الى اللقاء، بقلم: هاني جابر، افلاس استهلاكي

شارك بالأمس 4900 عارض وعارضة من 821 بلدا في أكبر المعارض الاستهلاكية العالمية الذي يقام في المدينة الألمانية فرانكفورت, حيث يتم استخدام النساء والرجال على حد سواء في ترويج البضائع الاستهلاكية للتجار والمستهلكين الأفراد على حد سواء. ولم يتوقف هذا المعرض عند آخر صرعاته بعرض البضاعة والوجه الحسن فحسب, بل تجاوزها إلى حد الابتكار في التسويق البشري ومعاملته كسلعة لا تسمن ولا تغني من جوع سوى الاستعراض بها على سبيل الزينة. وقد أخذ الاستهلاك بعدا إضافيا ليس في امتلاك الشيء وانما في التفرد بامتلاكه, وإلا فقد الشيء معناه وأهميته. وهو النوع الجديد من الاستهلاك الارستقراطي الذي يختزن في طياته حالة (الاستثنائية) حتى ولو كان ذلك على سبيل القيم الإنسانية والعلمية, وهو ما يسمى برفاهية التميز والاستثناء. ويمكن القول بأن استخدام النساء الجميلات في تسويق البضائع الاستهلاكية بأنه ليس فقط امتهانا للمرأة وانما تمييز عنصري ضد المرأة ذاتها. وهنا نفهم أن المرأة تتلوى جسدا ولغة لتسوق نوعا من الملابس النسائية الجميلة, أو لعطر نسائي فواح, أو حتى عطر رجالي يبعث الرجولة في المعطوبين منهم. ولكن لا نفهم المسألة مطلقا حينما تكون المادة الاستهلاكية هي ابتكار خدمة بيع حجر الأساس لبناء منزل يتضمن الأحماض الأمينية البشرية (دي ان ايه) يتم انتزاعها من أصحاب المنزل وتخزينها للأبد في عبوة محكمة يتم إيداعها في جدار المنزل. وثمة ما هو واضح تماما في هذا الإفلاس الاستهلاكي, هو أن الاستهلاك لم يتوقف عند استخدام ما لا يلزم بل تسخير أحدث ما توصل إليه العلم من أجل منح المهووسين فرصة التميز والاستثناء في عالم يذوب في بعضه البعض, ويصهر الهويات الفردية والقومية في حالة من الميوعة التي يفقد كثير من الناس مشروعهم في الحياة فلا نستغرب أن يتم, إن لم يكن قد تم, استغلال الاستنساخ في أن يستنسخ أحدهم نفسه ليرافقه كظله في حياته, أو أن يدفع أحدهم ملايين الدولارات لشراء الوهم على أرض القمر ليعمر مدينته الفاضلة, أو أن يدفع أحدهم ملايين الدولارات من أجل استنساخ كلب العائلة المدلل. إن العالم الاستهلاكي يتجه بقوة ليس إلى عالم الشراء وإنما في عالم التميز في الشراء والمادة الاستهلاكية. ولعل استغلال الابتكارات العلمية هي البيئة الخصبة لأولئك الذين يملكون المال ويفقدون الهوية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات