جلسة واحدة فقط سمحت بها ظروفي المهنية, لحضور ندوة (اعلام الامارات في زمن متحول), وقد كانت تلك الجلسة كافية للحكم الموضوعي والهادىء على تلك الندوة التي كان ينبغي لها ان تكون ندوة مهمة, اولا: لضخامة العنوان الذي وصل الى حد ان يكون لا محددا مما اضاع الباحثين وجعل كلاً منهم يجدِّف في بحر الموضوع وفق بوصلته الشخصية دونما التزام بالضوابط التي يطرحها موضوع البحث, وفي الاغلب كان يتم الاتكاء على النهج التاريخي, وربما الوصفي في كثير من الاحيان. وثانياً: لان الندوة تولت تنظيمها دائرة الثقافة والاعلام واحتضنتها جامعة الشارقة اكاديمياً مما كان ينبغي ان يوفر لها مناخاً ناجحا لتؤدي فعلها دونما اخطاء تنظيمية تقلل من الاثر المرجو احداثه. وثالثاً: لأن قضية الاعلام في الزمن المتحول هي قضية شاغلة للفكر الاجتماعي والسياسي والمهني وتمثل احدى قضايا الساعة في عالمنا المتحول باتجاه الفضاءات اللامحدودة والتدفق المعلوماتي المذهل. كانت الجلسة التي سعيت لحضورها تدور حول المجلات في الامارات وقد حضرتها مدفوعا بعاملين اثنين, اولهما: ان القضية تشغلني مهنيا بحكم الارتباط العملي في ساحة المجلات الاسبوعية, وثانيا: لان الجهة المنظمة آثرت ان يتناول الزميل سيف المري تجربة (الرياضة والشباب) أو (الأسرة العصرية) وأصر بنفسه على عدم تولي هذه المهمة ولم يجد بدا وخلاصا من إصرار الجهة المنظمة على طلبها الا ان يعلن في الجلسة ان ورقته ستتناول فقط تجربة الزميلة مجلة (الصدى). وقد كانت هذه الجلسة كافية لتقديم صورة بانورامية لمجمل جلساتها ولما اعتورها من احداث يمكن ان تنأى بها عن المناخ العلمي المفترض توافره في سياق اكاديمي شارك في تنظيم الندوة غير أنه قدم نموذجا نعتقد ان جامعة الشارقة الواعدة وبما تتوافر لها من بنية اساسية تدعو للفخر ان تفسر اسباب اضطراب تنظيم هذا الحدث المهم, ولعل إجمال تلك الملاحظات يمكن ان يفيد جهة التنظيم لاحقا فيما يأتي من تجارب. * الملاحظة الاولى التي تؤخذ على التنظيم تمس الى حد كبير جوهر الندوة, وتتعلق بعدم توافر الاوراق التي تقدم للحاضرين خاصة وان الندوة شبه مغلقة بحكم قاعة المناقشة وشكل الطاولة المقتصرة على المتحدثين والمعقبين والمتداخلين, وجلهم من الاكاديميين والمهنيين في مجال الاعلام وبعض طلبة جامعة الشارقة. وغياب الاوراق حتى عن المعقبين كما أعلنوا بانفسهم جعل الجلسة حواريا ومعلوماتيا شبه عبثية لأن المحاضر يبتسر ورقته في حدود الزمن الممنوح له, والمعقب الذي لم يقرأ الورقة اصلا يستدعي انطباعاته من الذاكرة او هوامش ما يقوله المحاضر, والمستمع حول الطاولة ضائع في فضاء وهمي فلا يملك بين يديه ما يجب ان يدعوه للتداخل اضافة او تصويبا او تأكيدا. والمؤسف ان تجربة المجلات الأسبوعية وهي تمثل طفرة مهنية رائعة في جسم الاعلام المقروء في الامارات تعرضت للظلم المرعب في هذه الندوة ولم تأخذ حقها الذي كان ينبغي ان تأخذه إعلاما ومناقشة حيث غابت تجارب مميزة عن الحضور في هذه الجلسة منها تجربة (زهرة الخليج) و(الاسرة العصرية) و(الشروق) التي لم يركز عليها مقدم الورقة التي كلف بتقديمها, و(الامارات اليوم) و(الاقتصادي) وتجربة (الازمنة العربية) ومجلات الاندية وكلها تجارب فاعلة ومميزة على صعيد المجلات على الرغم من ان تجربة (الاقتصادي) صارت شهرية اما (الازمنة العربية) ومجلات الاندية فصارت جزءاً من التاريخ الاعلامي للامارات. والملاحظة الجديرة بالتوقف ان الندوة مضمونيا, ولعل السبب هو التنظيم, لم يتوفر لها توازن اكاديمي مفترض بحضور كل الانواع التي تمثل جسد الاعلام في الامارات, لذلك يخرج الحاضر أو المتابع للتغطيات الصحفية لوقائعها لاحقاً بانطباع حقيقي, بأنها كانت ندوة منحازة للأسف إلى نوعيات معينة على حساب نوعيات أخرى, والدليل المؤكد لذلك هو اهمال حضور صحيفة (البيان) على الرغم من ثقلها كإحدى أقوى ثلاث صحف يومية في الامارات, فضلا عن غياب التعرض لتجارب صحف (الوحدة) و(الفجر) و(العرب اليوم) ما دام المنهج المسيطر على الندوة كان منهجا تاريخيا. والفكر النقدي المهني الباحث عن تبرير لذلك التجاهل أو التجاوز ربما يحيل الأمر إلى تفسير أقرب الى الصحة وهو ان روح الصداقة ــ ربما ــ قد سيطرت على مناخ التنظيم والتكليف والتجميع والمتابعة, واذا كان الامر كذلك فلا بأس, وإنما خطورته تكمن في أن حصاد تلك الندوة سيمثل جزءا من التأريخ والتأصيل للمهنة وحتما سيوفر بذلك بيئة معلوماتية مضللة لمن يأتي باحثا او منقبا او محللا أو متعرفا للمرة الاولى إلى الاعلام في الامارات مما يرسخ قناعات غير صحيحة تزيف الوعي بحقيقة الاعلام في الامارات. على ان الملاحظة الجديرة بالذكر في هذا السياق هي ما كشفته هذه الندوة من حالة الفكر الاكاديمي الاعلامي العربي على وجه العموم والمحلي على وجه الخصوص وهي قضية جديرة بأن تتحول الى اروقة الجامعات وكليات واقسام الاتصال الجماهيري والاعلام وتشكل تحديا اكاديميا لها, ولعل المقام هنا والمقال لا يتسعان لتفصيل تلك القضية الآن. وهذه الملاحظة هي ضرورة ان تتفكر الآلة الاكاديمية الاعلامية في طبيعة خطابها ومضمونه وسياقاته ومحدداته وغاياته... الخ, اذ الملحوظ أن ذلك الفكر الاكاديمي الاعلامي بتجلياته العربية والمحلية يعيش نمط خطاب مكرور الى حد الاصابة بالملل, خاصة وان ملفوظاته واحدة تركز على السياسي والقيمي قبل المهني, وتفصل فصلا تعسفيا بين مضمون الخطاب وشكله ولا تدرك العلائق والوشائج الحميمة بين الشكل والمضمون, وتغيب في حالة من النظر السياسي التقليدي لمضمون الخطاب الاعلامي, فما تستمع اليه في القاهرة يطاردك في الشارقة, وما يواجهك في الكويت تلقاه في دمشق... الخ, مما يؤكد نمطية الخطاب الاكاديمي الاعلامي العربي ووقوعه في أسر التكرار والاجترار لمنظومة افكار جرى سحقها بفعل التطور العلمي التقني والفكري, ومما يؤكد أيضا على أن (البيئات الاكاديمية) الاعلامية العربية إذا صلح اطلاق كلمة بيئات عليها تعيش في مناخات مغلقة ومقفلة للغاية, والدليل على ذلك ان منطوق ذلك الخطاب الاكاديمي العربي لا يزال يراوح مكانه أسيراً في سياق اعلام الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي, متناسيا ان الوسيلة تغيرت من الصوت إلى الصورة, ومن الصورة الى النبضة الالكترونية, وان الاسوار والسدود تهاوت, وأن حارس البوابة صار ماضيا عظيما ودخل الى غرف المتاحف فيما الاعلام الجديد يصفع الوجوه بشاشاته. ندوة الاعلام في زمن متحول وخاصة جلسة المجلات الاسبوعية كشفت تهافت الفكر الاكاديمي العربي, ووقوعه أسير نمطية السياسي التقليدي أكثر من المهني, وتلك معضلة منذرة باليأس من امكانية تخرج اجيال اعلامية جديدة قادرة على أن تعيش العصر مهنيا وتتفاعل معه وتتلاقح وتعطي وتساهم في مناخات الشفافية الجديدة لان ما يتلقاه طلبة ودارسو الاعلام في الاكاديميات العربية سيكون بعيدا عن العصر بمقاييس كثيرة, وسيركز على السياسي أكثر من المهني وهذا خلل منهجي. وحتى لا يكون الاتهام بأن هذه الكلمات تحلق في العموميات ندعو الجميع لحضور أية ندوة عربية يكون موضوعها اعلاميا ليستمع الى خطاب تقليدي مفرداته لا تتجاوز ما يلي: (ان اعلامنا خاصة في المجلات يروج لقيم الاستهلاك والسطحية والاباحية قبل اي شيء. وانه اعلام يعتمد الاثارة ويروج للقيم التجارية, وانه اعلام يصنع نماذج تافهة ويفرضها على الناس, وانه اعلام خاصة في المجلات النسائية والمتنوعة يمكن أن يسمى اعلام مساحيق التجميل والزينة, وانه اعلام يصيبنا بالتغريب ويدمر الهوية ويمسخ التراث... الخ) من تلك المفردات المكرورة والمستنسخة عاماً بعد عام ومن منطقة الى منطقة. والجدير ذكره ان تلك المنظومة من الطروحات النمطية قبل ان تدين المهنة والمهنيين تدين الآلة الاكاديمية الاعلامية باعتبارها تضم نخبة التنوير الاكاديمية التي تمتلك المنهج الناضج الذي يجب ان يساعدها على صناعة او التبشير بنماذج مغايرة لما هو قائم, طالما أنها ــ تلك النخبة الاكاديمية ــ غاضبة مما هو موجود في وسائل الاعلام. وفي حقيقة الامر فان الفكر المهني داخل المؤسسات الاعلامية هو الفكر القادر على تقديم طروحاته وفق اجتهاداته والمعطيات المتوافرة بين يديه, وهو الذي يتحرك فيما الاكاديميون يركضون خلفه, يتأملون ثم لا يستخرجون من حقائبهم غير المنظومة المعروفة سلفا والتي لا تفيد اي مهني حينما يستمع اليها. لقد نسيت الآلة الاكاديمية الاعلامية العربية ان الاعلام صناعة ذات مدخلات ومخرجات, وانها ذات ربحية او على الاقل ينبغي ان تحقق التوازن بين المدخل والمخرج لكي تواصل عملها, وانه لا توجد جهة في الدنيا تتحمل الى حد بعيد او الى ما لا نهاية له الانفاق على وسائل اتصالية دونما التوازن او الربح, وان الاعلان عنصر مهم من عناصر الصناعة الاعلامية بحكم مناخ اقتصادات السوق التي نعيشها, وان مجتمع الدولة المركزية يأفل ويأخذ مسربه الى ذكريات الماضي الجميل, وان كلاً منا له اشباعات استهلاكية من حقل العطور والازياء والادوات والاطعمة والبرامج والاجهزة ونحتاج اليها ونتعرف اليها عبر وسائل الاتصال؛ وان عجلة التاريخ لا تعود للخلف, وان البذرة لا يمكن بنفسها ان تعود بذرة وانما تصل الى ان تكون ثمرة, وان ماء النهر الذي تضع فيه قدميك لايمكن ان يعود نفسه الى قدميك مرة اخرى وانت واقف, وان المرأة كما الرجل, القديمة والمعاصرة تحب النظافة وتتجمل وتسعى الى ان تكون مقبولة, والعلة ليست في وسائل الاعلام التي تروج الى الاستهلاك, ولكن العلة في الضوابط الذاتية التي تجعلنا نتحكم في انفاقنا ونكون شرهين ام مقتصدين, وان منظومة القيم التي نعيش عليها وتحكم تصرفاتنا ليست رهينة مقال في مجلة او برنامج في تلفزيون... الخ. القضايا كثيرة ويمكن التداخل معها لاحقا, ولكن الاجدى بالفكر الاكاديمي الاعلامي العربي والمحلي ان يخرج من غرفاته ويعيش حالة الاتصال الجماهيري الحقيقي, ويسعى الى دراسة الواقع موضوعيا بنهج عصري وسلوك منهجي اكاديمي مركزا على المهني قبل السياسي ومؤكدا على المهارات العملية قبل ان يركز على تحميل اذهان الطلاب بمنظومة قيم ذات منحى سياسي محدد. والاجمل من ذلك ان يجتهد ذلك الفكر في ابراز ما يؤكد جدارته التي تعطيه امكانية التقويم بتقديم خطاب اكاديمي عربي خالص ومبتكر بدلا من احالاته الدائمة لمرجعيات ومعطيات (الاستيراد الفكري الاعلامي) الغربي الذي نعيش في سياقاته الاقتصادية والاعلامية والثقافية, فهل استيراد الاصطلاحات مثل (العالم قرية صغيرة) و(طريق المعلومات السريع) و(حارس البوابة)... والمفاهيم والادوات الفكرية واستهلاكها من قبل الاكاديميين الاعلاميين العرب مسموح ومتاح لهم فيما الحديث عن المستورد من الماكياج والتجميل والازياء حرام على غير الاكاديميين؟ ندوة اعلام الامارات في زمن متحول كانت ظالمة لهذا الاعلام, وكان ينبغي ان تتوافر لها ظروف تنظيم أكمل ومناخ اكاديمي افضل مما رأيناه في جلسة واحدة فقط كانت على الاقل تعبر عن مجمل الندوة, فالجزء كما هو معلوم يحمل صفاته الكل, وان كان للندوة اجر اتاحة الفرصة لالقاء حجر يحرك المياه الفكرية.