العولمة كظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية, وجدت منذ سنوات طويلة مكانها على خريطة الإعلام العالمي بفضل (منتدى دافوس), الذي تم إنشاؤه قبل ثلاثين عاما, واستطاعت من خلاله الشركات الكبرى العابرة للقارات، أو المتعددة الجنسيات أن تفرض نظرتها للنمو الاقتصادي القائم على الحرية المطلقة لتنقل رؤوس الأموال بغض النظر عن خطط الحكومات المحلية للتحكم في تطور الاقتصاديات الوطنية التي تحاول أن تبني من خلالها نظماً يمكن التحكم فيها من خلال الحاجة الوطنية وليست الحاجة إلى الربح. منذ عام 1971 وتقوم الشركات الكبرى بتمويل هذا المنتدى وتجند له (آلة الإعلام الغربية الجهنمية) التي تسد الآذان من فرط الدعاية المتكررة والمكررة حول أهمية الوجود في هذا المنتدى, حتى ولو تطلب هذا الوجود التنازل عن القضايا الوطنية, فتلك الشركات تكون في النهاية (القوة المالية) التي تحتاجها أية حكومة لتنفيذ خططها للتنمية. حكومات الدول الفقيرة التي تنتمي الى ما يسمى بالعالم الثالث هرولت جميعها إلى ذلك المنتدى لتحجز لها مكانا فيه قبل ان يفوتها قطار العولمة, مع انه في النهاية سيان بين من حضر ومن لم يحضر من زعماء تلك الدول, لأن قطار العولمة مخطط له ألا يمر عبر تلك الدول إلا ليبيع لها (الدخان والسحاب) أما تكنولوجيا العولمة الحقيقية فستظل في مراكز صنع القرار في تلك العولمة. للحقيقة يمكن القول أن بعض زعماء دول العالم المتخلف يذهبون إلى دافوس ليس حبا في العولمة وما يمكن ان تدره على بلادهم من فوائد أو تيسر لهم من قروض هي في النهاية قيود جديدة تضيق الخناق على اقتصاديات بلادهم المنهارة, وإنما الهدف الرئيس من ذهابهم الظهور بمظهر المهتم بالعولمة دون معرفة حقيقية بماهية تلك العولمة أو حتى أدواتها, أو لانتهاز الفرصة والظهور في الصور التي تطيرها وكالات الأنباء العالمية بسبب وجود زعماء العولمة الحقيقيين الذين يمثلون القوة الدافعة للدعاية لها. اللعبة نفسها يلعبها الإعلام المناصر او المنبثق عن العولمة مع المعاجين لتلك اللقاءات العولمية, فهو يصورهم على انهم مجرد مشاغبين على طريقة (الهيبز) في الستينيات أو الهنود الحمر في غابات الأمازون الرافضين لدخول التكنولوجيا إلى أراضيهم بما يعنيه ذلك من الإبقاء عليهم في عالمهم المتخلف, تماما كما حدث في (سياتل) وغيرها من التظاهرات التي قوبلت بمظاهرات معادية لم تنقل وكالات الأنباء منها سوى سحابات الدخان المتصاعدة من كل الأماكن التي يمر بها المتظاهرون, وكأنهم يمثلون الهدم والتدمير مقابل ما تمثله العولمة من (بناء وازدهار) (؟!). في لقاء دافوس لهذا العام, الذي انتهى قبل أيام قليلة لم تختلف الوتيرة عن اللقاءات السابقة بكل ما تحمله من شحنة دعائية تصب في النهاية في إطار مصالح الشركات الكبرى, التي تقدم التمويل الكامل الذي يحتاجه هذا اللقاء, لتقديم كافة الخدمات المطلوبة لمزيد من الدعاية لصالح العولمة والمستفيدين منها, لذلك لم يخرج لقاء دافوس هذا العام عن غيره من اللقاءات التي جرت خلال السنوات الثلاثين الماضية, أي أن خطط الشركات العابرة تسير في اتجاهها المرسوم لها سلفا, ولا يملك أحد إيقاف قطارها في أي محطة, أو مساءلة سائقه عن الهدف النهائي الذي يبغي الوصول إليه. ربما من الأحداث القليلة في لقاء دافوس هذا العام التي يمكن أن تدل على تبدل طفيف في التنظير الذي يقدمه دعاة العولمة انهم سمعوا لأول مرة انتقادات لطريقة عملهم والهدف الذي يرمون إليه, أو يهدفون إلى دفع العالم نحوه, وان كانت هذه الانتقادات تمت على استحياء ومن خلال العمل تحت مظلة العولمة نفسها, أي دخولا في إطارها وليس تمردا عليها, ابرز تلك الانتقادات التي جاءت على لسان الهندي (فاندانا شريفا) أو ما عرضه الرئيس الجنوب افريقي (تابو مبيكي) في إطار خطته التي أطلق عليها اسم (برنامج الألفية لنهضة أفريقيا), وعدا ذلك ظلت الأصوات العالية التي تهتم بها وكالة الأنباء والإعلام العالمي لدعاة العولمة والمنظرين لها, أو المستفيدين مما تقدمه الشركات الكبرى الممولة للقاء, حتى بدا أن لقاء دافوس له الهيمنة الاقتصادية على العالم كله, في موازاة حقيقية للهيمنة السياسية التي تم عقد لوائها للولايات المتحدة الأمريكية. في ظل هذه الدعاية اللامحدودة التي قدمتها التغطية الإعلامية العالمية المدعومة من الشركات الكبرى, أقيم لقاء آخر بعيدا عن هذا المكان, يحاول جذب الأنظار نحو واقع آخر مرير ينتج عن تلك العولمة, ويقدم في الوقت نفسه بديلا يصلح للتطبيق في دول العالم الثالث أو المتخلف, ويحمي مجتمعاتها من سلبيات العولمة الناتجة عن جشع رأس المال الباحث عن الربح المادي قبل الربح الاجتماعي. كان لقاء (بورتو أليجريا) في البرازيل هو الرؤية المقابلة للقاء دافوس, والفارق في الدعاية لكل منهما أو التغطية الإعلامية لكل منهما كان في المحتوى, تماما كما في حجم تلك التغطية, وبما أن ما كان مطروحا على موائد البحث في (بورتو أليجيريا) يمثل عملا تنظيريا حقيقيا يكشف سلبيات العولمة, ويقدم بديلا يمكن تطبيقه في الدول المتخلفة اقتصاديا واجتماعياً, للوصول إلى نتائج أقرب في الاستفادة منها إلى تلك التي تستفيدها الدول المتقدمة من تطبيق العولمة كما يتم الترويج لها, أو على الأقل أفضل مما تحصل عليه حاليا الدول المتخلفة نتيجة تطبيق نظريات العولمة في هيئتها الحالية. بل يمكن القول أن لقاء (المنتدى الاجتماعي الدولي) الذي شهدته مدينة (بورتو اليجريا) البرازيلية, في الفترة من 25 إلى 30 يناير الماضي, كان التطبيق الحقيقي للبديل في مواجهة العولمة, بدلا من التظاهر ضدها بلا مضمون حقيقي, بل أن هذا اللقاء لأهميته كسب (تجاهل) الإعلام الرسمي الغربي عن جدارة, مما يعني انه شهادة نجاح له من دعاة العولمة, الذين حاولوا تجاهل ما يجري على الطرف الآخر من الكرة الأرضية, بدلا من مناقشة أطروحاته للتوصل إلى توازن يمكن أن يقي العالم المتخلف السلبيات الناتجة عن تطبيق العولمة في عالم غير متوازن في التقدم التكنولوجي. لأول مرة يخرج الرافضون للعولمة عن نطاق الدعاية التظاهرية البحتة إلى تقديم بديل واقعي وبناء قائم على دراسة علمية, ويقدم نموذجا لعولمة اقتصادية جديدة يجعل منها نظاما قابلا للتطبيق بأقل قدر من السلبيات, واكبر قدر من الإيجابيات, وليس فقط مجرد معارضة احتجاجية ضد العولمة على تلك الطريقة التي تحاول وسائل الإعلام الغربية أن تقدمها لجمهورها, للحط من قدر من يرفضون الخضوع للرؤية الأحادية, التي يحاول دعاة العولمة تطبيقها, أو فرضها على الجميع, رغم علمهم بمدى التدمير الذي يمكن أن يؤثر على الدول غير القادرة على إنتاج أو استخدام التكنولوجيا المتقدمة. لطرح مزيد من الثقة في (المنتدى الاجتماعي العالمي) كبديل للعولمة تم عقد اللقاء في مدينة (بورتو اليجريا) عاصمة إقليم (ريو جراندي دو سول) بالذات, حيث يتم منذ نحو عشر سنوات تطبيق برنامج سياسي ــ اجتماعي من وجهة نظر سياسية (يسارية ــ وسطية), تتبنى الهدف الاجتماعي من التنمية قبل الربح المادي, تمكن أصحابه من خلاله التوصل إلى نتائج باهرة على مستوى الإقليم, خاصة في مجالات التعليم والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية, أمكن من خلال هذا البرنامج أيضا, استخدام الإمكانيات المحدودة للمستفيدين منه من خلال (الميزانية المشتركة), التي تقدم الدعم لرؤوس الأموال الصغيرة الراغبة في إقامة اقتصاد محلي منتج, بعيدا عن مخاطر المضاربة وتأثير الأزمات الاقتصادية الخارجية, التي تعتبر (بعبع) العولمة وأهم سلبياتها. هذا النظام القائم على (الميزانية المشتركة) يسمح للمشاركين في التمويل, والمستفيدين منه, المشاركة في وضع الأهداف, والعمل على تحقيق تلك الأهداف, مما يجعل السيطرة على استخدام الأموال المرصودة تحت السيطرة من جانب الممول والمستفيد في آن واحد, وهذا النظام البديل لا يرفض العولمة رفضا قاطعا وتاما, بل هو مع حرية تنقل رؤوس الأموال, ولكن ليس للمضاربة على اقتصاديات الدول والجماعات المتخلفة تكنولوجيا, بل لإقامة اقتصاديات منتجة تعود بالفائدة على أصحاب رؤوس الأموال وكذلك على المستفيدين منها. يمكن معرفة هذا التوجه في (المنتدى الاجتماعي العالمي) من خلال الأوراق المقدمة للنقاش على موائد البحث بين المشاركين وأيضا في نشرات التعريف به, حيث يبدو الهدف الأساسي الذي يعمل من اجله هذا المنتدى: إقامة (اقتصاد بديل) ينتج عن تبادل الخبرات وتوثيق العلاقات بين الشمال والجنوب لصالح الطرفين, على عكس (العولمة الحالية) القائمة على استفادة الشمال كنتيجة لسيطرته التامة والكاملة, وتبعية الجنوب كنتيجة لتخلفه التكنولوجي. المنتدى الاجتماعي العالمي بلقاء بورتو اليجريا يستحق التحية والتقدير, لأنه قدم النموذج لمن يريد التقدم الاقتصادي الحقيقي والمناسب للدول النامية أو الباحثة عن النمو, وأصبحت الكرة الآن في ملعب تلك الدول وحكوماتها, وأيضا في ملعب أصحاب نظريات العولمة لتطويرها, وتطويعها لخدمة البشرية بدلا من تحقيق المكاسب لقلة على حساب الغالبية, حتى لا يتحول النقاش من حوار إلى مواجهة, ويعود العالم إلى حرب باردة جديدة بسبب إصرار قلة على الإثراء على حساب الغالبية.