أخيرا.. اقترب من العمارة المعجزة, قرأت عنها كثيرا, وها أنذا على مقربة, للوصول مراحل, قطعها متدرجة يؤهل ويمهد, يساعد ولا يوهن القدرة, والبناء المضمون لا يسفر عن مكنونة دفقة واحدة, إنما لابد من مدارج, وما من عمارة ارتبطت بها إلا وجدت بها ذلك. إيقاع الزمن الخفى, المستجد فى العمارة المصاغة من المادة الخاصة, لابد من مدخل, يليه صحن أو دهليز, الممر الفرعونى القديم, الضيق المؤدى إلى السعة اللانهائية, جسر العبور من العادى إلى المقدس, الرحم المكنون حيث تودع البذرة, وتتخلق الحياة, مابين عمارة الجسد وعمارة المعبد تنقلت, وتذكرت وعاينت وبلغت بعضا مما أرضاه. المئذنة فى الجانب الشمالى, أجتاز باب العفو, لا أتوقف عند أى ملامح إلا ما أرصده قريبا منها, مومئا إليها مبشرا لى بظهورها مرة أخرى, كنت شفيفا, متدفقا رغم إرهاقى, مستنفرا بعض كوامن الزمن الأول, وحتى الآن لا أدرى.. هل جرى ذلك بتأثير رؤيتى لها وتحلقي العابر, الخاطف, أم لبلوغى هذا المكان الذى طالعت صوره, وقرأت عنه كل أثر متاح, توقفت فى الصحن بعد أن تقدمت ست أو سبع خطوات, ثمة شيء ينتظرنى لا أدرى ما هو بالتحديد ؟ ثمة ما ستقع عليه عينى وتدركه حواسى. لا أعرف بالضبط لكنه موحى, مبهج, مثير للكوامن, فى مكان ما هنا قامت الميضأه, أصغى إلى ما تبقى من أصداء خرير الماء, إلى النظرات المتعلقة بالقطرات, إلى طقوس التطهر بالماء قبل القدوم, العودة الإيمائية إلى أصل كل حى بالاستعانة به, هذه الأشجار, تلك النخلات, ليتنى ألم بنسبها, بسلالتها حتى أقف على النشأة الأولى, اقف فى الفراغ, متطلعا محاولا تثبيت الموجودات فى عمق البصر, أعرف أن ذاكرتى تفلت الكثير مما تدركه حواسى خلال السنوات الأخيرة, يبدو أن ما تحملته ثقيل وهذا أول المحو, أتطلع المرة تلو المرة إلى الزوايا, إلى الأركان, إلى الكتابات العربية المنقوشة فوق الحجارة, لا أراها فى أنينها, إنما فى حضورها المستمر, منذ أن كانت معان فى أذهان الفعلة الحذقة قبل أن ينحنوا ويشرعوا فى النقش, لم يكن عملا مجردا, إنما صلاة, تراتيل, هذا شأنى كلما واجهت نصا عتيقا, سواء كان حروفا هيلوغريفية أو قبطية عربية, أو آشورية, بابلية, سومرية.. مسمارية, لاتينية, صينية, أوردية أو إشارات غامضة أحدثتها أيدى كانت تضج بالحركة يوما. وتمتد لتتحسس وترتب وتعانق وترسم رموز الحياة. أرقب الخطوط والأبعاد وأفك فى الوقت عينه من محدوديتى أقطب عينى حتى أقرأ. (أمر عبد الله عبد الرحمن أمير المؤمنين الناصر لدين الله أطال الله بقاه ببنيان هذا الوجه وإحكام إتقانه تعظيما لشعائر الله ومحافظة على حرم بيوته التى أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه). أعلى الباب كتابة, ربما باللاتينية, بالأسبانية, لا أتفهمها, إضافات المنتصرين لتأكيد حوزتهم للمكان, إذا كانت نصوصا مقدسة أو لوحة تذكارية فلابد أن مضمونها متشابه, جميل أن هذه الحروف الحربية أفلتت ونجت من التدمير وغباوة التعصب, ليست تلك الخطوط فحسب, إنما هذا الأثر كله وهذا ما يجب أن أضعه فى الحسبان, أقف ما بين باب العفو الذى يتوسط الجدار المؤدي إلى الصحن المكشوف وباب النخيل المغلق, الموصد, يجب أن أمضى حتى أقصى الجانب الشمالى حيث الباب المفتوح للزائرين, لا أعرف اسمه, عنده يقف الحراس, وإلى جواره مكتب صغير لبطاقات الزيارة التى تشترى مقابل قدر معلوم. هنا يوشك التهيؤ على الاكتمال, أصبح التأهيل للإجتياز إلى الداخل, إلى صميم المكان, أستعيد خطى أبى وهيئته قبل الوضوء استعدادا لنزوله فجرا, قاصدا مسجد الحسين, ليس معقولا أن ألج هكذا, لابد من خطوة أتمم بها تهيؤى, الضوء النهارى الشفيف إنه الضوء. ضوء يحتوى حركتى منذ شروعى, ذو درجات مختلفة, وحضور مغاير, فى محطة القطار, داخل المركبة المندفعة, بل ان جسدها الكهرمانى كان يشع ضوءا ناعما وثيرا,من طبيعة خاصة, أما الضوء القرطبى الذى يلف المدينة ويكشف أبعادها فمغاير لكل ما عهدت, غير أن ما غمرنى فى الصحن المكشوف مختلف, مغاير, هذه المويجات المتدفقة ذات طبيعة خاصة. وكانت تسرى على مهل إلي, تحتوينى, تبعدنى بدقائق ومعارف لم أكن ملما منها بشىء قبل بلوغى المكان واللحظة حقا.. انه الضوء.. يجب أن أتهيأ به, وأن أتطهر وأتدثر, هكذا بدأت أتوضأ بالنور, ليس ذلك أبصر به ولا اراه, غير أنه الضوء القادم إلي والمنبعث مني, المبدد لكل عتمة. البالغ كل فج.. باب النخيل ثمة ما يؤجج عندى الحنين ويخضعنى له, من ذلك النخيل وهديل اليمام وصفير القاطرات البخارية وما بين العصر والمغرب وسائر الروائح التى سكنت حواسى, وهواجس الخواطر الوافدة من منابع مجهولة. لكل أسباب قصية, متداخلة, فاعلة. يصعب تفسيرها فى هذا التدوين, وإذا ساعدتنى الظروف فربما أفرد كتابا للحنين عندى.. لعل وعسى! النخيل عندى له الصدارة, وله منزلة وسطوة وتطمين وظلال شتى. أمره عندى قديم, لم أتوقف عند الباب المغلق, لم أتأمل تفاصيله وعلاقته بالبناء, ما تعلقت به اسمه, أحيانا يطعن الاسم على الشىء المقصود به, يحدد هويته وملامحه, عندما استعيد بعض من عرفت أو حاولت وصلهن, أجد أن الاسم يضفي خصوصية لا يمكننى تعيين مصادرها, فملامح ثريا كانت ستصبح ذات صفة أخرى لو أن اسمها مغاير, كذا مديحة أما سعاد فلأنها سعاد وكفى, هكذا بالنسبة لكل من أدركت أو اكتفيت منهن بالنظر, بل أحيانا أتوقف عنداً من أجلها ولا أعرفها, فأطلق عليها اسما من عندى, وقد يتصادف اكتمال المعرفة فأجد التطابق متحققا, أما إذا اختلف فيظل الاسم الذى منحته طاغيا, مهيمنا على ذاكرتى فيما يلى ذلك من وقت. باب النخيل.. عنده بدأت تمهلى ونظرى متجه إلى الطابور الممتد أمام مكتب بطاقات الزيارة. رجال أمن, قبعات زرقاء, وقمصان فاتحة وسراويل داكنة, ابطئ خطاى.. هكذا شأنى, قبل كل كشف, ما سبق اطلاعى على أنثى, على مكان, على بلوغ لحظة بهجة, دائمة أتمهل, فالسعى إلى بلوغ أمر أو الوقوف عليه فيه التحفز والمتعة المتفردة, ماذا بعد بلوغ الغاية, محددة كانت أو مطلقة؟ لا شيء.. لذلك أوثر حال التوقع إلا فى المكاره, وعلى أى حال فالمرء قلب, اعتبرت اجتيازى الصحن المكشوف بمثابة نقله, تمهيداً وتهيؤاً لما سأقف عليه. بعد أن دفعت مقابل البطاقة حانت منى نظرة جامعة, شاملة إلى المتدفقين صوب الداخل, جنسيات شتى, أفواج سياحية يرفع أدلاؤها لافتات ليهتدى بها من يتبعوهم, لكننى مفرد, متصل بالبناء والمكان, صلتى مغايرة لكل من يحيط بى, كأنى مالك موضع أو بيت جاء يتفقده بعد فراقه وإقامة غيره به, لا ينقصنى إلا النطق بذلك, لو أنها بصحبتى لأفضيت إليها.. لكم بدت منمنمة, متلائمة موازية لكافة ما أهوى, صريحة الطلع, بهية الصدر, لها زهور الحمام بعد الفراغ من الحب, الرفرفة والتيه على ما عداه والطيران فرحا والزقزقة, أما لون بشرتها الأصهب فيؤكد ندرتها بين سائر أجناس اليمام, ستضوى فى ذاكرتى لآماد مقبلة. تلك اليمامة الهاجرة, القريبة من الانس. أجوس بعينى. عندى يقين خفى أنها مطلعة, ملمة, ترقبنى من موضع ما, أتهيأ لاجتياز المدخل, غير أننى أتوقف مباغتا, كأنى لم أعرف أى تمهيد أو نقلة لحظة غريبة عليّ, مفاجئة مغايرة, عندما وقعت المواجهة.