استراحة البيان ، بالنار أم بالحوار تتواجه الأفكار، يكتبها اليوم: علي عبيد

لأسباب أعرفها جيداً ولا أظنها تخفى على فطنتكم استفزني حادث الاعتداء على روائي وناقد عربي دونما علاقة شخصية تربطني به او حتى اطلاع كاف لا اجد حرجاً في الاعتراف به.. على نتاجه الفكري والأدبي. شخصان ــ كما قرأنا ــ تربصا للروائي امام منزله لينهالا عليه عند الفجر بالضرب المبرح الذي أدى الى ادخاله المستشفى ووضعه تحت المراقبة الطبية المركزة بعد معالجة جرح في رأسه ورضوض في جسمه. عدد من المثقفين ألمحوا الى وجود بعد أمني سياسي وراء الاعتداء, مستندين الى افتتاح الروائي المعتدى عليه قبل مدة لمنتدى ثقافي عن المجتمع المدني, وتعرضه في احدى رواياته لمعتقدات دينية استفزت مشاعر اناس وتناوله لدور اجهزة الأمن وقضايا تتعلق بالفساد, وهو الأمر الذي أيده الروائي نفسه عندما ارجع أسباب الاعتداء الذي تعرض له لفكره النقدي, وقال انه يجزم بانتفاء الدوافع الشخصية, ورجح ان يكون موجهاً الى النشاط الثقافي باتجاه التغيير وأن يكون رسالة لكل المثقفين التقدميين. واذا ثبت انه ليست هناك دوافع شخصية وراء الاعتداء وان المسألة غير جنائية ــ كما ردد البعض ــ فإن واقعة الضرب هذه تعيد الى الأذهان وقائع اخرى شبيهة اقربها للذاكرة ما حدث لأديبنا العربي الكبير نجيب محفوظ عام 1994, عندما تعرض لاعتداء مماثل من قبل متطرف هاجمه بسكين فأصابه بجرح نافذ في العنق, مما أثر على قدرته على تحريك يده اليمنى وبالتالي قدرته على الكتابة, وذلك احتجاجاً على رواية (أولاد حارتنا) التي نشرت منذ فترة طويلة. الغريب ان المتطرف المعتدي حينما سئل عما اذا كان قد قرأ الرواية أجاب بالنفي, وهنا قمة المأساة, ان يصدر حكم بالقتل من قبل شخص او جهة غير ذات اختصاص ولا هي بالسلطة المخولة بإصدار حكم كهذا او اي حكم على الاطلاق, وأن يقوم بتنفيذه أفراد لم يوكل إليهم المجتمع ذلك, وانما اعتقدوا من تلقاء أنفسهم انهم مسئولون عن إصلاح الكون وتطبيق شرع هم أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة فيه. الكلمة هي وعاء الفكر وهي وسيلة التواصل, والفكر هو الفارق بين البشر وسواهم من سائر المخلوقات, ولذلك كان الحوار هو طريقة التفاهم بين من حباهم الله العقل, أما القوة والبطش فهما وسيلتا التفاهم بين الحيوانات التي حرمها الله نعمة العقل الذي منه يبدأ الحوار وإليه ينتهي, ولذلك فإنه عندما يلغي البشر أسلوب التفاهم بالحوار ويلجأون الى استخدام القوة, فإنهم بذلك ينتقلون من منطقة البشرية التي كرمهم الخالق بالانتماء اليها الى منطقة الحيوانية التي نزههم عنها. ومن هنا تطرح مسألة الاعتداء على أصحاب الكلمة الذين هم بالتالي حملة الفكر قضية تمتد جذورها الى قرون من الزمن سابقة كان لنا منها كأمة نصيب وافر. ولعل ما حدث للفيلسوف الطبيب الفقيه أبي الوليد محمد بن احمد بن رشد قبل أكثر من ثمانية قرون خير شاهد على ذلك, فقد بلغ ابن رشد من العلم والمكانة مرتبة اوصلته الى تولي القضاء في اشبيلية ثم في قرطبة التي أصبح يلقب بقاضيها الى جانب تلقيبه بالشارح لشرحه كتب أرسطو بتكليف من أبي يعقوب يوسف أمير الموحدين الذي عرفه عن طريق ابن طفيل فأكبره وقربه, فلما تولى المنصور ابو يوسف يعقوب الخلافة بعد ابيه لقي ابن رشد على يديه ما لقي على يدي والده من حظوة واكرام, لكن الأمور سارت بعد حين على خلاف ذلك عندما أصبحت الفلسفة موضعاً للسخط, فأثار الوشاة حفيظة المنصور عليه ليتعرض ابن رشد للاضطهاد, ويأمر الخليفة بإحراق كتبه وسائر كتب الفلسفة والعلوم جملة ما عدا الطب والفلك والحساب, وينفى ابن رشد الى (أليسانة) قرب قرطبة, ولكن الخليفة ما يلبث ان يرضى عنه ويعيده الى سابق منزلته فيعود الفيلسوف الى مراكش حيث تعاجله المنية. رحلة الصعود والهبوط ثم الصعود هذه التي رسمت مسارها القوة متصادمة مع الفكر, كانت واحدة من الشواهد الحية على طبيعة الصراع بين الفكر الذي يمثله ابن رشد والقوة المتمثلة في سلطة الحاكم, وكيف يمكن للقوة ان تمارس سطوتها على الفكر استناداً الى الدين, رغم ان فيلسوفنا قد عني بالتوفيق بين الفلسفة والدين وباثبات ان الشريعة الاسلامية حثت على النظر العقلي وأوجبته, وأنها والفلسفة حق, والحق لا يضاد الحق بل يؤيده ويشهد له, ولذلك كان من المفارقات المحزنة ان يكون الدين هو المظلة التي تتخذها بعض الجماعات الاسلامية لتكفير المجتمع سلطة وأفراداً, وان ترتكب المجازر باسم الدين الذي هو بريء من كل ذلك, اما الكارثة الكبرى فهي ان ينتقل الصراع الى الجماعات الدينية نفسها وتراق الدماء بين أفراد هذه الجماعات قيادات واتباعاً, وان يذهب ضحية لذلك ابرياء لا ناقة لهم ولا جمل في الصراع كأولئك المصلين الذين أريقت دماؤهم في حادث مسجد قرية (الجرافة) السودانية عندما قام مسلح باطلاق النار عليهم أثناء ادائهم لصلاة التراويح في شهر رمضان المبارك, ليسفر الحادث عن مجزرة بشعة حصدت أكثر من عشرين قتيلاً واربعين جريحاً على خلفية خلاف بين جماعة التكفير والهجرة التي ينتمي اليها الجاني وجماعة أنصار السنة المحمدية التي يؤم بعض افرادها المسجد المستهدف بالهجوم الذي لم يكن الأول وربما لا يكون الاخير ضد مساجد جماعة انصار السنة. الغريب في الأمر أن الجاني ــ الذي كان معروفاً لدى سكان المنطقة ــ سبق له أن قام بتوزيع تهديد مكتوب على المصلين توعدهم فيه مع إمام المسجد وبعض افراد الجماعة بالانتقام ان لم يكفوا عن مجادلته, مخالفاً بذلك نهجاً قرآنياً صريحاً لا لبس فيه (وجادلهم بالتي هي احسن), اما المحزن في الحادث فهو أن أغلب الضحايا كانوا من أبناء القرية الذين لا يمتون بصلة الى جماعة انصار السنة المحمدية الذين استهدفهم الهجوم, وسواء كانوا من هؤلاء أو أولئك فمن ذا الذي احل سفك دمائهم؟ ان مبدأ استخدام القوة لفرض مذهب ديني او فكر عقائدي او توجه سياسي هو في النهاية مبدأ مرفوض يخرج المجتمعات الانسانية من دائرة العقل ويعيدها الى قوانين الغاب حيث الصراع من اجل البقاء هو الشريعة السائدة. ما حدث في مسجد (الجرافة) السوداني لا يخرج عن دائرة غياب العقل التي سادت خلال السنوات الاخيرة في عدد من الدول العربية والاسلامية نتيجة ظروف اجتماعية وسياسية معروفة, وهو نتاج طبيعي لغياب الرؤية السليمة عندما تنشغل الأمة بالاختلاف على قضايا فرعية ومسائل فقهية لا تمس صلب العقيدة بقدر ما تفرق الأمة, من مظاهرها ان تصدم أعيننا وعقولنا كتب تؤلف وتطبع وتوزع بالآلاف مجاناً من نوعية (نهي الصحبة عن النزول على الركبة) فيرد عليهم المؤيدون للنزول على الركبة بكتاب آخر, وهكذا تنشغل الأمة بصغائر الامور ودقائقها مما لا يقدم او يؤخر, فتصبح اراقة دم طائفة من المسلمين على يد متطرف مختل العقل حوى من الجهل قدراً اخرجه من دائرة الوعي امراً غير مستغرب, ويصبح الاعتداء على كاتب او صاحب رأي هو وسيلة الرد الوحيدة الناجعة, ويصبح السؤال المطروح هو: متى نصل الى ان الفكر لا يواجه الا بالفكر, والى ان وسيلة التفاهم والاقناع هي الحوار وليس اطلاق النار؟ سؤال أقرب ما يكون الى التمني في زمن أصبحت فيه الامنيات هي الأخرى عزيزة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات