تعيش واشنطن دراما غير مألوفة, فبينما يحاول رئيس جديد أن يتلمس موطىء أقدامه, ويقدم جدول أعماله للشعب الأمريكي, يطل رئيس سابق في بؤرة الضوء, مهاجماً خصومه السابقين بلا هوادة. وقد تكلل الشهر الأول الذي أمضاه الرئيس جورج دبليو بوش في منصبه بالنجاح بكل المعايير, ووافق مجلس الشيوخ على أعضاء إدارته, وأرضى القاعدة المحافظة التي يستند إليها, وذلك بتعيين أفراد اجتازوا الاختبارات العسيرة التي فرضت عليهم, كما أصدر كذلك عدة أوامر تنفيذية أدخلت السرور على نفوذ المحافظين, بينما تحرك نحو تأجيل تنفيذ بعض الأوامر التنفيذية التي أصدرها الرئيس كلينتون في اللحظات الأخيرة من أيام إدارته والتي أثارت استياء الجمهوريين. في الوقت نفسه انهمك بوش فيما أشارت إليه أجهزة الإعلام على أنه (هجوم يعتمد الجاذبية سلاحاً له), ففي الأسبوع الأول لتوليه منصبه دعا ما يزيد على 90 عضواً في الكونجرس لزيارته في البيت الأبيض, ثلثهم من القيادات الديمقراطية. وخرج الجمهوريون من هذه الاجتماعات وهم على يقين من أن بوش سيلتزم بتحقيق الوعود التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية. و ذكر الديمقراطيون الذين فوجئوا بالدعوات الكريمة من الرئيس الأمريكي أنهم قد تأثروا باستعداده للإصغاء إلى ما أعربوا عنه من مخاوف واهتمامات. وبعد أن انتهى بوش من هذه الخطوة الاستهلاكية انطلق في برنامج طموح لتقديم جدول أعماله للرأي العام الأوسع نطاقاً. ومن خلال العمل عبر جدول زمني على غرار برامج الحملة الانتخابية, سعى لتركيز جهود كل أسبوع على مجموعة مختلفة من القضايا. وقد تركز الأسبوع الأول على برنامجه للتعليم, بما في ذلك زيارات قام بها للمدارس ومناقشات أجراها مع رجال التعليم. وخلال الأسبوع الثاني استغل مجموعة من المناسبات للفت الانتباه الى مقترحاته الخاصة بخفض الضرائب بمعدل 1.6 تريليون خلال السنوات العشر المقبلة. وخلال الأسبوع الماضي ركز بوش على قضايا الأمن القومي, وقام بزيارات لقواعد عسكرية ولوزارة الخارجية. وخلال هذا الأسبوع دعا الرئيس الأمريكي إلى زيادات في الأجور وفي المزايا التي يتمتع بها العاملون في المؤسسة العسكرية الأمريكية وإلى مراجعة شاملة للاستراتيجية والالتزامات العسكرية الأمريكية (برزت مفارقة صارخة للمنهاج الذي درج عليه الرؤساء الأمريكيون والمتعلق بالانضباط في (السيطرة على عملية توحيد الرسائل) وذلك عندما أثار بوش حيرة مضيفه الرئيس المكسيكي فنسنت فوكس بإلقاء الظلال على اجتماعهما من خلال القصف المفاجىء للعراق, وقد شكل هذا القصف إهانة للمكسيكيين الذين كانوا يعلقون الآمال على أن هذه الزيارة ستركز الانتباه على العلاقات الأمريكية ــ المكسيكيةـ. ورد الديمقراطيون الذين اجتذبتهم تحركات بوش وإن لم يكن هذا الاجتذاب كلياً وشاملاً, بخطوات مضادة. وقد كللوا بدورهم بالنجاح إلى حد ما, فعلى سبيل المثال بينما لم ينجحوا في الحيلولة دون انضمام أي من مرشحي بوش الجدد إلى عضوية إدارته, فإن الأسئلة الجارحة التي أمطروا بها المدعي العام الجديد وأصواتهم التي بلغت 42 صوتاً التي عارضوا بها تعيينه في منصبه لم تبعث برسالة من المؤكد أن البيت الأبيض سيتلقاها. وبالمثل فإن المعارضة من جانب الديمقراطيين للوعد الذي قطعه بوش خلال حملته الانتخابية باستخدام الأرصدة الحكومية الفيدرالية لدعم برنامج المدارس المثير للجدل تعد سبباً محتملاً لقيام الرئيس الأمريكي بحذف هذا الاقتراح من جدول أعمال التعليم الذي يبعث به إلى الكونجرس. غير أن النقاش الأكثر احتداماً دار حول موضوع الضرائب وما يتعين القيام به حيال الفائض الحكومي الفيدرالي, الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه سيكون في حدود 5.3 تريليونات في السنوات العشر التالية. وبينما يقترح الرئيس الأمريكي الجديد إعادة ثلث هذا الفائض المتوقع إلى دافعي الضرائب, في صورة خفض للضرائب, فإن الديمقراطيين وعدداً من المحافظين المعتدلين يعربون عن شعورهم بأن من قبيل الإغراق في المخاطرة دفع 1.6 تريليون دولار في إطار خطة خفض الضرائب. وهم يردون بالقول إنه من الأكثر اتساماً بالحكمة القيام باستخدام الفائض حيثما وجد لتسديد الدين القومي (المقدر حالياً بما يزيد على تريليوني دولار) وهم يشيرون إلى أن مئات المليارات التي تضطر الحكومة حالياً إلى دفعها في صورة فائدة سنوية على هذا الدين تعد ثاني أكثر بند في الميزانية السنوية, وهم يقترحون أىضاً استخدام باقي الفائض المتوقع, لدى تحققه, لتغطية الالتزامات الفيدرالية التي تمس إليها الحاجة (في صورة المزايا المتعلقة بالضمان الاجتماعي والرعاية الصحية) وبعد ذلك يمكن الالتفات إلى الخفض الضريبي. وفي ضوء التقديرات الراهنة, فإن الديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين يقترحون خفضاً ضريبياً في حدود 800 مليار دولار, باعتبار أن هذا الرقم هو كل ما يمكن أن يؤيدوه. هذا, بالطبع, ليس من شأنه أن يكون هزيمة لبوش. ولو أن الكونجرس أعطاه 800 مليار دولار (فقط) في صورة خفض ضريبي فإن هذا من شأنه أن يبلغ مثلي الخفض الضريبي الذي اقترحه الديمقراطيون في انتخابات عام 2000 وأن يبلغ تقريباً المبلغ المندرج في الخطة المبدئية التي اقترحها الجمهوريون في تلك الانتخابات. وهكذا, في نهاية المطاف, فإن بوش يبدو في طريقه إلى بداية مرنة إلى حد كبير, وبعيدة عن أي اعتراضات أو عراقيل بصورة نسبية, باستثناء أمر واحد, هو أن الرئيس يغيب عن عناوين الصحف وصدر نشرات الأخبار, ذلك أنه بينما يحاول تحديد ملامح رئاسته وخطوط جدول أعماله فإن قدراً أكثر مما ينبغي من انتباه إعلام الأمة ينصب على الجهود التي يقوم بها بعض أعضاء الكونجرس (والذين انضم إليها النائب العام في مدينة نيويورك) للتحقيق أو الشكوى فيما يتعلق بعدد القرارات التي اتخذها الرئيس السابق بيل كلينتون في الأسابيع التي سبقت تركه لمنصبه. لقد مضت أجهزة الإعلام في مسيرة لا تعرف التوقف, وانتقدت بشدة (وداع) كلينتون ثم حاولت إثارة ضجة حول (الهدايا) التي حملها هو وزوجته من البيت الأبيض باعتبارها من ممتلكاتهما. وعقب ذلك ثارت ضجة عندما تبين أن كلينتون بسعيه إلى استئجار مكتب في مدينة نيويورك من شأنه أن يكبد دافعي الضرائب 750 ألف دولار سنوياً. وأخيراً انصب الاهتمام على أوامر العفو موضع التساؤل التي أصدرها كلينتون في نهاية مدة رئاسته. وقد أفلح كلينتون, حتى الآن, في معالجة معظم هذه القضايا, حيث تم إلى حد كبير حل قضية الهدايا, وتبين أنها (ضجة بلا طائل). وتم الرد على الاقتراح البعيد عن الحكمة إلى حد كبير والمتعلق باستئجار مكتب في مانهاتن بجهد مفاجىء للانتقال إلى مكتب أقل تكلفة في حي هارلم الذي تسكنه أغلبية من الأمريكيين الأفارقة. أما ما يظل يطارد الرئيس الأمريكي السابق فهو استخدامه لسلطته في العفو عن أي أشخاص أدينوا بارتكاب جرائم, حيث يمنح الدستور الأمريكي الرؤساء الأمريكيين سلطة مطلقة في منح مثل هذا العفو. وقد استخدم رؤساء أمريكيون آخرون حق العفو المتاح لهم على نحو أثار جدلاً في الماضي. وما حدث في الماضي كان موضعاً لبعض الخلاف, فعندما تم العفو عن الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون شعر الكثيرون بالارتياح ولكن آخرين استبد بهم الحنق. وبالمثل عندما عفا الرئيس الأسبق بوش عن المتهمين أو المدانين في فضيحة الكونترا أثار ذلك ضيق الكثيرين. ولكن كلينتون شخصية فريدة في التاريخ الأمريكي, والكراهية التي يشعر اليمين بها نحوه لا نظير لها, تماماً مثل اهماله أو حماقته في ارتكاب أشياء تثير ازدراء المنتمين إلى هذا اليمين. والتطورات موضع الشك التي أحاطت على الأقل أمراً واحداً من أوامر العفو التي أصدرها كلينتون وهو الأمر المتعلق بشخص هارب متهم بالتهرب الضريبي وبالاتجار مع إيران, هي مثال يضرب في هذا الشأن. ويعتقد البعض أنه, في نهاية المطاف, ستتم تبرئة كلينتون من القيام بأي عمل مخالف للقانون. ومع ذلك فإن مظهر ارتكاب هذه المخالفة كافياً لجلسة استماع في الكونجرس وإجراء تحقيق من قبل مدع عام أمريكي, واقتراح قيام الكونجرس بعزل كلينتون بالاضافة إلى دفق لا ينقطع من التغطية السلبية من جانب أجهزة الإعلام وثرثرة سياسية مقيتة في القنوات الفضائية التي يستمر بثها طوال 24 ساعة في اليوم. ويشير بعض المنتقدين إلى أن بوش هو المستفيد من كل هذا الاهتمام السلبي المنصب على كلينتون, ويقولون إنه يبدو واعداً ببداية جديدة, في مواجهة الجدال المستمر الذي يدور حول كلينتون. ويشير آخرون إلى أن ذلك هو على وجه الدقة السبب في أنهم يشكون في أن هذا الجدال يتم افتعاله في المقام الأول, أي تنحية كلينتون كمتحدث باسم الديمقراطيين عن طريق العمل على استمرار وجود سحابة سوداء فوق رأسه, وقد أكد سناتو ميتش ماكونل وجهة النظر هذه عندما أشار بقوله: (لقد كانت قضية العفو الرئاسي الذي أصدره كلينتون منحة من السماء لبوش, لأن من شأنها أن تجعله يبدو متأنقاً بالمقارنة بما فعله كلينتون). ومن جانبه كان بوش أكثر سماحة بكثير, فقد انتقد الإعلاميين, مشيراً إلى أنه (آن الأوان لمواصلة المسيرة... حان الوقت للتطلع إلى الأمام وهذا ما سأقوم به). غير أنه من غير المحتمل أن يمضي أي من أجهزة الإعلام أو الكونجرس قدماً, وهكذا فإن فترة الانتقال الممتدة للغاية والمضطربة على نحو متزايد سوف تتواصل, مع استمرار عكوف الرئيس الجديد على تحديد ملامح مسيرة بينما يواصل آخرون الدأب على مواصلة المطاردة غير المجدية للرئيس السابق. * رئيس المعهد الأمريكي العربي