مفارقات التسوية السلمية بين حزبي الليكود والعمل _ بقلم: ياسر الفهد

بعد أن وصل شارون وبوش الابن الى سدة الحكم, في اسرائيل, وفي أمريكا, منذ فترة, واستلما زمام السلطة, بدأت التساؤلات تبرز وتتعاقب حول مستقبل العملية السلمية والأخطار التي باتت تتهددها, فالأول سفاح معروف ومتشدد لا يُشق له غبار, والثاني سيبقى منشغلاً لحين من الزمن في شئون البيت الداخلي الأمريكي. فما حقيقة الأوضاع بين الأمس واليوم؟ وهل هناك مجال لقراءة متأنية في احتمالات تطور الأحداث في الشرق الأوسط؟ إن الصورة في الحقيقة, غير واضحة, وليس من السهل كشف النقاب عن جميع ملامحها وإماطة اللثام عن كل خباياها. وهناك مدى واسع من الاحتمالات التي يصعب الجزم أو التكهن بها. وقد سبق ان اصدر محللون سياسيون وزعماء كبار أحكاماً وأطلقوا توقعات كثيرة ثبت فيما بعد أنها مجرد أضغاث أحلام: ففي أواخر عهد باراك, بدا للكثيرين وكأن الطرفين العربي والاسرائيلي قد أصبحا قاب قوسين أو أدنى من توقيع اتفاق سلام شامل, كحد أقصى, أو اتفاق إعلان مبادىء, أو حتى بيان مشترك, كحد أدنى, أو اتفاقية اطار كحد متوسط. وذلك منعاً لوصول شارون الى رئاسة الوزارة الاسرائيلية. فقد كان كلينتون يطمح الى الحصول على جائزة نوبل للسلام, في حالة توقيع اتفاق, وكان من مصلحة باراك ان يُعاد انتخابه من جديد. أما عرفات, فلن يسعده بالطبع ان يرى زعيماً اسرائيلياً سفاحاً ومتشدداً في سدة الحكم. وهكذا, فقد كانت جميع التوقعات منصبة على أن الأطراف الثلاثة لن تترك فرصة للسلام تفلت. ولكن ما ان ذاب الثلج, وظهر المرج, حتى تبخرت كل التوقعات, ونشأ واقع جديد لا يمت الى المنطق بصلة, وتحقق ما لم يكن في حسبان أي انسان عاقل. ونعني بذلك انتخاب شارون زعيماً للدولة العبرية. لقد كان الاسرائيليون وما زالوا يشكون بمرارة من الكفاح الفلسطيني المسلح الذي يُطلق عليه العرب اسم الانتفاضة المباركة ويسمونه هم بالعنف والارهاب, اللذين يسببان لهم خسائر بشرية ومادية ويلطخ سمعتهم على المستوى الدولي. وقد فرضت عليهم الانتفاضة التي تعود اسبابها الحقيقية الى تشدد باراك, وعدم تطبيقه الاستحقاقات المرحلية, ان يبحثوا عن حل. وفي هذه الحالة, كان عليهم ان ينتخبوا زعيماًً أكثر مرونة واعتدالاًً واستعداداً للتجاوب مع المطالب الفلسطينية, حتى يسود الهدوء ويحل السلام ويتحقق الأمن. لقد كان تصلب باراك وزيارة شارون الى المسجد الأقصى, هما السبب في تأجج ظاهرة الكفاح المسلح. وهذا يعني انه لا يمكن لمزيد من التعنت أن يكون علاجاً لهذه الظاهرة. وإذا أراد الاسرائيليون ان يتجنبوا نتائجها, فإن عليهم ان يبحثوا عن زعيم عاقل مستعد للتجاوب مع الحقوق الفلسطينية وقرارات الأمم المتحدة. ولكن خيارهم الليكودي يدل على انهم قد ضلوا جادة الصواب, والسبب الارجح لذلك هو ان اغلبية الاسرائيليين يريدون حلاً سلمياً على طريقتهم هم وبصرف النظر عن المعايير والمرجعيات الدولية. وهذا ينفي فكرة السلام بشكل عام, والسلام العادل في وجه الخصوص, لأن أية تسوية يجب أن تأخذ مصالح الطرفين المتفاوضين معاً, بالاستناد الى مقاييس ومعايير مقبولة منطقياً وأخلاقياً وعالمياً. ومن الأسباب الأخرى المحتملة, ان الاسرائيليين باختيارهم شارون, انما يريدون تخفيض توقعات الفلسطينيين. فقد حصل هؤلاء من باراك على عروض مغرية, من بينها اعادة قطاع غزة بأكمله وزهاء 95% من اراضي الضفة الغربية, بالاضافة الى منحهم السيادة على اجزاء كبيرة من القدس الشرقية. الفلسطينيون لم يقبلوا بذلك, لأنهم لا يرضون بديلاً عن حقوقهم الكاملة مئة بالمئة, ومن بينها اعادة الضفة الغربية بأكملها, وإعطاء السيادة على كامل القدس. وهذا هو الطريق الوحيد لتوقف الانتفاضة. الاحتمال الوارد إذن في ظل هذه الظروف, هو ان المنطقة ستدخل مرحلة عدم استقرار, وأن السلام سيهتز, وسيحدث مزيداً من سفك الدماء, لأن شارون معروف بتعصبه الأعمى. وإذا كان العرب لم يقبلوا بباراك وعروضه السخية نسبياً, فهل يمكن ان يقبلوا بشارون وبعروضه الممسوخة؟ وفي مقابل هذه الصورة القاتمة, هناك من يعتقد ان الأمور ليست على هذه الدرجة من السوء, حتى أن بعض الزعماء العرب قالوا ان الحكم على شارون يجب ان يكون من خلال افعاله وبرامجه, لا من تصفح ماضيه. وحجة هؤلاء ان هذا الرجل المتعصب اكثر قدرة من باراك أو بيريز أو غيرهما على اتخاذ القرارات المصيرية الصعبة وإجراء ما يسمونه بالتنازلات المطلوبة. وإذا اقتنع بضرورة الانسحاب الى حدود ما قبل يونيو وإعادة القدس الشرقية الى العرب, نتيجة للانتفاضة وللضغوط الدولية المحتملة, فإن بإمكانه ان يفعل هذا دون الخوف من انتقاد المعتدلين له, أو من اسقاط حكومته, كما كان الحال مع باراك. فإذا تنازل الليكود الآن, وتعرض لنقد حزب العمل, فإن هذا الأخير يكون قد ناقض نفسه. ومن جهة ثانية, هناك من يقول ان حزب العمل يبطن ما لا يظهر, ويبدي الاعتدال الذي يخفي وراءه التشدد. فهو لذلك شر مستتر. أما حزب الليكود, فإنه شر صريح, لأن ظاهره مثل باطنه. وهذا اهون الشرين. إن المستقبل هو الذي سيثبت أي الاحتمالين اقرب الى الواقع, وأدنى من الحقيقة. ولا نستطيع ان ننكر دور ادارة بوش في التأثير في مسارات الأمور. وهي تبدو الآن أقل اكتراثاً بمشكلة السلام, من إدارة كلينتون السابقة. وليس معروفاً ما اذا كان هذا مجرد تكتيك يهدف الى تخفيض توقعات الفلسطينيين من التسوية وإفهامهم بأن عليهم ان يقبلوا بما هو اقل من حقوقهم الكاملة بنسبة مئة بالمئة, أم انه يشكل سياسة امريكية جديدة لا تضع مسألة السلام في قمة أولوياتها. وإذا كانت نوايا شارون وبوش تؤثر الى حد معين في مستقبل التسوية السلمية, فإني أعتقد ان العامل الحاسم والأكثر اهمية, هو استمرار أو عدم استمرار الانتفاضة, وكذلك مدى الضغط الذي ستوجهه الدول العربية, والعالم بصورة عامة, على اسرائيل حتى تنصاع لقرارات الشرعية الدولية. وإذا كان هناك من يعتقد ان الدولة العبرية يمكن ان تعيد للعرب حقوقهم الكاملة بدون ضغوط قتالية أو سياسية أو دبلوماسية أو اقتصادية, فإنه على خطأ مبين. خلاصة القول, إن مستقبل الشرق الأوسط, أصبح الآن أكثر غموضاً, من أي وقت مضى, ولا يقلل من هذا الغموض تشكيل ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية في اسرائيل والتي يشارك فيها حزب العمل وأحزاب اخرى, ويقودها حزب الليكود. وهناك من يرى أن مثل هذه الحكومة أقدر من أية حكومة أخرى, ليكودية أو عمالية, على اتخاذ القرارات المصيرية وتقديم التنازلات المؤلمة للعرب. وهذا مجرد احتمال. وقد أثبتت التجارب السابقة ان حرب الاستنزاف البطيئة, هي الطريق الصحيح لانتزاع حقوقنا العربية. كاتب سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات