استراحة البيان _ إمرأة بوزن الفيل _ يكتبها اليوم: ظاعن شاهين

اكتشف علماء الغرب اليوم هكذا وبدون مقدمات ان المرأة المكتنزة المتعافية اكثر سعادة واشراقاً في حياتها الاجتماعية مقارنة بالمرأة النحيفة ذات البنيان الجسماني الذي يشبه العارضات. ويبدو ان هؤلاء لم يسمعوا اشعار العرب قديمها وحديثها ولم يقرأوا ما جادت به الذاكرة الشعبية العربية, والا لعرفوا ما يصرحون به الآن منذ زمن بعيد.. فقد ظلت الذاكرة العربية رغم ما رأته وخبرته من احوال النساء تنتعش بفضل الشعر الذي كان عبارة عن وكالات انباء واعلان متنقلة, وبفضل الشعراء الذين كانوا يكتبون النصوص الاعلانية ويطرحونها في جلساتهم الخاصة والعامة, فتتناقلها الافواه وتسجلها الصدور وتحفظها الذاكرة, فمن منا لا يحفظ قصيدة شعبية كانت أم فصيحة لا تتداعى من بين أبياتها امرأة بيضاء ذات ارداف ثقيلة وخصر نحيف.. وفي الوقت الذي يركز عليه الانسان الشرقي على وجه العموم والانسان العربي خصوصاً وفق ما تمليه الذاكرة عبر تاريخها الممتد على كل ما هو ممتلئ وسمين نجد ان الذاكرة الغربية تميل الى عكس ذلك وتتواصل عبر برامجها المختلفة الى فرض نموذجها الذي أطرته من خلال عروض الأزياء والاعلام وأشكال التواصل المختلفة. * إذن ما هي المشكلة في ذلك كله؟ تأتي الاجابة على هذا السؤال بشكل عفوي وتلقائي وهي أننا لا نستطيع ان نلغي ذاكرتنا أو ننحيها جانباً, لكننا نستطيع ان نغير بعض قناعاتنا القديمة بفضل الفعل والممارسة والاحتكاك ومعرفة الأسرار الخافية, وأغلبنا في الوطن العربي سواء كنا رجالاً أم نساء تلبسنا رداء النحافة وتركنا كثيراً من عاداتنا الغذائية القديمة التي لا تطرق الا باب السمنة, وخضع الكثيرون منا لبرامج تخسيس ونحافة للوصول الى ما هو نموذجي في العالم المتمدن! مشكلتنا اليوم تتمثل في حيرتنا المتواصلة من تعليمات خبراء الصحة العامة, وحقيقة لا أعرف وغيري كثيرون ماذا يريد هؤلاء, فأحيانا يصرحون بأن التفاح هو السر الواقي من السمنة بفضل مادة البكتين التي تحتويها ثماره, واحياناً أخرى يشيرون الى أن السمنة مطلوبة لأنها تجعل صاحبها اكثر سعادة وبهجة من اولئك النحفاء. جميعنا عموماً معرضون لسماع مثل تلك المقولات المقلوبة التي تقلب قناعاتنا رأساً على عقب, ويبدو ان مثل تلك المقولات تؤثر في السوق سلباً وايجاباً, وفعلياً اثّر قرار صدر في لندن اخيراً يقضي بعدم نشر صور لعارضات نحيفات على أغلفة المجلات على السوق الاعلانية, وجاء القرار ضمن حملة وطنية بريطانية للقضاء على ما يسمى هزال العارضات خاصة وان اغلب المراهقات يحاولن تقليد العارضات في شكل اجسامهن النحيفة. وقد ناقش رؤساء تحرير مجلات الموضة النسائية كيفية تقديم صورة مغايرة للمرأة الى القارئات, وتوقيع مذكرة سلوك طوعية يتقرر من خلالها الغاء صور العارضات النحيفات الممشوقات القامة من المجلات النسائية وكذلك منع اي اعلانات للترويج للمرأة الهزيلة. وسيتولى مجلس للتنظيم الذاتي يضم رؤساء تحرير اشهر مجلات الموضة ومصورين ومصممي ازياء مراقبة المعايير الجديدة للموضة. وبعيداً عن المقولات والشعارات التي تربط السمنة بالكآبة انقلبت الآية فانقلبت معها القناعات القديمة الراسخة وانتصر الدكتور جيمس واتسون عالم الموروثات والحائز جائزة نوبل للعلوم انتصر للذائقة العربية القديمة وللشعراء العرب, شعراء فصحى كانوا او نبط بدءاً من قيس وانتهاء بالجمري.. وكأن الدكتور واتسون يسمع أبيات عمر بن ابي ربيعة في وصفه لحبيبته اذ يقول: وتخطو على برديتين غذاهما سوائل من ذي جمة متحير من البيض مكسال الضحى بحترية ثقال متى تنهض الى الشيء تفتر وقد فاجأ الدكتور واتسون الذي شارك عالماً آخر في اكتشاف الحامض النووي DNA وقاد بالتالي الفريق العالمي للجينوم البشري فاجأ المجتمع الدولي بنظريته الجديدة التي تشير الى أن الاشخاص البدينين اكثر سعادة من النحيفين. وأكد الدكتور جيمس واتسون على أن أبحاثه اوصلته الى ان الارطال الزائدة في وزن المرأة تجعلها مستقرة الشخصية وايضاً سعيدة في حياتها الاجتماعية. واشار الى ان ليس بالضرورة وراء ابتسامة العارضات النحيفات حياة جميلة مستقرة, بل ان وراء تلك الابتسامة ترقد أرواح بائسة! واوضح ان كيمياء جسم الانسان قادته الى نتيجة تتلخص في أن الشحم له اثر كبير في تعزيز الاندورفينز المختصة بتوفير المزاج الطبيعي مشيراً الى ان الرجال تنطبق عليهم الأحكام نفسها. ويختم الدكتور واتسون ان النحافة تساوي او تجلب التعاسة, والسعداء هم اولئك الناس الذين لهم اوزان على اجسامهم! ومن هنا فلم يعد موضوع السمنة والرشاقة هو الشغل الشاغل لمراكز البحث العلمي بعد تلك المفاجأة المدوية التي أعلنها الدكتور واتسون, ولن تصبح البدانة أزمة قومية كما حدث في امريكا اذ شنت السلطات الطبية العليا حرباً حقيقية على تلك المشكلة, بل ستصبح السمنة من مستلزمات العصر الحديث ومن أهم سماته, وبالتالي ستتغير المقاييس وستختفي العارضات النحيفات وستتبدل بعض المفردات او تختفي كلياً فبدلاً من وزن الريشة والذبابة في رياضة الملاكمة ستدخل مقاييس اخرى هي وزن الجمل ووزن الفيل! عموماً نقول وداعاً للرشاقة, اهلاً بالسمنة في زمن الجمل والفيل!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات