يخطو ابو الرواية العربية الحديثة بوقار وثقة المبدع تسوقه هالة من مجد ونبوغ نحو عامه التسعين, وتمشي خلفه عشرات من الشخصيات اصطنعها نجيب محفوظ في رواياته, وخرجت من صفحاتها, تشع بالحياة, وتحولت الى رموز وعلامات على طريق الثقافة والحياة خلال نصف قرن من الزمان, وبها تنفك طلاسم وتنحل عقد وألغاز التحولات التي عايشتها أجيال من المصريين والعرب, سواء من اولئك الهامشيين عابري السبيل, او من المشاهير في كل المجالات. يحتفل نجيب محفوظ ببلوغه التسعين على طريقته دون صخب في هدوء يشبه اسلوبه في التعامل مع الآخرين, محتفظاً بفوران ثورته الابدية طي وجدانه, ينفخه بدأب في أبطال رواياته, ليفجر من خلالهم اخطر القضايا, ويدفعك للاشتباك معهم في جدل سخي مثمر دائماً, تنجلي معه الصورة الحقيقية للحياة بعد ان يتبدد التباسها خلف غيوم التبريرات على تنوعها. نجيب محفوظ يبلغ التسعين متربعاً على عرش الرواية, ليس بفضل جائزة نوبل, بل بفضل دأبه في صقل موهبته وقدراته الادبية, وعمق نظرته لوظيفة الأدب, ودور الروائي والمثقف في المجتمع وبفضل رسوخ ايمانه بما تخطه يداه, وقبل كل شيء صفاته النبيلة, التي تشع تواضعاً ووفاءً وصدقاً وتسامياً وترفعاً. في عامه التسعين, ورغم وهن العظم منه, يسعى نجيب محفوظ على قدميه ليلتئم شمل (شلة) اصدقاء الشباب المعروفة بـ (الحرافيش) وفيهم النجم السينمائي ضابط الفرسان السابق, والمخرج السينمائي, والأديب المتقاعد المهاجر الذي يفتقد حضوره كل خميس في أمسية لا يعكر صفوها تواطؤ على مصلحة او منفعة, ولا يفسدها التخطيط لشن حملة من حملات العلاقات العامة لمحاصرة اديب او ناقد او كاتب, من تلك الامور الصغار التي تشغل كثيراً من الادباء الصغار. يكفينا اننا عشنا عصر نجيب محفوظ ولم تفتنا متعة مطالعة أعماله, ومصاحبة ابطال رواياته وكل منا رأى في بعضها تجسيداً عبقرياً لاناس يعرفهم ومر بهم في طريقه فمن منا لم ير في السيد احمد عبدالجواد بطل الثلاثية, او سي السيد, ملمحاً من آبائه قبل ان يسرق التلفزيون معنى الأبوة الحقيقي من كل أب. من منا لم ير في حيرة وتردد كمال عبدالجواد ملمحاً من أزمة جيل من المثقفين, أكلتهم الهموم العامة للوطن, واستوطن عقلهم الشك, وتاهوا ما بين صياغة سؤال الوجود والعجز عن الوصول لطريق المعرفة. في أدب نجيب محفوظ عبق الصدق والأصالة, وتوهج الخيال, ودقة الصنعة, ورصانة المعمار والبناء حتى ان بعض النقاد يقفون عند اسلوبه النادر في استهلال الروايات وطريقة استخدامه لكلمات وافعال معينة توقظ الذهن وتنبه القارئ ليتهيأ لما سيأتي. وفي رواياته تشخيص لا يصدر الا عن عقل فيلسوف لأمراض المجتمع والمثقفين, توجهه منظومة من انبل القيم الانسانية, تعكس صورة حقيقية لنجيب محفوظ, الذي لم يملأ الدنيا صراخاً وعويلاً عندما صودرت له رواية من اهم اعماله (اولاد حارتنا) ولم يشغل نفسه بملاحقة من نشرها خارج مصر دون استئذانه وكأن شعاره: قل كلمتك وامش. سيبقى لأجيالنا القادمة من نجيب محفوظ قيمته كأديب ابدع روايات لا تنقضي متعتها وجمالها ولا تتقادم بل ستظل شواهد عصر تتجدد بمرور الزمان, كما ستبقى شخصية نجيب محفوظ قدوة ونموذجاً لكل من يسعى لتخليد اسمه في ذاكرة التاريخ.. وإن رأى البعض ان نجيب محفوظ بمثابة تولستوي الشرق فإن الحقيقة تؤكد انه يتجاوز الأديب الروسي صاحب الحرب والسلام تولستوي.