تستطيع الدول الكبرى بما تملكه من أسباب القوة والبطش أن تنتصر في معاركها مع الدول الصغيرة, لكنها لا تستطيع مع ذلك أن تضمن الخروج من الحرب دون خسائر. ففي الحروب يوجد دائماً منتصر ومهزوم, وهذا صحيح, لكن يوجد أيضاً خسائر تطال المحاربين. وهي خسائر قد تفوق أحياناً من حيث تكلفتها الفعلية أهمية النصر. حين نتأمل العدد الكبير من الجنود الأمريكيين والعراقيين وغيرهم, المصابين بأمراض ناتجة عن تعرضهم لإشعاع اليورانيوم المنضّب الذي استخدم بكثافة في حرب الخليج الثانية, فلابد أن يخالجنا شعور بأن النصر الأمريكي في هذه الحرب كان مكلفاً وفوق طاقة الجميع على تحمله. فهناك مئتا ألف جندي أمريكي مصاب بواحد من الأمراض المميتة مثل اللوكيميا وسرطانات الرئة وأورام مختلفة. فضلاً عن 15 ألف جندي أمريكي قضوا بسبب هذه الأمراض. أما تكلفة الطبابة والعناية بهذا العدد الكبير من الجنود المصابين فهي لا شك تبلغ مئات الملايين من الدولارات, عدا الآلام الرهيبة التي يعاني منها الضحايا. وعلى الجانب الآخر, فإن النتائج تبدو أكثر كارثية. ففي العراق وحده توفي عشرات آلاف الأشخاص وأصيب أضعاف ذلك, في حين تنتشر في العراق والكويت خصوصاً وبعض دول الخليج بدرجات أقل, أمراض السرطان والتشوهات الخلقية للأجنة. ويشير الكثير من الباحثين والمختصين الى ان بيئة الخليج قد أصبحت ملوثة بإشعاعات اليورانيوم المنضّب, وإن بدرجات ومستويات مختلفة, بحسب قربها أو بعدها من ساحة القتال, أما مناطق العمليات في جنوب العراق وشمال الكويت, وصولاً الى الحدود السعودية, فهي أصبحت أراض, لا يستطيع أحد الاقتراب منها, ولا ينبت فيها زرع أو ضرع. ما هو اليورانيوم المنضّب ولتقريب المسألة للقارىء نقول إن اليورانيوم المنضّب (ويسمى أحياناً المستنفد أو المستهلك), هو عبارة عن نفايات نووية تنتج بعد استخلاص اليورانيوم المخصّب من مادة اليورانيوم الخام, ويدخل المخصّب في تكوين الوقود النووي اللازم لتشغيل المفاعلات أو صناعة القنابل النووية. أما النفايات فيتم التخلص منها عادة بدفنها إما في باطن الأرض أو في قاع المحيطات. لكن الولايات المحدة وبعض شركائها الأوروبيين ارتأوا انه بدلاً من استمرار التخلص منها على هذا النحو, والمخاطرة في كل مرة بإثارة حفيظة المدافعين عن البيئة الذين بدأوا ينشطون في العقود الأخيرة, فإنه يمكن الاستفادة من هذه النفايات بإدخالها في صناعة السلاح, وتحديداً القذائف والصواريخ. فمن ناحية يجري تلافي انتقادات ومطاردات نشطاء البيئة, ومن ناحية أخرى زيادة فاعلية وكفاءة القذائف والأسلحة المصنّعة. فبإمكان قذيفة مضادة للدروع من هذا النوع أن تحرق دبابة بأكملها في غضون ثوان. في حين أن القذائف العادية بالكاد تستطيع أن تعطل الدبابة. وكذلك الأمر مع الأهداف الأخرى. وقد استخدمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من هذه الأسلحة في أجزاء واسعة من العالم مثل منطقة الخليج وحرب يوغسلافيا وغيرها وبالتعاون مع حلفائها الأوروبيين. وحسبما يتضح فقد أخفى القادة العسكريون في هذه الدول عن جنودهم وضباطهم أمر هذه الأسلحة والخطورة الناجمة عنها, ما أدى الى اصابة مئات الآلاف منهم, سواء ممن كانوا مباشرة في أرض المعركة أو قريبين منها أو من ربطتهم علاقة ما بالمعركة. ولم تقتصر الإصابات على هؤلاء فقط, وانما انتقلت الأعراض الناجمة عنها الى الأطفال الذين ولدوا لآباء وأمهات تعرضوا للإشعاع. فظهرت أمراض وتشوهات خلقية غريبة في صفوفهم. ونجم عن ذلك ما بات يعرف فيما بعد بمرض حرب الخليج ومرض البلقان, الذي تسترت الدول الغربية على حقيقته وأسبابه عشر سنوات كاملة, رغم علمها الكامل بذلك. ولم تنكشف الحقيقة (أو جزء منها بصورة أدق) إلا حينما ثارت بعض الأوساط الأوروبية, بعد أن توفي عدد من الجنود الايطاليين والفرنسيين, الذين خدموا في منطقة البلقان خلال حربي البوسنة وكوسوفو, متأثرين بأمراض ناجمة عن تعرضهم لإشعاع اليورانيوم المنضّب. أما عدد الإصابات فقد اتضح انه كبير جداً, سيما أن بعضهم لم يكن يدري عن حقيقة إصابته. ندوة في العراق في أغسطس عام 1998 دعيت لحضور ندوة نظمتها وزارة الصحة العراقية حول الأضرار الناجمة عن استخدام اليورانيوم المنضّب على بيئة العراق والخليج. وقد ذهبت فعلاً الى بغداد, ولم يكن ثمة وسيلة كي نعرف قبل وصولنا ان الندوة قد تم تأجيلها الى ديسمبر من ذلك العام لأسباب فنية. غير انني ومن كان معي استفدنا كثيراً من لقاء عدد من المختصين والأطباء العراقيين وعلى رأسهم وكيل وزارة الصحة الأقدم, الذين زودونا بمعلومات غزيرة عن هذا الموضوع, وقمنا بإجراء تجربة ميدانية على مقذوف مضاد للدبابات وجد في ساحة العمليات, وعبر جهاز لقياس الإشعاع أمكننا رؤية عقرب الجهاز وهي تقفز فزعاً من جهة لأخرى تأكيداً على وجود اليورانيوم المنضّب. ثم أخذنا بعض الأطباء الى مستشفى صدام للأطفال, وبعض العيادات الأخرى كي نسمع ونرى الآثار الصحية الواسعة والمخيفة التي خلفها من أورام وسرطانات وتشوهات خلقية, سواء بالنسبة لجنود عراقيين كانوا متواجدين في ساحة المعركة وقت الحرب أو بالقرب منها, أو بالنسبة للأطفال الذين ولدوا بعد الحرب, وتصادف ان كان آباؤهم جنوداً, أو أهلهم يسكنون بالقرب من مسرح العمليات. وبعد عودتي نشرت عدداً من المقالات التوثيقية حول هذا الموضوع في الصحافة البحرينية وبعض الصحف الخليجية. ولم يكن وقتها قد سمع الكثيرون في المنطقة عن اليورانيوم المنضّب أو تأثيراته, كما لم يكن هناك تركيز إعلامي عالمي على هذا الموضوع. ولذلك فإن تلك المقالات قد ذهبت اغلب الظن ادراج الرياح. على أية حال أهم ما استخلصته من تلك الزيارة بعض الاستنتاجات المهمة عن المشكلة, أوجزها فيما يلي: 1ــ إن التأثير الإشعاعي المدمر لقذائف اليورانيوم المنضّب التي أطلقتها القوات المتحالفة لم يقتصر على العراق والكويت فقط, وانما امتد الى حيث جلبت وخزنت هذه القذائف, بما في ذلك القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة. 2ـ إن جنود القوات المتحالفة (بمن فيهم جنود بعض الدول العربية) قد تعرضوا لكميات من الإشعاع لا تقل عن تلك التي تعرض لها نظراؤهم العراقيون. وهؤلاء يمكن تقسيمهم الى اقسام حسب قربهم أو بعدهم من منطقة العمليات. ويرى بعض المختصين بأن بعض الجنود الغربيين تعرضوا للإشعاع أثناء نقلهم لهذه القذائف وتجهيزها في الطائرات والدبابات, سواء وهم على متن حاملات الطائرات أو هم في القواعد الأرضية. 3ــ إن ما يبدو من المشكلة الآن هو فقط رأس جبل الجليد الطافي أما الجبل كله فهو يكمن راقداً تحت الماء. فحتى هذه اللحظة لم تهتم الحكومات الخليجية بهذه المشكلة ولم تبدأ بتشكيل لجان أو تكليف مختصين وباحثين من دول المجلس لدراسة أبعاد وحقيقة هذه المشكلة وتأثيراتها الصحية الطويلة على السكان ودورة الحياة الطبيعية في الخليج. ولا توجد أي نشرة أو مطبوعة رسمية أو خاصة تتحدث عن آثار اليورانيوم المنضّب وحجم التلوث الذي أحدثه في البيئة, ولا كيفية الوقاية والابتعاد عن مصادر التلوث والاجراءات الواجب اتباعها. 4ــ يعتبر التخلص من آثار اليورانيوم المنضّب عملية شديدة الصعوبة والكلفة, فهذه الآثار تبقى في التربة قرابة نصف مليون سنة, وتدخل ضمن دورة الحياة الطبيعية للإنسان والنبات والحيوان. 5ــ على الرغم من أن هذه المشكلة تخص على السواء العراق وبعض دول الخليج, فإنه لا يوجد للأسف أي تنسيق أو تبادل للمعلومات أو إجراء اتصالات حول هذا الأمر, مع أن القيام بذلك من شأنه أن يقدم بعض الأجوبة عن الكثير من الأسئلة المطروحة حالياً. كما سيساعد في الوقوف على حجم الأضرار الفعلية التي لحقت بالبيئة جراء تطاير ذرات اليورانيوم المنضّب في الهواء وفي الماء وعلى الأرض خلال الحرب وما تلاها. وبعد فالواضح أن بعض دول وشعوب الخليج قد تعرضت لأبشع أنواع التدمير في بيئتها وصحتها العامة, وثمة مخاطر قد تتكشف مستقبلاً مع اجراء البحوث والدراسات والوقوف على الحالة بصورة جلية وأكيدة. وحينها قد نكتشف, وربما متأخراً, أننا تعرضنا, كما تعرضت شعوب أخرى لواحدة من أكثر الجرائم بشاعة في التاريخ.