قرأت الرقم أكثر من مرتين للاستوثاق من صحته: 500 ألف يعرضون للبيع سنوياً في بلدان أوروبا الغربية. والسلعة التي يجري الحديث عنها هي سلعة البشر. فنصف المليون هذا هو عبارة عن نساء وأطفال، من أوروبا الشرقية والعالم الثالث يتم شراؤهم بواسطة وسطاء لبيعهم بهذا المعدل السنوي إلى شركات في بلدان الاتحاد الأوروبي لتستخدمهم في تجارة الجنس. ولن أتوقف عند الظاهرة وتفاصيلها.. أتجاوز ذلك مسرعاً لأتساءل: هل لنظرية (اقتصاد السوق) حدود؟ إن التبرير الغربي الرأسمالي الذي لا يُعلن لتسويغ الاتجار في البشر كسلعة هو أن السوق يتطلب ذلك, هناك طلب على هذه السلعة.. وهو طلب متصاعد سنوياً, بالتالي يجب أن يكون العرض على مستوى الطلب. وفلسفة نظرية (اقتصاد السوق) على هذا القياس تقوم على تقديس تحقيق الربح كمعيار أوحد للنشاط الانتاجي والتجاري الانساني.. فكل ما يتعارض مع تحقيق الربح يجب اسقاطه بحزم من الحساب. نظرية (اقتصاد السوق) إذن كما هي مطبقة على أرض الواقع العالمي لا تحدها حدود. فالقاعدة التي تلزم بها الشركات الرأسمالية العملاقة نفسها هي ما إذا كان هناك طلب على سلعة أو خدمة ما فتتنافس الشركات على تلبية هذا الطلب وليس ما إذا كان لهذه السلعة أو تلك وهذه الخدمة أو تلك ضرر مادي أو معنوي على المجتمع البشري. وإذا كانت تجارة الجنس مثالاً ــ ربما يكون متطرفاً ــ فماذا عن سلعة الأعلاف (الحيوية) التي تتسبب في مرض (جنون البقر) الذي بدوره يمكن أن ينتقل إلى جمهرة مستهلكي اللحوم البقرية؟ وماذا عن سلعة السجائر التي تتسبب في أشد الأمراض فتكاً بالبشر؟ ثم ماذا عن سلعة الأسلحة المكسوة بمادة اليورانيوم المنضّب التي تتسبب في الإصابة بسرطان الدم للجنود والمدنيين على حد سواء؟ قبل انتشار مرض (جنون البقر) في بلدان أوروبية كانت الشركات الغربية المتخصصة في انتاج سلعة الأعلاف (الحيوية) تدرك الأخطار المرضية التي يمكن أن تصيب الأبقار.. وهي أعلاف مصنّعة من خليط من الأجزاء المعوية الداخلية للأبقار المذبوحة وعظامها التي تطحن. ولأن عامل الربح يبرر أي شيء, فإن الشركات واصلت لمدى عقود متصلة إمداد الأسواق الأوروبية والعالمية بهذه الأعلاف الخطيرة علماً بأن لحوم الأبقار المصابة بداء جنون البقر ــ وهو مرض يصيب الدماغ ــ يمكن أن تسبب المرض نفسه للبشر الذين يتناولون هذه اللحوم. وشركات إنتاج السجائر ظلت (تبرهن) لمدى عقود من خلال (أبحاث علمية) أن تعاطي الدخان لا يتسبب في أمراض القلب والسرطان والجهاز التنفسي إلى أن اضطرت أخيراً للإقرار بعد أن دحضت (أبحاثها). وشركات انتاج الأسلحة التي تقوم على تصنيع قنابل وقذائف مكسوة باليورانيوم المنضّب تعلم الآثار الخطيرة على البشر لهذه المادة لكنها تستأجر علماء لبرهنة العكس من خلال (أبحاث) مختبرية. وبالطبع يبقى سؤال: أين الحكومات؟ ولماذا لم تتدخل ولا تتدخل في الظرف الملائم من أجل حماية ـ على الأقل ــ مواطنيها في الغرب؟ إن الحكومات المتعاقبة في بلدان الغرب تقوم على أحزاب.. وقيادات الأحزاب تتكون بالطبع من بشر. والبشر من منظور (اقتصاد السوق) ليسوا سوى سلعة يمكن أن تُشترى. وكما تتفاوت السلع المصنعة في أثمانها حسب اختلاف قيمة كل منها فإن سلعة البشر لكل رأس ثمنه.