لا شك أن تنصل باراك من نتائج محادثات كامب ديفيد 2 وما تبعها في طابا مع الفلسطينيين, لم تكن بالحسبان على الإطلاق, رغم ما حاولت بعض الدوائر السياسية تقمص أو إضفاء حالة المعرفة المسبقة لهذه الخطوة الخطيرة, التي لم تضع العملية السلمية وما توصلت إليه من اتفاقيات ثنائية مع أطراف التفاوض العربي برمتها في خانة المجهول وحسب, بل تجاوزت هذه الخطوة بتأثيراتها وانعكاساتها السلبية, ووصلت إلى الحد غير المتخيل, بحيث أعادت العملية السلمية إلى نقطة الصفر, أي إلى البدايات, وأدخلت المنطقة في حالة من الترقب وعدم الاستقرار على أكثر من جبهة. ناهيك عن أنها جاءت متوافقة مع مشروع شارون المختزل سياسياً واستراتيجياً بالوطن البديل, والذي بدوره أدخل دولاً عربية جديدة دون سابق إنذار في ساحة الصراع وليس التفاوض وترميم عملية السلام على الجبهات المتوقفة عندها هذه العملية منذ وقت طويل, علماً أن هذه الدول تقيم مع اسرائيل علاقات سلام ثنائية دخلت حيز التدويل منذ توقيعها, وأصبحت مكرسة قانونياً في مؤسسات الأمم المتحدة الخاصة بذات الشأن. لكن ثمة دوافع كبيرة عند بعض الأوساط الدولية والإقليمية والعربية, باتت تثير جملة من الأسئلة الصعبة والمحيرة بذات الوقت, عن ماهية الدوافع التي أقحمت ايهود باراك والضرورات الملحة التي جعلته يتخذ مثل هكذا خطوة, رغم أنه خرج من جولة الانتخابات الطارئة خارج اللعبة ولو بشكل مؤقت؟ لابد لنا قبل الولوج في ماهية الدوافع الباركية على المستوى السياسي, من التذكر أن الجنرال باراك دأب منذ دخوله المعترك السياسي, على الاستفادة من أي فرصة مهما قل حجمها, ليوظفها في مصلحته الشخصية المحضة, فهو غالباً ما يبحث عن المنافع على المستوى الشخصي بعيداً عن أي اعتبار آخر مهما قل أو علا شأنه, حتى دخوله حزب العمل الإسرائيلي مؤخراً لم يكن نتيجة لقناعات سياسية قد ترسخت في ذهنيته, بقدر ما جاءت نتيجة مآرب شخصية محضة, خاصة وهو الذي يدرك جيداً حب قيادات العمل التاريخيين للجنرالات خاصة الناجحين منهم. أي أنه من خلال قيمه البراغماتية ومنافعه الشخصية, كان الأقدر إلى الوصول لقمة الهرم القيادي في هذا الحزب, والذي بدوره أوصله في وقت قياسي, مقارنة بغيره من أقرانه السياسيين والجنرالات, إلى سدة الحكم في اسرائيل حتى بدأ الكثير من القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية تجد في باراك الرجل الذي يحتذى, لما يمتلك من قدرات على التلون واقتناص الفرص, والانسحاب من أي موقف سياسي يتخذه عندما يستشعر بتأثيراته السلبية على مستقبله الشخصي أولاً وأخيراً. ولعل التنصل الذي لزم وزارته المستقيلة به بعد اجتماعها في لحظة الفراغ الدستوري الذي تعيشه اسرائيل, هو محاولة سريعة للانتقال من صفوف الحمائم إلى صفوف الصقور محاولة منه للكسب على المستوى الشخصي كما أسلفنا, وحتى لا يضع نفسه في حيز الاتهام الذي غالباً ما يستخدم بين القيادات الإسرائيلية وبشكل حاد انطلاقاً من وهم الديمقراطية الممجوجة المتبعة في هذا الكيان. أما الدوافع الأخرى فهي وان ارتبطت بمصالحه الشخصية بشيء أو بآخر, فهو التقط الرسالة من بعض أطراف حزب العمل الفاعلة كابراهام بورج رئيس الكنيست الحالي ويوسي بيلين الميال إلى يوسي ساريد رئيس حزب ميرتس اليساري, لذلك وجد الظروف كلها, رغم خسارته في الانتخابات مواتية للتنصل من كل مواقفه السياسية التي أبداها على جبهة التسوية, والتي بدورها أدت إلى خسارته أمام شارون, من أجل إضعاف هذه الكتلة النشطة داخل الحزب انطلاقاً من إظهار تشدده السياسي مستغلاً ضبابية الموقف الأمريكي للإدارة الجمهورية الجديدة التي تحللت هي الأخرى من التزامات الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون إزاء التسوية في المنطقة بشكل عام, هذا من جهة. أما من الجهة الثانية فقد حاول بتنصله هذا أن يصبح الشريك الرئيسي بل والوحيد لشارون إذا ما أراد تشكيل حكومة وحدة وطنية, أو حكومة موسعة, وحتى يضمن لنفسه ولأعوانه في الحزب بعض الحقائب الوزارية الهامة جداً بالنسبة لإسرائيل مثل الدفاع الذي يسعى لتسلمها والخارجية التي يحاول إذا ما كسبها من خلال تراجعه السياسي على جبهة التسوية, أن يسترضي بها حاخام حزب العمل اسحق بيريز, الذي بات يرى بايهود باراك المنافس الوحيد له داخل مؤسسات الحزب وعلى المستوى السياسي العام, على الرغم من أن الثاني يعتبر باني قوة اسرائيل الاستراتيجية وصاحب الخيار النووي بامتياز, والذي لا يزال يحظى باحترام كبير بين صفوف كل القوى الحزبية والسياسية الإسرائيلية, حتى في صفوف المتدينين. هذا بالنسبة للتداعيات الحزبية, أما على المستوى السياسي, فقد ظل ايهود باراك منذ تسلمه للحكومة الإسرائيلية قبل سنة ونصف السنة, يعمل جاهداً من خلال الاستقواء بالجانب الأمريكي المنحاز لسياسته, على إقناع الجانب الفلسطيني تارة وفرض القبول بالضغط والإكراه تارة أخرى باتفاقيات انتقالية كحل تاريخي وسط, ويعتبر بدون منافس صاحب هذه السياسة الالتفافية, ولعله يتطابق في قناعته السياسية هذه مع شارون حتى وصل البعض لاعتبار أن ما يجري هذه الأيام من مداولات بين شارون وباراك, متفق عليه بكل ما تحمله بين ظهرانيها من تفاصيل دقيقة وعريضة. لكن الغريب بالأمر أن كل ما يقوم به باراك وغيره من القيادات الإسرائيلية المتبوئة لمركز القرار غالباً ما تحاول تجاهل مصالح الطرف الآخر, باعتباره شريكاً على قدم المساواة على طاولة التفاوض على أقل تقدير, وغالباً أيضاً ما تحاول تجاهل حاجاته السياسية - الأمنية هو الآخر, من خلال إضعاف موقفه على المستوى الداخلي وخلق حالة من الشقاق الداخلي, وهنا لسنا بصدد تبيان التفاصيل, بقدر ما يهمنا القول إن الأطراف العربية برمتها, باتت ترى بأن اسرائيل ليست شريكاً حقيقياً لاقامة السلام, وأن كل ما يجري على المستوى الإسرائيلي الداخلي, سيدخل المنطقة العربية برمتها في حيز المجهول. وقد يعيد القناعة الكلية للجانب العربي بضرورة مواجهة السياسات الإسرائيلية الرعناء بذات الطريقة التي ينطلق منها الطرف الإسرائيلي, بعد أن وصل لقناعة واحدة وهي ضرورة بناء السلام المتوازن ونزع فتائل التوتر وتحييد جملة من الخيارات وفي مقدمتها الخيار العسكري. لكن السؤال الذي يحمل الكثير من التوجسات, هل تعتبر ألاعيب باراك ألاعيب مؤقتة لمواجهة سياسة شارون, أم أن ما يجري هو نهج سياسي لا يمكنه التخلي عنه انطلاقاً من المقولات الصهيونية التوسعية؟ على كل بتنا على موعد قريب من إعلان حكومة الوحدة الوطنية, وستكون الأيام القليلة المقبلة هي الأكثر قدرة على الإجابة عن كل التساؤلات والتخوفات والتوجسات, من هذه السياسة التي أعلنها باراك على الملأ ضارباً عرض الحائط بكل ما توصلت له الأطراف من اتفاقات بينية, وقاطعاً الطريق على كل جهد من شأنه أن يحيي العملية التفاوضية على المسارات المتوقفة منذ زمن. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق