كيفما نظرنا للوضع السياسي الكويتي سنكتشف كم للسياسة من دور في ترتيب شئون كل مدينة والتعاطي مع خلافاتها وتصوراتها المختلفة. والعمل السياسي الكويتي ليس مختلفاً عن الإطار الأوسع للعمل السياسي العربي، وعلى الأخص الخليجي. فالسياسة في دول الخليج تعكس توازنات حساسة, وتعكس شبكة العلاقات العائلية والاجتماعية والاقتصادية. ففي منطقة الخليج لا يوجد عمل سياسي بلا بناء للوفاق, ولا يوجد وفاق بلا نوع من الصراع وأحياناًَ الصدام على القضايا الخلافية. ففي المطاف المتحرك أن بناء الاجماع على حكومة, تفوز بثقة العديد من القوى الاجتماعية والدستورية والشخصيات السياسية ليس أمراً سهلاً. فهو أمر يحتاج على الدوام للكثير من السياسة والكثير من الاستعداد للمساومة. ولكن الملفت للنظر في التجربة الكويتية ان بناء الاجماع السياسي واختيار شخصيات الحكومة وقع على مدى الأيام العشرة الأخيرة في وضح النهار ووفق ترتيبات دستورية وقانونية. وقد تم كل ذلك وسط نقاش عام يشارك فيه المجتمع ومؤسساته المدنية والعائلية. وتم كل هذا في ظل صحافة متحررة من الرقابة الرسمية, وفي ظل صحافة تعكس كل وجهات النظر وكل التحاليل والتوقعات والآراء. لهذا نجد في هذه التجربة مزيداً من المصاعب وذلك لأن تجربة بناء حكومة اجماع في ظل اجواء انفتاحية وديمقراطية ليست بالأمر السهل. فهناك باستمرار مصاعب في جمع كل الأصوات والآراء في بوتقة واحدة. بل نجد في بورصة الأسماء والتشكيل الحكومي والاختلاف على الأدوار والأسماء ما يذكرنا بعد الأصوات وإعادة عد الأصوات في الانتخابات الأمريكية الأخيرة. ومهما قلنا عن بناء الاجماع في العمل السياسي الكويتي فالتشكيلة الحكومية التي تعلن في ظل الاختلاف وقبل تسوية الخلاف يصعب أن تصمد أمام رياح المعارضة, أما التشكيلة التي تتأخر لصالح محاولة تخفيف الخلافات والوصول الى قناعة مشتركة وتذليل العقبات فهي تشكيلة تستطيع ان تصمد أمام المصاعب. فتوازنات الحكومة, وتوازنات الأجنحة في صفوف الأسرة, وتوازنات التيارات السياسية والاتجاهات في مجلس الأمة, كلها تتطلب عناية خاصة وترتيبات تسمح بالاستمرار. ففي ما نشاهد حالة خروج ودخول لشيوخ شباب وفيما نشاهد من توزيع صلاحيات وتوزيع حقائب واختلاف على بعضها يتطلب وقتاً, وذلك لأن الحكومة الجديدة ستعكس التفكير بالمستقبل كما تعكس التفكير بالحاضر. إن التأخر في الوصول لصيغة مقبولة كان أفضل من التسرع والوصول لصيغة غير مقبولة يعمل أكثر من طرف لإفشالها. وتدخل الكويت اليوم مرحلة انتقالية خاصة. في هذه المرحلة تحاول أن تستقر على حكومة تساعدها على إنجاز مرحلة انتقال حساسة. وهي مرحلة بين مرحلتين. وهي مرحلة بين جيلين. المرحلة بين مرحلتين ترتبط بطبيعة الترتيب الذي يسمح لنائب رئيس الوزراء ممارسة الكثير من صلاحيات رئاسة الوزراء, وهي ذاتها المرحلة التي تسمح ببناء حكومة لن يزيد عمرها على سنتين وذلك بحكم موعد الانتخابات البرلمانية الكويتية بعد سنتين. ولكن ما هي سياسة الحكومة الكويتية الجديدة؟ قد يكون من الصعب الجزم بسياسة الحكومة في المجالات الداخلية والخارجية وذلك قبل أن تعلن الحكومة سياستها. ولكن أجواء المشاركة وطبيعة الظروف التي تتحكم بالتشكيل تشير بوضوح لحكومة اصلاح اقتصادي وإداري. إن الكويت في أمس الحاجة للبدء بمرحلة إصلاح تساهم في تنشيط القطاع الخاص, وتحريك المنطقة الحرة, وتخفيف القيود على القطاع الخاص, وتحويل القطاع الحكومي نحو إصلاح يساهم في تخفيف البيروقراطية المؤخرة للتنمية. الكويت تجد انها على مفترق طرق, وفي هذا المجال فإن الوقوف عند المفترق ومحاولة السعي لتجاوزه يبشر بالجديد ويبشر بتجربة إيجابية مقبلة. * أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت