لم يكن مجيء أرييل شارون الى قمة السلطة في الدولة العبرية نتيجة نزوة اسرائيلية, أو نوبة نزق أصابت الناخب الاسرائيلي وانما كان افرازاً طبيعياً للمجتمع الاسرائيلي وتركيبته ومكوناته ومنطلقاته الدينية والفكرية والسياسية. فهذا المجتمع الذي تكوّن اساسا على العدوان والاحتلال والاستيطان والتوسع, وطرد الأغيار, أي الآخرين, وقام على أساس نقاء الدولة وصفاء عرقها اليهودي, ما زال يرفض أن تكون اسرائيل دولة لكل مواطنيها, بل لليهود منهم فقط, وليهود العالم الموجودين خارجها. وهذا هو جوهر الفكرة الصهيونية المطعمة بالأساطير التوراتية التي ما زالت الأجيال اليهودية تتربى عليها في مؤسسات المجتمع الاسرائيلي المدنية والعسكرية. وهذا ما يفسر القتل المتعمد واللاإنساني الذي تمارسه المؤسسة العسكرية الاسرائيلية التي أنجبت شارون, ضد المواطنين الفلسطينيين والعرب. وما يفسر أيضاً الإنكار التام لأية حقوق تاريخية للفلسطينيين في هذه البلاد. أو الاعتراف بأن أراضي الضفة وغزة على الأقل هي أراض محتلة. وحتى حين يتحدثون عن انسحابات من هذه الأراضي بنسبة أو بأخرى, أو السماح بقيام سلطة أو دولة للفلسطينيين لا يفعلون ذلك من باب الاعتراف بأن ذلك حق للشعب الفلسطيني, وانما من زاوية كونهم مضطرين لذلك لأن الفلسطينيين موجودون كأمر واقع, ولا يستطيعون التخلص منهم. ولذلك فهم يمنون عليهم بالسماح لهم بالبقاء في جزء من ارض اسرائيل كمنحة منهم, وكحل سياسي لمشكلة قائمة, وليس كحق أساسي يملكه الفلسطينيون. وما يؤكد ذلك, أن أياً من الأدبيات التي تُلقن للأطفال والأجيال الاسرائيلية الشابة, لا تشير لأية حقوق للفلسطينيين, وبذلك تنشأ الأجيال اليهودية المتعاقبة, في اسرائيل والعالم, على أن الفلسطينيين هم المعتدون على أرض اسرائيل, ووجودهم في جزء منها لا يقوم على أي حق. من صلب هذا المجتمع, وتعبيراً عنه, جاء شارون رئيساً للوزراء بأغلبية 62% من أصوات الناخبين اليهود, وليسقط كل المقولات التي توهمت وجود معسكر للسلام في اسرائيل, وراهنت على قوته, وإمكانية قيامه بدور في صناعة السلام. لم يتوقف الاسرائيليون عند ما يمكن أن يقوله عنهم المجتمع الدولي حين يقدمون له شارون واجهة وعنواناً لهم, مناقضين كل الصور الديمقراطية والسلامية التي زيفوا بها وعي العالم لحقيقتهم. ولم يفكر الإسرائيليون بالحرج الذي يسببونه لأصدقائهم في العالم الذين تعودوا الدفاع عنهم كشعب مسالم مظلوم يعيش وسط غابة من الوحوش تسعى لافتراسه. ولم يغيروا من طبيعتهم لمجرد ارضاء الآخرين. هذه الصورة الحقيقية لطبيعة المجتمع الاسرائيلي, وتركيبته, لم يقرأها العرب جيداً, ولم يتمهلوا وهم يتسابقون ــ والموقف الفلسطيني جزء من الموقف العربي ــ في الإعلان عن أن السلام خيارهم الاستراتيجي, ويختبئون وراء هذا الشعار ليغطوا ضعفهم, دون أن يدركوا أن السلام يحتاج الى قوة تفرضه أولاً, وتحميه ثانياً, ودون أن يرصدوا توجه الطرف الآخر إن كان يبادلهم التوجه نفسه, أم يتخذ الموقف النقيض, فبدوا كمن يستجدي السلام أو يتسوله, أو كمن يحتمي بالسلام, لا كمن يمنحه. ولم يتعظوا بقول الله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله), حين جعل الجنوح للسلام مشروطاً بموقف الطرف الآخر. كما لم يأخذوا بقوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل, ترهبون به عدو الله وعدوكم), والله سبحانه وتعالى لم يحصر القوة في الجانب العسكري فقط, وانما عنى كل الطاقات والامكانات التي تملكها الأمة فتجعل كفتها راجحة, سواء أكانت اقتصادية أو سياسية, أو بشرية (والعرب يملكون طاقات هائلة في كل هذه المجالات). كما أنه لم ينص على أن حشد القوة هو بالضرورة للقتال, ولكنه للتخويف أو التلويح به لتجنب القتال, إن أدرك العدو الرسالة. هذا المفهوم الإلهي للسلام لم تأخذ به السياسات العربية, بل صنعت لنفسها مفهوماً للسلام على مقاس نظرتها الاسترخائية الاستسلامية, واستراحت له. الأمر الذي لم يردع العدوانية الاسرائيلية, بل أطمعها, وهو ما نواجهه اليوم مع شارون, وغداً مع جنرال آخر, كما واجهناه مع كل الجنرالات السابقين, ما دام الحال العربي كما هو عليه. هذه الدعوة ليست صرخة لدق طبول الحرب, وليست نداء للتخلي عن خيار السلام. ولكنها دعوة لمعادلة خيار القوة مع خيار السلام ووضع القوة في خدمة السلام. ولو كانت القوة العربية, بمفهومها الشامل حاضرة في دعم الانتفاضة الفلسطينية, لما تراجعت هذه الانتفاضة, ولما استفردتها اسرائيل, وربما لم يأت شارون. لكن العرب بخلوا بالمال ــ وهو أضعف الإيمان مقارنة بالدم العربي الفلسطيني الذي يراق دفاعاً عن أرض العرب و مقدساتهم ــ وحجبوا عن أهل الانتفاضة ما قرروه في مؤتمر القمة العربية الأخير, وبقي ما جُمع منه, وهو أقل من الثلث, مكدساً في البنك الإسلامي. فانضموا بذلك الى إسرائيل في حصار الانتفاضة وتجويع أهلها, وبات الشارع الفلسطيني والعربي عموماً يتساءل إن كانت هذه سياسة مقصودة للقضاء على الانتفاضة, ودفع الطرف الفلسطيني للاستسلام تمهيداً لتحميله مسئولية التفريط بالقضية, وربما لومه وإدانته. لكن مجيء شارون للحكم أعاد تذكير العرب بما تناسوه من وحدة الصراع العربي الصهيوني, فقد سبقته تهديداته بتدمير هذه المنشأة العربية أو تلك, أو قلب هذا النظام العربي أو ذاك. فهل يشكل هذا التحدي الصريح استفزازاً للإرادة العربية, ويدفع العرب الى اعادة النظر في سياساتهم, خاصة وأنهم مقبلون على مؤتمر للقمة يعقد في عمان الشهر المقبل. وهل تكون هذه القمة فرصة لإعادة النظر في طبيعة الصراع العربي الصهيوني, و إعادة الاعتبار لوحدة هذا الصراع. * كاتب فلسطيني