يوميات جزائرية،بقلم: احمد عمرابي

(رأيت زملائي يحرقون طفلا في الخامسة عشرة من عمره حيا, رأيت جنودا يتنكرون في زي ارهابيين ويذبحون المدنيين). هذه لقطة من مئات اللقطات الدموية الوحشية التي يحويها كتاب (الحرب القذرة) الذي نشر في باريس مؤخرا عن مسلسل المذابح في الجزائر التي يروح ضحيتها بانتظام يومي مرعب اطفال ونساء وعواجيز في القرى والدساكر. ولو كان حبيب سويدية مؤلف الكتاب ناشطا اسلاميا لجاز التشكك في مصداقية ما روى من وقائع يقشعر لها البدن لكن سويدية ضابط سابق بالجيش الجزائري رأى وسمع ثم هرب الى الخارج ليدلي بشهادة امام التاريخ. وهكذا ينضم كتاب (الحرب القذرة) الى تراكمات الادلة التي تدفع عصابة من الجنرالات على رأس المؤسسة العسكرية الجزائرية بأنها هي القوة الخفية التي تقف وراء مسلسل المذابح الوحشية من حيث التدبير اما على صعيد التنفيذ الميداني فان المذابح الفعلية تقوم بها فرق عسكرية تابعة رأسا للقيادة العليا او عصابتان مدنيتان تتخذ كل منهما اسما اسلاميا لاغراض التمويه ويفيدنا كتاب (الحرب القذرة) ان هاتين العصابتين ــ (الجماعة السلفية للدعوة والقتال) و(الجماعة الاسلامية المسلحة) ــ تعملان لحساب مجموعة الجنرالات ــ القوة الحقيقية التي تسيطر على جهاز السلطة بالكامل. ولكن ما الذي يدعو جنرالات المؤسسة العسكرية الى ترتيب مسلسل من المجازر اليومية او الاسبوعية لايمثل ضحاياه المعتادون من مدنيين عزل بلا اجندة سياسية وغالبيتهم من الاطفال والنساء والرجال الطاعنين في السن اي خطر على السلطة؟ ولماذا المبالغة في الوحشية كحز الاعناق كوسيلة منتقاة لقتل الضحايا المساكين.. وهم في بعض الاحيان مستغرقون في النوم ليلا؟ ان قيمة كتاب (الحرب القذرة) في هذا الصدد ليست في كشف الاسباب الحقيقية للنهج الدموي للجنرالات فالاسباب وردت عن مصادر غربية سابقا.. وانما قيمة الكتاب تتمثل في ان المؤلف شاهد من الداخل كعضو عامل في المؤسسة العسكرية يقدم رواية مباشرة. وهذه هي الاسباب وراء سياسة الذبح الجماعي المنتظم: اولا: اشاعة مناخ عام ومستمر من الارعاب المستديم لتبرير انفراد رموز المؤسسة العسكرية بالسلطة حتى ينتفي مبرر اي حديث عن استعادة النظام الديمقراطي. ثانيا: الاساءة الى سمعة (جبهة الانقاذ الاسلامية) عن طريق اقحام عصابات اجرامية في المذابح تحمل اسماء اسلامية. ثالثا: التغطية على ممارسات الفساد المالي والاثراء الشخصي غير المشروع لرموز المؤسسة العسكرية بالتحالف مع شريحة من كبار رجال الاعمال. رابعا: خدمة اجندة لقوى خارجية غربية ــ وتحديدا فرنسا والولايات المتحدة ــ تتبنى سياسة دولية لقمع التيار الاسلامي الراديكالي في شمال افريقيا مقابل ان تعزف هذه القوى عن انتقاد الطابع الاستبدادي العسكري للحكم في الجزائر. لقد تزامن صدور كتاب (الحرب القذرة) مع تحرك لمجموعة من المثقفين الفرنسيين في باريس نشروا نداء في صحيفة (لوموند) الاسبوع المنصرم اتهموا فيه الحكومة الفرنسية بالتواطؤ في (جرائم ضد الانسانية) في الجزائر ومما ورد في البيان ان السلطة الجزائرية (تقوم باستئصال كل معارضة باسم مكافحة الارهاب). ان ذبح الاطفال والنساء والعواجيز مؤسف في حد ذاته لكن المأساة تتضاعف عندما نستذكر ان هؤلاء الاطفال والنساء والعواجيز العزل ضحايا تدبير سياسي شرير ليسوا طرفا فيه بحال من الاحوال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات