لعب الجيتو دوراً مؤثراً في صناعة الثقافة السياسية للتجمع الصهيوني على أرض فلسطين, مثله في ذلك مثل التوراة والصهيونية والعبرية, مع التفاوت في حجم ومدى التأثير الناتج من العامل الأصل والعامل الفرع من حيث التفاعل. والغرض من تناول دور الجيتو في التشكيلات الثقافية والسياسية في إسرائيل, هو الكشف عن طريقة التفكير (الجيتوية) أي المنغلقة والمزدوجة حيث الجمع بين الاضطهاد وعظمة الرسالة, وقداسة الدور الموكول لليهود. وعن ذلك يقول د. عبد الوهاب المسيري في موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية (الدارس للصهيونية يلاحظ الآثار العميقة التي تركتها حياة الجيتو ونظمه في عقلية ونفسية اليهودي, حيث أصبح الأغيار شراً مطلقاً, وأصبحت الدولة الصهيونية هي مركز الدنيا والتاريخ, وقد جاء الاستيطان على أرض فلسطين تجسيداً لذلك الجيتو, وتكريساً لطريقة التفكير السائدة والناجمة عنه, وقد كرس هذا التفكير الجيتوي الخوف والطمأنينة معاً, خوف من الأغيار وطمأنينة للعزلة حيث لا أمن ولا سلم إلا في إطار النقاء اليهودي والمقدس اليهودي..). والجيتو لم يبدأ فقط في تاريخ الشتات اليهودي عندما أنشأ في البندقية عام 1516, ولا حتى عندما أصدر البابا بول الرابع قراره بعزل اليهود في جيتو في روما عام ,1555 وإنما كان قبل ذلك بكثير, لقد كان قائماً في التوراة ومن بعدها التلمود, وها هو إسرائيل ابراهامز يقول: (قبل أن تصبح السكنى في مكان محدد أوفي الجيتو أمراً إجبارياً, كان اليهود أينما وجدوا يتجمعون في أماكن منعزلة بالمدن التي كانوا يعيشون فيها). إنه الجيتو الاختياري المؤسس على التوراة ومفاهيمها عن تفرد الشعب اليهودي وقدسيته, ودوره كجماعة مؤمنين, والموقف من الأغيار المحتقرين من قبلهم ظاهرة تاريخية لازمت الوجود اليهودي منذ نشأته, كما لازمته ظاهرة الشتات. ولما كان الدين اليهودي, قد ظل لفترة طويلة منذ القرن الثاني (ق.م) وحتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي هو العامل الرئيسي في توجيه الحياة اليهودية, فقد ظلت المفاهيم التوراتية والتلمودية هي المشكلة والصانعة لطريقة التفكير (الجيوتية) والتي ترى في أتباعها المقدس في ذاته, وترى في الأغيار المدنس في ذاته. وهكذا كانت عبارات مثل شعب الله المختار, والأرض الموعودة من الله, الشعب المقدس, أمة الروح, البقية الصالحة, أحجاراً في أبنية العزلة, وأسلاكاً في أسوار مرتفعة جداً بينهم وبين المجتمع, أي مجتمع. وكانت آيات التوراة أساساً في معيار الكراهية تجاه الأغيار (الجوييم), وبيئة مناسبة للجيتو الاختياري والإجباري بعد ذلك سواء في أوروبا الشرقية أو حتى في الدولة الإسرائيلية, وقد جاء في التوراة ما عزز ذلك حيث جاء في (سفر العدد 33:,55 66) (إن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في عيونكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم). وفي (سفر التثنية 7:,1 2) (متى أتى الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها وطرد أصحابها من أمامك وضربتهم فإنك تحرقهم (تبيدهم). لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم). وفي (أشعيا 34:1 ــ 3) (اقتربوا أيها الأمم لتسمعوا وأيها الشعوب أصغوا, لتسمع الأرض وملؤها المسكونة وكل نتائجها لأن الرب سخطاً على كل الأمم وحملوا على كل جيشهم. قد حرمهم دفعهم إلى الذبح. فقتلاهم تطرح وجيفهم تصعد نتانتها وتسيل الجبال بدمائهم). إذن نحن أمام تعليمات مقدسة من الله ضد الأغيار, ذكرتها التوراة, أوزيفتها لا فرق. المهم أنها فعلت فعلها في تشكيل الثقافة السائدة لدى اليهود على مر العصور, وها هو هرتزل في يومياته في أواخر القرن التاسع عشر يكتب ما نصه: (عندما نحتل فلسطين.. يجب أن نستخلص ملكية الأرض.. سنحاول أن نشجع الفقراء من السكان على النزوح إلى البلدان المجاورة.. إذا وصلنا إلى منطقة فيها حيوانات مثل الأفاعي الكبيرة نستخدم أهل البلاد ليقضوا على مثل هذه الحيوانات.. يجب أن يكون العمال على السكك الحديدية والطرق في مناطق الأوبئة من أهالي البلاد وكذلك عند تجفيف المستنقعات.. وإلا كثرت نسبة الموت بيننا.. يمكن استخدام العرب للعمل في المناطق الموبوءة). ويقولون في التلمود, وهو الكتاب الثاني لديهم في مرتبة التقديس (من العدل أن يقتل اليهودي بيده غير اليهودي, لأن من سفك دم الكافر, يقرب قرباناً إلى الله). أما ما قاله (موسى هس) 1812 ــ 1875 وبالذات في عام 1862 وعبر مؤلفه (إحياء إسرائيل): (إننا سنظل دائماً غرباء بين الشعوب, سوف تمنحنا بعض الحقوق بدافع من الشعور بالإنسانية والعدالة.. ولكنها لن تحرمنا مطلقاً.. ما دمنا قد وضعنا ذكرياتنا العظيمة في الصف الثاني). ومما دعم الحاجة إلى الجيتو الاختياري والإجباري مجموعة الشعائر اليهودية الخاصة مثل قوانين الطعام وتحريم الزواج المختلط, وعدم شرب الخمر المصنوعة من الأغيار, والختان, والنصاب اللازم لصلاة الجماعة, وعادات الدفن والمدافن وشعائر السبت, وكلها شعائر لازمت اليهود منذ وجودهم وفرضت عليهم نزوعاً للعزلة وعدم الاختلاط, حتى لا يتعرضون للدنس من الأغيار (الجوييم). وهكذا تشكلت نفسية العزلة وفي نفس الوقت كبرياء القداسة والسمو, وعن ذلك يقول الأديب الصهيوني (يوسف جيم بريبر) (1881 ــ 1921): (يجمع كتاب تاريخنا عن أن أجدادنا يهود الجيتو القديم, كانوا يحسون بنوع من الكبرياء والسمو بالنسبة للجوي (حتى عندما يقبلون يديه ويركعون أمامه) ويتساءل (من أين أتى هذا الاحتقار من جانب اليهود للأغيار والشعور بالسمو عليهم). ومن هنا يرى د. فرج أحمد في معرض تحليله للشخصية اليهودية (إن رفض العقيدة اليهودية الاعتراف بندية الآخرين هو أساس منشأ ذلك التكوين الذي لا يمكن إلا أن يكون وعياً ممزقاً شقياً, وعياً يحمل في ثناياه بذور ذلك الشعور المرضي بالعظمة والاضطهاد). إذن فكرة الأغيار فكرة حاكمة لليهودي, واختيارية الله لشعب اليهود هي فكرة حاكمة أيضاً, لذا كان من الطبيعي أن يخلق اليهود لهم حارة وسط مجتمعات الأغيار. أما الجيتو الإجباري أو القسري فيعود تاريخه إلى جيتو البندقية (عام 1516), وأصل الكلمة غير معروف بدقة, لكن المهم أن كافة المعاني الدالة عليه تعني المكان المعزول أو المنفصل, حيث يقال حي اليهود في البندقية نسبة إلى (فلجيتو) أو(مصنع المدافع) الذي أقيم بجوار الحي, ويقال أيضاً حسب موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية صفحة 288 الجزء 4 ان الكلمة مشتقة من الكلمة الألمانية (جهكتر أورت) التي تعني (المكان المحاط بالأسوار) أوهي من الكلمة العبرية (جت) بمعنى (الانفصال) أو(الطلاق) حسب التلمود, وأخيراً ربما اشتقت من الكلمة الإيطالية (بورجيتو) بمعنى (القسم الصغير من المدينة). وقد اختار اليهود الذين آثروا العزلة, أسماء حاراتهم في أوروبا وأمريكا وبلاد العرب وكافة البلدان المتواجدين فيها, ففي ألمانيا (شارع اليهود) وفي البرتغال جوديا, وفي أسبانيا باسم جودريا, وفي فرنسا جويفري, وفي إيطاليا جيدكا وفي المغرب العربي باسم الملة, وفي اليمن باسم القاع قاع, وفي تركيا باسم يهودي محلي, وكلها تعني اليهود باعتبارهم كتلة اجتماعية متجانسة. أما في بلاد شرق أوروبا فكان هناك (الشتتل) وهو تجمع سكاني يهودي يراوح عدد البشر فيه من ألف إلى 20 ألفاً, وهو أحد أشكال الوجود الجيتوي, وقد ارتبط (الشتتل) بالإقطاع الاستيطاني في بولندا, وتدور الحياة فيه حول المعبد والسوق والمدفن. أما بنية الجيتو الذي ساد بعد قرار البابا بتشكيل جيتو البندقية, فهو مكان محاط بالأسوار العالية داخل أوخارج المدينة, يغلق في المساء عبر بوابة أوأكثر, ينظم علاقته بالمجتمع الخارجي بالميثاق أو العهد الممنوح لهم من الأباطرة والملوك, حيث ينص ذلك العهد على الحقوق والواجبات من نوعية العمل ومقدار الضرائب وتصديق الدولة على الحياة الداخلية المنظمة من قبل جماعة الجيتو, أما العلاقة اليهودية اليهودية فتنظم بواسطة التلمود وقانون تحريم الاستيطان (أي عدم السماح بسكنى يهود من جيتو آخر). ويدار الجيتو من قبل هيئة إدارية تصل إلى 12 عضواً منتخبة أو معينة حسب ظروف وطبيعة السكان وتلك الهيئة الإدارية في جيتو الأشكناز تطلق عليها (القهال), وفي جيتو السفارد يطلق عليها (الماها ماد) وتقوم تلك الهيئة بتطبيق نصوص التلمود, والنظر في المنازعات اليهودية اليهودية مستندة في تلك الأحكام على التلمود. ومن أهم الوظائف داخل الجيتو الذابح الشرعي (الشوحيط) والمختن (الموهيل) والمرتل (حزان) وحارس المعبد والمنفذ لأحكام القضاء الشرعي (الشماس) والواعظ الجوال (مجيد) والخاطبة (الشادخان). وتتعدد الأعمال داخل الجيتو من أعمال تخص اليهود أنفسهم مثل الحاخامات المدرسية وحراس المعابد والمختنين, بالإضافة إلى الجزارين وصانعي الشموع وتجار الكتب وناسجي شال الصلاة وأعمال الخدمات الداخلية في الجيتو مثل أعمال النظافة والصحة وهؤلاء يمثلون 10% من مجموع عمالة الجيتو, كما كان يوجد في بعض الجيتوات مدارس أولية خيرية ومدارس تلمودية عليا, ومنزل للفقراء والعجزة ومقبرة لدفن الموتى وكل ذلك كان تابعاً لمباشرة القهال (الهيئة الإدارية). بعد تلك الفترة التي استمرت من 1516 (جيتو البندقية) إلى 1750 حتى 1880 فترة التنوير اليهودية أو(الهسكالاه) والتي كانت بدايتها في ألمانيا, ويعتبر (موسى مندلسون) الرائد الروحي لحركة الهسكالاه, حيث قدم وجهة نظر جديدة في الفكر اليهودي, ونادى بالخروج من عقلية الجيتو وطالب اليهود بالاندماج الكامل في المجتمعات التي يعيشون فيها, وكان دعاة التنوير اليهودي يرون إمكانية حدوث ذلك إذا ما تمكن اليهود من فصل الدين اليهودي عن القومية اليهودية مع اكتساب مقومات الحضارة الغربية العلمانية, وقد استطاعت تلك الحركة التنويرية بتقديم نقد واسع لبعض المفاهيم الدينية مثل فكرة المسيح المخلص والمنتظر (الماشيح) وحولوا فكرة جبل صهيوني إلى مفهوم روحي ورمز للمدينة الفاضلة المثالية. كما يقول د. رشاد الشامي في كتابه (الشخصية اليهودية الإسرائيلية والروح العدوانية). وبالرغم من نجاح حركة الاستنارة اليهودية في غرب أوروبا إلا أنها جوبهت بمقاومة عنيفة في شرق أوروبا بسبب ظهور القوميات في أوروبا وسرعة تطور الرأسمالية المحلية, الأمر الذي لم يتح التكيف لليهود المرتبطين بأشكال إنتاجية إقطاعية, هذا بالإضافة إلى وجود طوائف يهودية أكثر تخلفاً من طوائف أوروبا الغربية مثل (الحسيدسة) و(الربانيم). وقد أدت آراء (موسى مندلسون) إلى انقسام اليهود, حيث خشي كثير من اليهود من فكرة الاندماج والمساواة في الحقوق, وقد عبر عن ذلك ناحوم جولدمان بعد ذلك عام 1963 قائلاً: (إن الاندماج هو الخطر الكبير الذي يهددنا اللحظة التي خرجنا فيها من الجيتو ومن المعتقلات). وفشلت حركة التنوير وظهرت على المسرح, الصهيونية التي وظفت عقلية الجيتو في صناعة أيديولوجيا صهيونية بدعوى حشد اليهود من أجل الأرض الموعودة لشعب الله المقدس, مما رتب تجميع اليهود بهدف خلق قومية يهودية لها أرضها الخاصة بها مستندة في ذلك على ما هو موجب في شخصية اليهودي من طهر ونقاء وسمو وقداسة (لأنك شعب مقدس للرب إلهك, وقد اختارك الرب لتكون له شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب التي على وجه الأرض) (التثنية 14:2). هكذا كانت الصهيونية توظيفاً للموروث الديني المنغلق ولعقلية الجيتو الشقية ولوعي الجيتو المزدوج من كراهية للأغيار وقداسة وطهارة على الجانب الآخر في داخل الجيتو, نحن إذن أمام أيديولوجيا الجيتو التي عملت على توسيع مساحة الحارة إلى مساحة وطن تم سلبه بالتآمر مع الاستعمار الإنجليزي ومن بعده الأمريكي وبنفس المفاهيم العرقية ويهودية الوطن والعمل على التطهير والترحيل القسري للأغيار من العرب الفلسطينيين حتى تكون إسرائيل دولة يهودية نقية, لذا ليس غريباً أن يعلن أوري افنيري, داعية اليسار والسلام في مجلة هاعولام هازيه بتاريخ 11 يونيو 1980 (إن الإحساس بالعزلة أمر مرغوب ومطلوب), أما شموئيل شنيتسر في جريدة معاريف بتاريخ 23 يناير , 1981 فيعلن بكل وضوح عن جيوتية إسرائيل قائلاً: (إذا كان هناك مكان واحد في العالم, الانصهار فيه ملجوم, والزواج المختلط نادراً فهو هنا في إسرائيل, وإذا كان هناك من نجاح نستطيع أن ننسبه لأنفسنا فهو هذا النجاح). إن كل الشواهد المعاشة على أرض الواقع في الكيان الإسرائيلي الصهيوني ( الجيتو الكبير) وبعد أن صعدت عقلية ونفسية الجيتو إلى مرتبة الأيديولوجيا الرسمية, فيكفي أن نذكر الرسالة التي وقعها مائتان من المثقفين اليهود في إسرائيل وقاموا بتوجيهها إلى الحكومة يستنكرون فيها اتجاه الحكومة لضم الأراضي العربية التي احتلت في ,1967 ليس احتجاجاً على خطورة هذا الضم على الطبيعة الإنسانية لهم, لما ينطوي عليه هذا الضم من اختلال وقهر واستعباد وتشريد وإنما لخطورة الضم على الطابع اليهودي للدولة. وفي عام 1931 كتب الدكتور آرثر روبين أحد القيادات المؤسسة لجماعة بريت شالوم (أن بريت شالوم ترغب في أن تنشأ هنا في أرض إسرائيل دولة يسكنها معاً الشعبان المقيمان في هذه البلاد في ظل المساواة التامة في الحقوق.. وتطمح جماعة بريت شالوم في أن توجد هنا في فلسطين مجتمعاً يهودياً متكاملاً يحوي في داخله أكبر عدد من اليهود دونما اعتبار لأغلبية في مواجهة السكان الآخرين لهذا البلد من عدمه). ومن المهم هنا رصد تعبير (أرض إسرائيل) وتعبير (مجتمعاً يهودياً) فهما تعبيران كاشفان لعقلية الاستيطان والجيتو حيث النقاء والسمة, مع السماح بإعطاء حقوق متساوية للفلسطينيين على أرض اسرائيل ورغم ذلك يتراجع آرثر روبين عام 1931 قائلاً: (إن ما نستطيع الحصول عليه من العرب في هذه اللحظة غير ذي فائدة بالنسبة إلينا وما نحتاج إليه لا نستطيع الحصول عليه منهم.. إن ما يمكن أن يتنازل عنه العرب لنا حتى اليوم يمكن أن يكون في أفضل الأحوال ضمان الحقوق لليهود في دولة عربية على نمط الحقوق الوطنية في أوروبا وأي حركة صهيونية لا يمكن أن تقبل بهذا الحل الوسط). والحقوق الوطنية التي يرفضها آرثر روبين, والحركة الصهيونية هي نفسها المعروضة من قبله على الفلسطينيين في الفقرة السابقة!! ويقرر (كاتر نيلسون) زعيم الحركة العمالية الصهيونية في حديث له عام 1941 (يتعذر خداع التاريخ والاحتيال عليه, أن أي تفاهم دائم بين اليهود والعرب لن يتم التوصل إليه إلا على أساس التحقيق التام والكامل للصهيونية.. لابد أن يعترف العرب بفلسطين كدولة يهودية.. لابد من تحقيق البرنامج الصهيوني بكامله). أما (أبا ايبان) فيعلن بوضوح هو الآخر في كتابه (صوت إسرائيل) (إن ما نطمح إليه هو أن تكون العلاقة بيننا وبين جيراننا ليست مثل علاقة سوريا بلبنان, بل مثل علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بأمريكا اللاتينية). وفي جزء آخر يقول (إن هدفنا لا يجب أن يكون الاندماج مع الدول المجاورة, بل على العكس يجب أن نتحاشى مثل هذا الاندماج, ذلك لأن وطن اليهود في رأي الصهيونية يجب أن يخلو نهائياً من العرب). أليست تلك هي عقلية الجيتو بعد أن صعدت إلى مرتبة الأيديولوجيا الصهيونية. بعد قيام دولة إسرائيل (1948) تزايد القلق من جراء استخدام العمال الفلسطينيين العاملين في إسرائيل, وقد عبر عن ذلك وزير العمل يوسف الموجي بقوله (حان الوقت للحيلولة دون تزايد نسبة العرب العاملين في إسرائيل. إن هذه النسبة المرتفعة تعتبر لغماً موقوتاً يشكل خطراً على مجتمعنا) معاريف 22 سبتمبر 1972 وهو يرى (أن الضمان الوحيد لوجود الدولة اليهودية مرتبط بتنفيذ العمل في البلاد بأيد يهودية) عال همشمار 15 يناير 1972 وفي 19 أكتوبر 1972 وعبر جيروسالم بوست عبر وزير العمل يوسف الموجي عن (قلقه من أن يؤدي ضم عدد أكبر من العمال العرب إلى الاقتصاد الإسرائيلي, ذات يوم, إلى تغيير الطابع اليهودي للدولة) وعن ذلك قال وزير الزراعة (حاييم جيفاتي) في معاريف 22 سبتمبر 1972 (هذه دودة تقضمنا, وقد نصل إلى وضع لا نستطيع إصلاحه). وفي 29 سبتمبر 1972 أعرب جيفاتي عن مخاوف مبدئية وأيديولوجية بقوله (إن خطر العمل العربي لا يؤثر في الاقتصاد فقط, وإنما يؤثر أيضاً في شبكة العلاقات الاجتماعية بالذات في إسرائيل). أما المؤرخ الإسرائيلي البروفيسور يعقوب تالمون, وعبر جريدة (هآرتس 30 نوفمبر 1973) فقد صرح قائلاً (حرصاً على نقاء الدولة اليهودية ونفوراً من تزوير صورة الصهيونية, لا يجب تحويل شعب غريب إلى حطابين وسقاة ماء عند شعب من الأسياد). لذا فإن العدد الكبير للفلسطينيين (مليون ونصف بعد 1967) يشكل حسب رأي يشعياهو ليبوفيتش (تهديداً لنقاء يهودية الدولة الإسرائيلية وثقافتها, حيث أن ضم مليون ونصف عربي إلى الحكم اليهودي معناه تقويض الهوية الإنسانية واليهودية للدولة, وهدم البناء الاجتماعي الذي أقمناه فيها. وفصل الدولة عن الشعب اليهودي في العالم وعن استمرارية التاريخ والتقليد اليهوديين, ودمار الشعب اليهودي وإفساد الإنسان في إسرائيل). ولم تكن التصريحات والأقوال سوى تعبير عن شهوة الحفاظ على نقاء المجتمع اليهودي, أي الجيتو ــ الدولة من قبل قيادات وشرائح متعددة داخل التجمع الصهيوني تراوحت من اليمين إلى اليسار وفي القلب منه معسكر السلام فجماعة ايحود (الاتحاد) والتي تشكلت في عام 1942 من مائة مثقف, وتكونت أول لجنة تنفيذية لها من (مارتن بوبر) و(جوداه ماجنسي) و(موشى سميلانسكي) وآخرين لم تكن تلك الحركة مناهضة للصهيونية, وقد أوضح (جوداه ماجنسي) عن ذلك عندما قال (لقد قيل إن هذا التنظيم معارض للصهيونية, وهذا ليس صحيحاً). وقد أيدت ايحود الهجرة اليهودية بشكل واسع إلى فلسطين بشرط أن تراعي القدرة الاقتصادية الاستيعابية للبلاد, وعلى أن تتم في إطار تعاون تام مع العرب, وأصبحت (ايحود) تؤيد الهجرة غير الشرعية. أما هاشومير هاتسعير (الحارس) والتي يرجع تاريخها لعام ,1912 والتي تحولت إلى حزب سياسي تبنى نهج الثنائية القومية في ,1946 فهي كانت ترى حقاً مشروعاً لليهود في فلسطين, وناضلت من أجل هجرة مفتوحة إلى فلسطين, وتورطت في فظائع حرب 1948 ضد العرب الفلسطينيين, وقد كشف منشور دوري للماباي عن ذلك, حيث جاء فيه (في الواقع كانت كيبوتزات هاشومير هاتسعير تشارك في الاستيلاء على الممتلكات العربية وفي حصد الحقول العربية وفوق ذلك, فإن كيبوتز مشماد هايمك التابع لحركة هاشومير هاتسعير, كان أول كيبوتز يطالب بتدمير القرى العربية المحيطة به). أما حركة السلام الآن فيعبر عنها (ياكوف نالون) في خطاب مفتوح لبيجن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك قال فيه: (حقوق العرب مسألة لا تخصني.. لكن اهتمامي يتركز في إسرائيل وأمنها). وقد عبر عنها (عاموس عوز) قائلاً في حديث له الجريدة هيرالد تريبيون بتاريخ 3 فبراير 1995: (إن الحركة الوطنية الفلسطينية واحدة من أكثر الحركات التي شهدها هذا القرن شراً وتعصباً). وقد أدلت شولاميت آلوني (من قيادات حركة السلام الآن وزعيمة ميرتس السابقة) بدلوها في تلك القضية قائلة: (لست أشعر بخيبة الأمل تجاه قادة منظمة التحرير الفلسطينية. فأنا لم يسبق لي أن دخلت في قصة حب معهم.. إن ما يهمني هو دولة إسرائيل تفوقها أمنها طابعها ولأجلها يتوجب على التحدث مع أي عدو. وحتى نصبح شعباً حراً على أرضنا, علينا أن ننفض قيود الاحتلال, ولهذا يجب أن نجري مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية ليس لأنهم أناس ظرفاء, وهو ما ليس فيهم, وليس لأنني أؤمن بهم, وهو ما لا أشعر به). وفي يناير 1988 تشكلت جماعة (سيدات في حداد) وقاموا بتأسيس ثلاثين فرعاً حتى عام 1990 وأعربوا عن احتجاجهم على سياسة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي المحتلة, لكن هذه الحركة انتهت بعد حرب الخليج الثانية وإطلاق العراق صواريخها على إسرائيل, عندها آمنت تلك الجماعة بأن الشعب الفلسطيني (لا يستحق سوى الاحتلال بعدما شجع صدام على فعلته!!) عندما قدم (إسرائيل شاحاك) التعريف الإسرائيلي لمصطلح اليهودي في كتاب (الديانة اليهودية وتأثير اليهود وطأة 3000 عام) والصادر عام ,1996 قال: (يظهر الفارق الأساسي بين إسرائيل كدولة يهودية, وبين أكثرية الدول الأخرى. فإسرائيل بحسب هذا التعريف هي (ملك) لأشخاص تعرفهم السلطات الإسرائيلية كيهود بصرف النظر عن المكان الذي يعيشون فيه, وتعود إليهم وحدهم. أما من ناحية أخرى, فهي لا تعود لمواطنيها من غير اليهود الذين تعتبر مكانتهم لديها مكانة دونية, حتى على الصعيد الرسمي. وهذا يعني علمياً بأن أفراد قبيلة من قبائل البيرو, إذا اعتنقوا الديانة اليهودية واعتبروا بالتالي من اليهود, يحق لهم أن يصبحوا مواطنين إسرائيليين على الفور, وأن يستفيدوا من حوالي 70% من أراضي الضفة الغربية, ومن 92% من مساحة إسرائيل الأصلية المكرسة رسمياً لصالح اليهود فحسب. أما الأغيار كافة (وليس الفلسطينيون وحدهم) فإنهم يمنعون من الاستفادة من هذه الأراضي (وينطبق هذا المنع حتى على الإسرائيليين العرب الذين خدموا في الجيش الإسرائيلي وبلغوا رتباً عالية فيه). وهكذا شكلت ثقافة الجيتو من التوراة إلى الدولة أنماطاً من التفكير الانغلاقي وتمجيد القسوة الإسبرطية كمثل أعلى وكراهية حتى الموت للأغيار, وصور نمطية للعرب عند الإسرائيليين ومفاهيم وظيفية براجماتية للسلام, والنظر للسلام من منظور فرض الأمر الواقع بالقوة, والنزوع للعنف المقدس حسبما جاء في التوراة وقد شملت تلك الثقافة كل أفراد التجمع الصهيوني, حيث تضافرت وتفاعلت عوامل عدة كان من بينها التوراة والصهيونية والعنصرية والجيتو وعناصر أخرى كثيرة, وقد كان الاستيطان الصهيوني نموذجاً مجسداً للجيتو وعقليته عندما شرعت الحركة الصهيونية في احتلال فلسطين.