في استقرائه للمستقبل السياسي للعالم العربي أصاب جورج تينيت رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التشخيص وأساء الاستخلاص. كان تينيت يعرض رؤيته من خلال تقرير رسمي تقدم به إلى مجلس النواب الأمريكي الأسبوع الماضي عن المخاطر المستقبلية التي يتوقع أن يتعرض لها الأمن القومي للولايات المتحدة في أنحاء العالم المختلفة. وفي الفصل المخصص للعالم العربي كانت النغمة العامة ذات منحى تحليلي موضوعي من حيث تشخيص الواقع السياسي والتطورات المستقبلية رغم أن النغمة كانت أىضاً تحذيرية. لقد تحدث تينيت عن (السخط الشعبي العام) الذي ينتظم الدول العربي.. وامتداداً لهذه الملاحظة الكبيرة سمى ثلاث دول بالاسم باعتبارها الأهم من منظور المصالح الأمريكية والمحافظة على أمن اسرائيل قائلاً إن السخط الشعبي المتنامي بين صفوف جماهيرها قد يتحوّل إلى حالة (هيجان) خطير. من المحيط إلى الخليج, يقول تينيت: (أصبح المواطنون العاديون أكثر ضجراً وصخباً. وتظهر الأحداث الأخيرة أن الحافز المناسب مثل تفجر العنف الاسرائيلي الفلسطيني قد يدفع الشعوب إلى التحرك). وفي فقرة لاحقة كان رئيس الاستخبارات الأمريكية أكثر صراحة حين قال: (إن الشعوب العربية الضجرة تزايدت قدرتها على العمل دون قيادة محددة). هذا هو التشخيص, وهو موضوعي يعكس اقتراباً علمياً لتحليل صورة الواقع العربي وما يمكن أن يفرزه هذا الواقع من تحرك شعبي. لكن ماذا عن الاستخلاص؟ إن تينيت إذ يتنبأ بأن الشعوب العربية قد تتحرك فإنه لا يقترح تعديلاً جذرياً لتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط بما يتلاءم مع تطلعات الشارع العربي وإنما يوصي بالمزيد من الدعم الأمني الأمريكي للنظام الرسمي العربي بما يجعله في وضع أفضل لمجابهة الشارع. وهذا يعني ببساطة أن الولايات المتحدة لا تعتزم في المستقبل المنظور مراجعة توجهها الاستراتيجي الحالي تجاه منطقة الشرق الأوسط القائم أساساً على مبدأ (حماية الأمن الإسرائيلي). هنا يتناقض التشخيص الاستخباراتي الأمريكي مع الاستخلاص. فواشنطن, بناء على خطها التشخيصي تتخوف من أن التحرك الشعبي العربي المرتقب قد يكون الحافز إليه استمرار (تفجر العنف الإسرائيلي الفلسطيني). لكنها في الوقت نفسه تغذي عملياً هذا العنف بوقوفها العنيد ضد الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني في انحياز فاضح ومُعلن إلى إسرائيل. وهذا الانحياز الفاضح, المبني على ثوابت أمريكية راسخة بأن تكون إسرائيل الدولة الأولى في منطقة الشرق الأوسط المتفوقة على الدول العربية مجتمعة سواء كقوة عسكرية أو قوة اقتصادية هو بدوره الذي يجعل مهمة الأنظمة في قمع الشارع أشد صعوبة يوماً بعد يوم. إن الولايات المتحدة, بتشجيعها ودعمها للقمع الدموي الوحشي الإسرائيلي للشعب الفلسطيني وتزويد الدولة اليهودية تباعاً بأحدث ما تنتجه تكنولوجيا السلاح الأمريكي مع حرمان الحلفاء العرب منها إنما تساعد تلقائياً في إذكاء روح التحقير من قبل الشعوب العربية تجاه الأنظمة. وبالقدر نفسه فإن الشعوب العربية تتساءل كيف, على سبيل المثال, تدفع الولايات المتحدة للدولة الاسرائيلية ثلاثة مليارات دولار سنوياً كمعونة مع دفع مبلغ مماثل لمصر, علماً بأن عدد سكان إسرائيل يقل عن خمسة ملايين بينما عدد سكان مصر يربو على ستين مليوناً.. وعلماً بأن المساعدة المقدمة إلى الدولة اليهودية تعتبر هبة لا تسترد, بينما ما تحصل عليه مصر يعتبر قرضاً واجب السداد.. وبسعر فائدة؟ أجل.. إن الاستخبارات الأمريكية أخطأت في الاستخلاص, إذ هي أصابت في التشخيص.. ولكن هل كان بوسع جورج تينيت أن يمضي في تحليله العلمي الموضوعي إلى منتهاه المنطقي فيوصي بفك الارتباط التقليدي بين مؤسسة الحكم الأمريكية والحركة الصهيونية العالمية؟