لكل من الولايات المتحدة واسرائيل وتركيا اهداف محددة من تعاونهم العسكري, وكذلك من اجراء المناورات بكافة انواعها, وينطبق ذلك ايضا على المناورات البحرية الاخيرة, وكل منها يسعى لتسخير الآخرين من أجل تحقيق اهدافه, ولكن مجمل هذه الاهداف تصب في اتجاه واحد, وهو العداء للعرب ومحاولة النيل من الامن القومي العربي, وبشكل خاص من سوريا وهو ما يستدعي من العرب الوقوف بكل حزم ضد هذه المناورات وغيرها, بل والتنسيق الثلاثي بكامله, وحشد كل الطاقات العربية في حلف مضاد, وفي الحلقة الاولى تحدثنا عن بعض جوانب هذه المناورات, وفي هذا الجزء نواصل الحديث. ثانيا: الأهداف الاسرائيلية إن تحقيق هدف (اسرائيل الكبرى) التي ينادي بها حزب الليكود, أو (اسرائيل العظمى) التي يسعى اليها حزب العمل من خلال عمليات التطبيع ومشاريع الشرق أوسطية التي تحقق لاسرائيل اختراق المجتمعات العربية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وايديولوجيا وثقافيا, أو تحقيقه بواسطة عمل عسكري مباشر يكسر الارادة السياسية العربية كما حدث مع العراق, تطلب ذلك من اسرائيل أن تخطط له ثلاث استراتيجيات فرعية على النحو التالي: استراتيجية (بلقنة المنطقة) وتعني هذه الاستراتيجية تفتيت الدول العربية الى دويلات صغيرة متناحرة على أسس طائفية وعرقية ومذهبية, تضعف من قواها الشاملة, وتجعلها تدور كالتوابع في فلك الدولة الاقليمية العظمى (اسرائيل), فيما يطلق عليه (الكومنولث العبري) وبذلك يكون هناك حديث عن دويلة كردستان التي تضم أكراد العراق وتركيا وايران, واقامة دويلة الدروز على حساب سوريا ولبنان, واقامة دويلة البربر في شمال افريقيا على حساب المغرب والجزائر وليبيا, وتقسيم السودان الى دويلتين مسلمة في الشمال ومسيحية زنجية في الجنوب, وهكذا باقي العالم العربي والاسلامي. استراتيجية (شد الأطراف) بتخليق الظروف التي تنشب معها صراعات مسلحة بين الدول العربية المتواجدة في أطراف العالم العربي, والدول غير العربية المجاورة لها, وبما يشتت جهودها ويستقطب بالتالي جهود دول القلب العربي وعلى رأسها مصر الى صراعات جانبية, وبما يؤدي في النهاية الى تخفيف الضغط الواقع على اسرائيل في اطار الصراع العربي الاسرائيلي. ومن هنا يمكننا أن نفهم مغزى حرب الثماني سنوات بين العراق وايران, والنزاع المستمر بين سوريا وتركيا على المياه والحدود وغيرها, والنزاع بين السودان وأثيوبيا وبين اليمن وأريتريا, وبين موريتانيا والسنغال. ج ــ استراتيجية (تكثيف الاستيطان) أي تكثيف المستوطنات الاسرائيلية المقامة في الأراضي العربية المحتلة, سواء في الضفة وقطاع غزة أو في الجولان, بهدف خلق واقع جديد في هذه الأراضي يصعب ازالته أو تغييره يكفل لاسرائيل ضم الأراضي الواقع عليها هذه المستوطنات, بعد طرد العرب المتواجدين حولها. وفي اطار هذه الاستراتيجيات الاسرائيلية يمكن فهم أهداف اسرائيل من وراء شراكتها الاستراتيجية مع تركيا, والتي تتمثل في الآتي: (1) تخويف وابتزاز العرب. (2) الاستعداد عند اللزوم لتوجيه ضربة مشتركة ضد سوريا, وترجيح كفة اسرائيل في الميزان الاستراتيجي بعد اخراج سوريا من معادلة القوى في المنطقة. (3) الحصول على أكبر قدر من المعلومات عن سوريا وايران من خلال محطات الانذار المبكر التي تقيمها في تركيا والتعاون المخابراتي معها. (4) النفاذ من خلال تركيا الى جمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية والغنية بمواردها. (5) الحصول على أكبر نصيب من الأموال المخصصة لتطوير الجيش التركي والمقدرة بحوالي 30 مليار دولار. (6) جر الدول العربية بدءا بالأردن الى هذه الشراكة توطئة لقيام نظام أمني اقليمي بديل عن نظام الأمن القومي العربي. (7) احكام السيطرة البحرية على شرق البحر المتوسط. (8) الانتشار في القواعد الجوية التركية لتعويض ما فقدته اسرائيل من مطارات في سيناء بعد انسحابها منها, ووقاية أسرابها المقاتلة. (9) الاستفادة من المياه التركية لحل مشكلة السيطرة على مياه بحيرة طبرية مع سوريا, والتي تعرقل الوصول الى اتفاق سلام معها, بحيث تكون المياه التركية بديلا عن مياه طبرية. (10) توجيه ضربة جوية ضد ايران عبر الأجواء التركية يتم بواسطتها تدمير البنية النووية والصاروخية لايران. ثالثاً: الأهداف التركية تستهدف تركيا أن تكون في عام 2007 واحدة من أعظم 25 دولة في العالم, وفي عام 2010 واحدة من أعظم 10 دول في العالم. وسبيلها الى ذلك أمرين: الأول الانفتاح الواسع على الولايات المتحدة باعتبارها القوى العظمى الوحيدة في العالم والمالكة ناصيته سياسيا وعسكريا واقتصاديا, الثاني: الاندماج في الاتحاد الأوروبي باعتباره القوة البازغة والمسيطرة اقتصاديا على الدول الأوروبية. ولأن تركيا تعتبر اسرائيل بمثابة الباب الأمامي والباب الخلفي المؤدي الى الولايات المتحدة, كما أن اسرائيل تملك أيضا منافذ خاصة بها الى رئاسة الاتحاد الأوروبي, من هنا جاء الالحاح التركي على الدخول في شراكة استراتيجية مع اسرائيل. ولأن لتركيا مشاكل خارجية عديدة مع الدول المجاورة لها وهي اليونان وقبرص وأرمينيا وايران وسوريا والعراق وجمهوريات آسيا الوسطى الاسلامية خاصة بالحدود والمياه والأقليات والنفوذ, وبجانب مشاكلها الداخلية وأبرزها يقظة المشاعر الاسلامية على نحو واسع بما كان له انعكاس سياسي معاكس للعلمانية التي تدين بها تركيا, بالاضافة لمشاكل حزب العمال الكردستاني الانفصالي, والأقلية العلوية, وكلاهما يلقي دعما من ايران, ناهيك عن الأزمة الاقتصادية والبطالة وتراكم الديون (140 مليار دولار) وسقوط الأحزاب المعتدلة وبروز الحركة القومية اليمينية المتطرفة (130 معقلاً في البرلمان) وانعكاس كل ذلك على ما أصبح معروفا في تركيا بـ (مشكلة الهوية), كل ذلك دفع تركيا الى الارتماء في أحضان اسرائيل من أجل مساعدتها على حل هذه المشاكل بما لها من نفوذ في الدول الغربية والشرقية على السواء. هذا بالاضافة الى حاجة تركيا الى التكنولوجيا الاسرائيلية ذات الأصل الأمريكي لتحديث قواتها المسلحة, ومساعدتها العسكرية في التصدي للدول المنافسة لها وأبرزها سوريا وايران, والاشتراك مع اسرائيل في المنظومة الأمريكية للدفاع عن المصالح الغربية في منطقة الشرق الأوسط والخليج, والاستفادة بالخبرة النووية الاسرائيلية في تطوير برنامج نووي تركي. بجانب الاستفادة أيضا باللوبي اليهودي في الولايات المتحدة لموازنة اللوبي اليوناني واللوبي الأرميني ذوي النفوذ في الكونجرس. خبير استراتيجي مصري