إذا كان ما يريده قسم من النخبة المثقفة في سوريا هو استغلال التوجه الانفتاحي للقيادة الجديدة المتمثلة في الرئيس بشار الأسد من أجل الحصول على الحريات الديمقراطية الليبرالية بالكامل ودفعة واحدة وعلى نحو فوري, فإن من حق الشعب السوري أن يسألهم: أين كانوا, وأين كانت جسارتهم (النضالية) هذه لمدى ثلاثين عاماً من حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد؟ أقول هذا بمناسبة القرار الذي اتخذته السلطة السورية هذا الأسبوع القاضي بفرض قيود قانونية على ظاهرة ما يطلق عليه (المنتديات).. وهي ندوات سياسية خاصة تقام داخل منازل.. لكنها مفتوحة. منذ أن تسلم الرئيس بشار مقاليد السلطة ظل يُبشر بعهد جديد من الانفتاح الديمقراطي يضع نهاية لاحتكار حزب البعث العربي الاشتراكي للعمل السياسي كقوة حزبية رئيسية. وعلى الفور هبت جماعات من المثقفين لتمارس ما يشبه إعلان حرب على السلطة أو محاكمتها عبر مذكرات مطولة ومن ثم عقد (منتديات) ذات طابع استفزازي تطالب بإطلاق كامل وفوري للحريات بأنواعها بما فيها حرية التعبير وحرية التنظيم. هذا مسلك غير مسئول في تقديري, إذا أخذنا في الاعتبار صعوبة الوضع الذي يجد الرئيس بشار نفسه فيه كقائد جديد للبلاد لا يملك من الخبرة بقدر ما يملك من ذهنية انفتاحية. إن القائد السوري حديث العهد بالسلطة ليس بوسعه أن يقلب الأوضاع في سوريا رأساً على عقب بين يوم وليلة.. حتى لو أراد ذلك. فبعد ثلاثين عاماً من حكم والده ترسخت أوضاع مؤسسية على رأسها قوى وكوادر مستفيدة من هذه الأوضاع ليس من السهل تجاهلها بجرة قلم, هذه القوى والكوادر تشغل مراكز ذات سيطرة في القوات المسلحة وأجهزة الأمن والجهاز البيروقراطي والمؤسسات الاقتصادية والمالية والتجارية التي يتكون منها القطاع العام النافذ.. القوة المحورية التي تحرك الاقتصاد الوطني وتتحكم في تحركه. ولذا فإنه عندما يضغط قسم من المثقفين على القائد الجديد لحمله على اتخاذ تدابير سياسية فورية لنشر الحريات الديمقراطية دفعة واحدة فإنهم كأنما يدفعون به عملياً ــ سواء بقصد أو غفلة ــ الى الدخول في مواجهة مكشوفة قبل حلول الوقت الملائم ــ مع قوى تتقاسم أجهزة السلطة العليا. وهذا منتهى اللامسئولية. إن الرئيس بشار يريد فيما يبدو أن تكون النقلة السورية الى نظام ديمقراطي ليبرالي كامل نقلة متدرجة على مراحل تحاشياً لاستفزاز القوى التقليدية السلطوية. وهي نقلة قد تستغرق سنين الى أن تكتمل عملية التفكيك التدرجي لأجهزة السلطة الحالية الراسخة على مدى ثلاثة عقود. وفي ظروف دقيقة كهذه كان المنتظر من قطاعات النخبة السورية المثقفة أن تتخذ موقعاً الى جانب الرئيس الشاب لا في مواجهته, وبالتالي قبول منهجه التدرجي لا إحراجه. لقد سكتت النخبة المثقفة السورية لمدى ثلاثين عاماً من حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد.. فما الذي يجعلها تتعجل قطف ثمار قبل نضوجها؟ ولنستذكر أولاً وأخيراً أن الانفتاح النسبي الذي تنعم به سوريا الآن لم يأت كنتيجة لنضال نخب مثقفة وانما نتيجة لسياسة رئيس ذي نزعة ديمقراطية.