الى اللقاء _ صدمة هونج كونج _ بقلم: نور سليمان

اذا كان الشعر هو انبعاث الكلام في حروف منظومة, فإن هونج كونج قصيدة عطر انبعثت حروفها من اخلاص مثير لقيم العمل والانتاج والعائلة ونظمها 6.6 ملايين مواطن صناعي استخدموا ذكاءهم الفطري لكتابة قصيدة مدينتهم وسخروا طاقاتهم للامساك بالوزن والقافية لتجسيد موسيقى قصيدتهم في سيمفونية عالمية, تعزف بمهارة منظومة معقدة من علاقات العمل والانتاج داخل نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي فريد تلاقت فيه قيم الشرق والغرب. كانت المدينة تسمى هونج كونج اثناء الحكم البريطاني والذي انتهى العام 1997, وقد حافظت على هذه التسمية كشعار سعت المدينة لتأكيده والترويج له عبر العالم للتدليل على استقرار نظامها الاقتصادي والاجتماعي وخصوصيتها السياسية بعد عودتها لسيادة الصين التي منحتها وضعاً ادارياً خاصاً التقت عنده حاجة الصين لحبل سري مع الاقتصاد الرأسمالي وحاجة بريطانيا لقلب آسيا الاقتصادي لينشأ ذلك النموذج الخاص والفريد في العالم يحكمه نظام من الشراكة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. في افقها الجديد نحو الألفية الثالثة تبدو المدينة واثقة من الحفاظ على وزن القافية في قصيدتها لتبقى ماثلة كأشهر قصيدة كتبت ابياتها على رقعة من نسيج خاص وعلقت على صدر العولمة, يقرأها العالم بنظرة حسد تتحول امام صعوبة اللحاق بها الى اعجاب يشكل الصدمة الاولى لزائرها. فهي تصدم الزائر المندهش بكل ما هو ظاهر وباطن فيها ابتداء من نظام المواصلات المتطور الى مبانيها العملاقة مرورا بجمالها الاخضر ونظافة شوارعها الى حد المبالغة وصولا الى الاسواق التجارية المثيرة, وإلى ازدحامها بالبشر الذين يملأون شوارعها كأنهم سيل من الاوراق المالية, الى نهارها المضغوط بالعمل الذي يفجر بركان ليلها الاحمر. ولشدة تنوع مظاهر الحياة فيها فهي تبدو مدائن في مدينة مليئة بالحياة تطفح عافية وتتوقد نشاطا. مظاهر الحيوية والعطاء في شعبها لا تتوقف, فالمرأة عندهم مثل الرجل, فهي سيدة اعمال وسائقة قطار وطائرة وعاملة نظافة وحفريات وشرطية وربة بيت وهي تجعل الزائر للمدينة يحسد المرأة العربية على ما تنعم به من دلال, بل يحسد ايضاً الرجل العربي على حالة الاسترخاء التي يعيشها مقارنة بحيوية وعملانية زميله في هونج كونج الذي بنى مع المرأة هناك اقتصاداً شامخاً بعلو مبانيها التي تنافس قمم جبالها. لا يعرف الزائر من ينعم بالآخر, هل المدينة تنعم بذلك الشعب الحيوي الذي جعل هونج كونج مدينة الارقام القياسية في كل شيء من التجارة الى الصناعة الى المال والاعمال الى مستوى التعليم والصحة والخدمات العامة الى الدخل السنوي.. الخ في حالة من الرفاهية والرقي التي يندر مثيلها في العالم؟ ام ان شعبها هو الذي ينعم بالمدينة التي وفرت له كل ما يريد ومازال يطلب المزيد؟ الحقيقة انهما ينعمان ببعضهما في علاقة زواج تحميها القيم العائلية عند الصينيين التي قادت استمرار هذا الزواج في اجواء من الحرية والديمقراطية ليكون الانتاج والابداع تقدماً مذهلاً وسريعاً يحافظ على التقاليد والخصوصية الاجتماعية الصينية دون رفض الآخر. وما يثير الدهشة في هونج كونج ايضا ذلك الكرم والحفاوة بالضيف الذي يصل احيانا الى حد المبالغة, فهم يحولون احساس الزائر بالغربة الى شعور بالحميمية العائلية, التي تزرع فيه حب المكان والانتماء اليه, وتحنو عليه ليحن اليها بعد مغادرتها, وزوال الصدمة. انها التجربة الانسانية في ارقى تجلياتها تتجسد في مدينة تعيش باقتصاد دولة كبرى وبنت نفسها حتى غدت قبلة لكل الباحثين عن المال والجمال والاثارة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات