العراق وأضعف الإيمان، بقلم: أحمد عمرابي

هل يأتي أبداً يوم نرى فيه مجموعة الدول العربية ترفع إلى مجلس الأمن الدولي مشروع قرار يقضي بإدانة الولايات المتحدة؟ مع أن تحركاً كهذا يعتبر أضعف الإيمان بمقاييس التعامل الدولي إلا أنه يمكن أن يصنف دون مبالغة تحت بند (رابع المستحيلات). ولأن الولايات المتحدة هي أول من يدرك هذه الحقيقة دائمة الثبات فإنها لا تتردد عن إلحاق إهانة تلو أخرى إلى العالم العربي. وما ينطبق على أمريكا ينسحب على إسرائيل. هذا هو المنظور العريض الذي يجب أن نتفحص من خلاله الضربة الجوية التي سددتها الولايات المتحدة قبل أيام قلائل إلى العراق. إنها ضربة بلا أي مبرر مشروع على الإطلاق سوى الاستسهال الأمريكي لممارسة الإساءة إلى كرامة العرب, حكومات وشعوباً. والذريعة الرسمية التي طلعت بها واشنطن على العالم هي من فراغ المحتوى واللامنطق بحيث أنها تضاعف من حجم الإساءة إلى الأمة العربية. لقد ورد في البيانات الرسمية الأمريكية أن عملية القصف التي طالت أهدافاً عسكرية قرب بغداد نفذت من أجل (منطقة الحظر الجوي). وفي التفسير تقول الإدارة الأمريكية إنها لاحظت مؤخراً أن العراق قد طوّر وسائل دفاعه الجوي مما بات يشكل (تهديداً متزايداً) للطائرات الحربية الأمريكية التي تحوم في (منطقة الحظر الجوي). هذا الاستخفاف بعقول الأنظمة العربية قبل شعوبها يكشف بنفسه عن نفسه. فالسؤال الأساسي الذي يحرص المسئولون الأمريكيون على إخفائه هو: من يهدد من؟ بكلمات أخرى: لماذا تحلق الطائرات الأمريكية (ومعها طائرات بريطانية) أصلاً في أجواء دولة العراق المستقلة؟ ولإدراك حكمة هذا السؤال علينا أن نطرح سؤالاً أسبق عنه: ما هي (منطقة الحظر الجوي؟). هي في الحقيقة مساحتان جويتان تغطي إحداهما شمال العراق والثانية جنوبه. والولايات المتحدة تتعامل مع هاتين المساحتين الجويتين وكأنهما خاضعتان للسيادة الأمريكية... علماً بأن المنطقتين الجويتين لم تحددا بقرار دولي وإنما بقرار أمريكي أحادي. وهكذا وعلى مدى أكثر من عامين تمارس الطائرات الأمريكية طلعات غير مشروعة في الأجواء العراقية خارقة القانون الدولي ومتجاهلة الأمم المتحدة تماماً. وسواء ردت وسائل الدفاع الجوي العراقية على تحليق الطائرات الأمريكية أم لم ترد, فإن هذا الوجود الجوي الأمريكي فوق العراق هو أصلاً وأساساً غير مشروع وغير قانوني. والسؤال الثاني: لماذا تسكت غالبية الحكومات العربية على هذا التجاوز الأمريكي الفاضح؟ لقد شاركت حكومات عربية في قوات (التحالف الدولي) الذي قادته الولايات المتحدة عام 1991 لتحرير الكويت بإجبار القوات العراقية على الانسحاب من هناك. ورغم التجاوزات التي رافقت هذه الحملة العسكرية الكبيرة إلا أن مشاركة الأطراف العربية فيها كانت مبررة قانونياً وشرعياً لاستنادها إلى قرارات صادرة عن مجلس الأمن الدولي. وإذا كانت الدول العربية قد دعمت العملية العسكرية الأمريكية ضد العراق على أساس نُصرة الشرعية الدولية... فما هو مبرر سكوتها على (منطقة الحظر الجوي)... وهي بدعة أمريكية صرفة بلا أي سند شرعي من المنظمة الدولية؟ بكلمات أخرى: ما جرى ويجري للعراق باسم (حماية منطقة الحظر الجوي) هو عدوان عسكري صريح بلا أي مبرر أو مسوغ على دولة عضو في الجامعة العربية. وإذا كانت غالبية الدول العربية الأخرى عاجزة عن تفعيل (معاهدة الدفاع المشترك) التي تنطبق الآن على الحالة العراقية ــ ولا أدري لماذا تكون عاجزة ــ فإن أضعف درجات الإيمان يدعوها على أقل تقدير إلى إثارة المسألة على صعيد مجلس الأمن الدولي. وبإيجاز... فإن التحرش الأمريكي غير المشروع ضد العراق إهانة للعرب أجمعين قبل أن يكون عدواناً على دولة عربية واحدة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات