح اليوم كما تضيف الباحثة الأمريكية بين 50 ألف ومائة ألف مادة كيماوية مطروحة في أسواق الاستخدام التجاري وتحت مسميات شتى.. أنشطة الحرب الباردة في ضوء ما سبق بدأت البحوث المعاصرة تكشف النقاب عن أن أنشطة الحرب الباردة قد أدت الى تلوث المياه الجوفية بالسموم الكيماوية أو بالعناصر الاشعاعية, رغم انقضاء أكثر من 30 بل و40 سنة على انتهاء تلك الأنشطة والمشكلة أن هذه الملوثات ما أن تنفذ الى باطن الأرض حتى تظل هناك محفوظة أربعة وعشرين قيراطا بغير أن تزول خطورتها.. خاصة وأن المخزونات الطبيعية من المياه الجوفية التي تزداد نفاستها مع مرور الأيام تحتوي على مواد من حيث الأوكسجين المتحلل أو المعادن أو المادة العضوية أقل من نظيراتها في أنواع التربة.. مع ذلك فنحن, وأقطار العالم الثالث النامي أحيانا والمتخلف أحيانا أخرى, لسنا بمنأى عن أخطار تلوث مستودعات أراضينا من المياه الجوفية. 8 مناطق مصابة وأخطر العناصر الكيماوية في هذا الصدد هو النيتروجين الذي يأتي سواء بشكل مباشر من التركيب الاساسي للأسمدة والمبيدات الكيماوية أو يأتي بصورة غير مباشرة بفعل المحتوى النيتروجيني الذي تنطوي عليه النفايات العضوية المتولدة عن حيوانات المزارع أو عن الصرف الصحي الناجم عن شبكات المدن, وكله, كله, ينصرف متسربا في الأرض.. وينفد متحللا مسام التربة ومنها ينحدر الى حيث يلاقي مناسيب المياه الجوفية عند القاع في باطن الأرض. على أن هذا الخطر الناجم عن تلوث النيتروجين في المياه الجوفية.. ازداد فداحة في المناطق التي تشهد من ناحية تركيزا للنشاط البشري (كثافة السكان لكل متر مربع كما في الصين مثلا أو الهند أو بنغلاديش) ومن ثم تكون الحاجة من الزم ما يكون الى زيادة, كثيفة بدورها في انتاجية الأغذية اللازمة للبشر المتزايدين. ويضع الخبراء ايديهم على قلوبهم وهم يتابعون موقف المياه الجوفية في تلك المواقع شمال الصين مثلا وذلك في ضوء حقائق أساسية تقول: ان تركيز النترات في مياه تلك المنطقة زاد على 50 ملليجرام لكل لتر من المياه الجوفية في أكثر من نصف شمال الصين. في حين أن معيار سلامة مياه الشرب الذي اعتمدته منظمة الصحة العالمية يحدد سقفا برقم 45 ملليجرام لكل لتر. فما بالك اذا كان لبعض المواقع في شمال الصين قد شهدت زيادة رهيبة في الخطر المحدق حيث بلغت نسبة النترات في المياه الجوفية 300 ملليجرام للتر الواحد من المياه. وأخيرا فإن الباحثة الهندية, سامبات حين نشرت في دراستها جدولا بمناطق مختارة هو الأحدث من نوعه (وقد ورد بدوره في كتاب حالة العالم سنة 2001 الصادر عن معهد وورلد ووتش) فقد جاء الجدول ليضم 8 مناطق في طول العالم وعرضه هي الأكثر تعرضا لتلوث المياه الجوفية بفعل المحتوى النيتروجيني المتولد عن استخدام المخصبات أو المبيدات الكيماوية أو عن أنشطة الحرب الباردة على نحو ما ألمحنا اليه في سطور سبقت. وربما يطمئن المرء بالنسبة لاصقاعنا اليعربية العزيزة إن لم يرد لها ذكر في الجدول ونرجو ألا يكون هذا الإغفال راجعا الى نقص البيانات المتاحة. في كل حال فإن المناطق الثماني تقع ما بين شمالي الصين وأندونيسيا وجزر الكناري ووسط نيجيريا ورومانيا (في وسط أوروبا) ومنطقة إيست انجيليا في انجلترا وشبه جزيرة يوكانان في المكسيك ثم في ولايتي نبراسكا وكانساس بالولايات المتحدة. في كل حال.. فالوعي مطلوب من جانبنا. كاتب سياسي من مصر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات