يحدثونك عن الأنهار والبحيرات العذبة بوصفها أثمن مصادر المياه.. شرايين الحياة اللازمة لمعيشة الإنسان وبقاء الزرع والحيوان. لكن الحقيقة التي يعيشها عصرنا هي على خلاف ذلك تماما لم تعد الأنهار والبحيرات العذبة هي المصدر الرئيسي للمياه التي تستخدمها الحضارة الإنسانية في زماننا الراهن.. لا في مجالات الشرب ولا في مجالات النظافة الصحية ــ الاغتسال ولا حتى في مجال الصناعة. أو الزراعة. الحقيقة أن البشرية أصبحت في حال من التحول الجذري وعلى نطاق واسع الى مصدر آخر من مصادر المياه اللازمة للحياة وللبقاء وللحضارة في آن: هذا المصدر هو: المياه الجوفية وهكذا تغيرت الأمور وتبدلت الأحوال شرايين الحياة لم تعد مجسدة في منظومة المصادر المائية الممتدة فوق سطح الأرض. الحياة تحت الأرض لقد تحولت لتصبح شرايين تحتية ممتدة في أعماق هذه الأرض.. يلتمسها الناس في مواقع شتى وينقبون عنها ويتوسلون للحصول عليها بسبل مختلفة وآليات تتراوح من حيث التكنولوجيا المستخدمة ما بين الحفر البدائي للآبار.. البدائية أيضا إلى أحدث وسائل الحفر الميكانيكي التي يقوم على تشغيلها أبرع المهندسين. * لماذا تحول الناس عن الأنهار ومجاري المياه السطحية الى مصادر المياه الجوفية؟ ــ الأسباب في هذا السياق متنوعة ومن بينها مثلا.. أن البشرية كادت تصل بمصادر المياه السطحية الأنهار والبحيرات إلى حال من الاستنفاد الذي ينذر بالنضوب والجفاف التام من جراء الافراط في الاستخدام بغير تقنين أو اقتصاد أو ترشيد. أن الدورة المائية الكونية باتت تعاني حالة من الاختلال في التوازن بحكم ما أصاب الغطاء النباتي فوق سطح كوكبنا من اضرار وتلفيات ولاسيما بعد اجتثاث الغابات وإزالة الادغال لأغراض الزراعة أو بسبب الاستخدام المفرط بل المدمر لأخشاب هذه الغابات في الأغراض الصناعية. ويصدق هذا الاستخدام المدمر على غابات الأمازون الشهيرة في البرازيل التي تشكل أوسع وأهم غطاء نباتي في عالمنا ودورها جوهري في سلامة الدورة المائية للكون الذي نعيش فيه ومن ثم يصدق عليها وصفها الشهير بأنها الغابات المطيرة أو الغابات المطرية؟ ويؤدي هذا التدمير لتلك المخازن أو المستودعات المطرية كما نسميها إلى اختلال مواسم سقوط الأمطار من حيث المواقيت ومن حيث معدلات الهطول بما يحرم منابع الأنهار الرئيسية من نصيبها الذي كانت تحوذه عبر تاريخ البشرية من الكميات التي كانت تزودها بما يعوض عن فواقدها المائية. وهناك أيضا آفة التلوث التي اصابت الانهار وبحيرات المياه العذبة في هذه القارة أو تلك.. يستوي في هذا نهر المسيسيبي في أمريكا أو نهر الراين أو نهر الدانوب في أوروبا وقد كادا يستخدمان تحديدا كطرق مواصلات ونقل مائي بدلا من كونهما مصدرين للمياه اللازمة للحياة وللحضارة والنشاط البشري في مجالات الأغذية والزراعة. من هنا ازدادت أهمية المياه الجوفية كمصدر أساسي لتلبية تلك الأغراض. تقرير عالمي هام وفي ضوء هذه الأهمية يحرص أحدث تقرير علمي صادر منذ أسابيع على إيراد احصائيات توضحها قاصدا بذلك إلى أن توضع المياه الجوفية.. من حيث حجمها وأهميتها وأيضا من حيث التحذير من أخطارها في بؤرة اهتمامنا نحن سكان هذا العالم.. على مستوى العلماء والاختصاصين والمفكرين وأيضا على مستوى البشر العاديين. هذا التقرير الذي المحنا إليه في أحاديث سبقت صادر عن معهد رصد أموال العالم ( وورلد ووتشن) ويحمل عنوانه الشهير: ( حالة العالم لسنة 2001). وقد بلغ حجم المطبوع السنوي من التقرير أكثر من مليون نسخة في نحو 40 لغة.. ولكن يلفت النظر في طبعة هذا العام اهتمامها بقضية المياه الجوفية وإيرادها في هذا السياق احصائية بسيطة ولكن جوهرية, تقول: ــ ان أوروبا تستمد احتياجاتها التي تستخدمها في شتى الأغراض من المياه الجوفية بنسبة 75 في المئة. وأن أمريكا تستخدم مصادر المياه الجوفية بنسبة تزيد على نصف أغراض الاستخدام (51 في المئة على وجه التحديد ). ويلي ذلك استخدام المياه الجوفية في منطقة آسيا والمحيط الهادي بنسبة 32 في المئة. ثم أمريكا اللاتينية بنسبة 29 في المئة. القارة الوحيدة التي مازالت تستخدم مياه الأنهار والبحيرات العذبة بنسبة غالبة هي استراليا وهي قارة بكر من حيث الموارد وربما تكون بمنأى نسبيا ولو ضمن حد معلوم أو موقوت عن آفة التلوث.. ونسبتها في هذا الصدد لا تتجاوز 15 في المئة. ويسألونك عن أفريقيا واحصاءاتها ونسب استخدامها, أو عدم استخدامها مصادر المياه الجوفية.. وعبثا يأتيك الجواب أي جواب فلا المعلومات متوافرة ولا الاحصاءات متاحة. ولكن المتاح المتوافر.. هو النزاعات القبلية والحروب الأهلية.. وبغزارة مدمرة تعيسة في معظم الأحيان. ماذا يحدث في الهند وإذا كان التوسع في استخدامات المياه الجوفية قد جاء من خلال سبب سلبي كما قد نصفه ممثلا في تلوث الأنهار والبحيرات العذبة فإن السبب الآخر هو ذلك التوسع الانفجاري كما وصفه تقرير (حالة العالم لسنة 2001 ) في مجال الزراعة المروية. وفي الهند على سبيل المثال كان عدد الآبار الارتوازية المستخدمة في أغراض الري عام 1950 هو ثلاثة آلاف بئر فقط لا غير وقد ارتفع هذا العدد في عام 1990 ليصل إلى 6 ملايين بئر بالتمام والكمال. ومن ثم تقول دراسة متخصصة في هذا المجال ان مستودعات المياه الجوفية في الهند أصبحت هي المصدر المائي الأساسي لري خمسين في المئة من مساحات الزراعات المروية في الهند وهي, كما هو معروف, أكبر بلد به هذا النمط من الزراعة فضلا عن كونها ثالث منتج للحبوب في العالم. وبالمناسبة فهذه الدراسة المتخصصة صدرت مؤخرا في كتيب بقلم باحثه هندية مجتهدة هي الاستاذة ( بايال سامبات ) وهي زميل باحث في معهد ( وورلد ووتسن) الذي اشرنا إليه وقد حرصت على التحذير من مغبة الافراط في استخدامات مصادر المياه الجوفية وحثت في سطور هذا الكتيب الذي أصدرته (56 صفحة ) على ترشيد هذه الاستخدامات سواء من حيث الاقتصاد في كميتها أو تحليل نوعية مياهها وعدم التسليم المسبق بأنها مياه سليمة نقية لمجرد أنها مستخرجة من باطن الأرض فضلا عما حذرت منه إزاء مغبة الافراط أو الاهدار مما قد يضطر البشر إلى أن يلتمسوا المياه الجوفية في اعماق كثيفة من باطن الأرض. وقد يجدونها وقد لا يجدونها. حكمة القرآن الكريم والباحثة الهندية تحرص في هذا السياق على أن تصدر أحد فصول بحثها بآية من القرآن الكريم مترجمة بالطبع إلى الإنجليزية وهي: ( أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ) ( سورة الكهف.. أية 41 ). تشفع الآية الكريمة بحاشية تقول انها مقتبسة من ( قاموس المأثورات البيئية ) الصادر عن جامعة بليتمور بالولايات المتحدة عام 1992 وذلك باب نود أن تسترعي أنظار مثقفينا إليه كي نشهد يوما قاموسا أو معجما للأقوال أو الاحالات المأثورة في مجال البيئة يستند في حالتنا إلى آيات القرآن الكريم ومأثورات السنة النبوية واجتهادات الفقهاء والأئمة والباحثين الكبار.. مما يفيد في تعميق الوعي الايكولوجي والثقافة البيئية في فكر ووجدان قومنا خاصة النشئ والشباب والمرأة) حيث لم تعد الشئون والشجون البيئية ترفا فكريا ولا ممارسة أكاديمية ولا حتى مسئولية قاصرة على الحكومات والإدارات بل اصبحت أمرا يتماشى مع الحياة اليومية لأفراد المجتمع كله.. بل ويمتد أثره المفيد أو الضار إلى أجيال المستقبل. المياه والصناعة ونعود إلى بحث الاستاذة (بايال سامبات ) التي تضيف قطاع الصناعة إلى استخدامات المياه الجوفية حيث التوسع أكبر وأسرع وحيث الربح العائد من الصناعة أسخى وأكثر. ويكفي مثلا: ــ أن الطن الواحد من المياه الجوفية المستخدم في مجالات الصناعة يولد نحو 14 ألف دولار من حيث الناتج وهو ما يساوي 70 ضعف ما يولده في زراعة وإنتاج الحبوب.. أما النتيجة فتلخصها الباحثة الهندية حين تقول: ــ من هنا تصبح كمية المياه المتاحة للشرب محدودة لا بحكم محدودية مصادرها حسب ولكن في غمار تلك المنافسة التي تستعر من جانب قطاعات الاستخدام الأخرى وفي مقدمتها كما أسلفنا قطاع الصناعة. المياه الجوفية وكوكب الأرض على أن هذه المنافسة لا تقتصر على أطرافها المعروفة.. ما بين المصانع والمزارع والأسر المعيشية في المدن والقرى وسائر المستوطنات البشرية.وألا لهانت المسألة: أن الأمر اعمق بكثير. أن هناك دورا للمياه الجوفية ينبغي أن تؤديه وهو دور تصفه الباحثة بأنه أساسي.. وهو دور ايكولوجي بيئي بالدرجة الأولى, ويتمثل في الحقيقة الجوهرية التي نحاول تبسيطها فيما يلي: أن المياه الجوفية عنصر لا غنى عنه في الدورة الهيدرولوجية المائية لكوكب الأرض. فعندما يسقط المطر يتسرب بعض منه إلى التربة ويتخذ طريقه عبر مسامها ليفجر باطن الأرض وصولا إلى خزانات المياه الجوفية ومع مرور القرون من الزمن تقدم هذه الخزانات الطبيعية بإطلاق كميات المياه الجوفية إلى سطح الأرض, ومن ثم إلى البحر. والمعنى أن الأمطار ليست المسئولة وحدها عن تجديد مياه الأنهار والينابيع والبحيرات العذبة.. بل يشاركها في شرف هذه المسئولية مستودعات المياه الجوفية أيضا. لدرجة أن تدل البحوث التي أجريت في أمريكا مؤخرا أن الخزانات الطبيعية للمياه الجوفية تضيف إلى رصيد المياه السطحية, في الولايات المتحدة ما يوازي التصريف اليومي لنهر المسيسيبي العظيم. من ناحية أخرى فإن استنفاد, ومن ثم وصول المياه الجوفية إلى حال النضوب والجفاف يؤدي بدوره إلى تصوب مجرى الأنهار وإلى جفاف مساحات الأغوار والأهواء والبراري الناضحة بالمياه وهي الموائل الطبيعية التي تكفل معيشة وتوالد فصائل من الطيور وأنواع من الأسماك والاحياء المائية والنباتية التي تكتمل بها منظومة الحياة فوق كوكب الأرض, وهنا تسوق الأستاذة سامبات مثلا من الأردن حيث كان الافراط في سحب كميات من رصيد المياه الجوفية لاغراض ري الحقول المزروعة وتزويد العاصمة عمان باحتياجاتها المتوسعة من المياه..وكانت النتيجة, والعهدة على الباحثة الهندية جفاف أغوار منطقة الأزرق التي كانت في السابق مقصدا لأنواع معينة من الطيور المهاجرة. ثم تحيل الباحثة إلى الدراسة التي أجرتها على تلك المنطقة الأردنية هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية واكتشفت من خلالها ما أصيبت به النظم الأيكولوجية ( البيئية ) فيها من تليفات أفضت بالتالي إلى تدهور حركة السياحة على صعيدها. حماية من الفيضان ويشاء الخالق القدير جل وعلا أن يعهد إلى مستودعات المياه الجوفية بمهمة مكافئة أخرى.. ففيما نزود مجاري المياه السطحية, من جداول وأنهار بكميات من المياه, فإنها تحول أيضا دون طغيان فيضانها وحين تهطل الأمطار بغزارة إلى حد تضيق معه قدرة الأنهار أو الجداول أو البحيرات عن استيعاب الكميات المتساقطة من السماء تقوم هذه المستودعات الطبيعية باستيعاب كميات الهطول الزائدة إلى جوف الأرض ومن ثم تحفظ توازن المناسيب المتدفقة فوق السطح.. ويصدق هذا بصفة خاصة على مناطق الأمطار الموسمية في آسيا الاستوائية وشبة الاستوائية حيث تدوم مواسم أمطار المونسون الحارة الغزيرة نحو 9 أشهر من الهطول بالليل والنهار.. أما آخر الخدمات الجليلة التي تؤديها باقتدار واحترام تلك الخزانات الطبيعية الكامنة في جوف الأرض فتتمثل في أنها تكفل وسيلة مثلى لحفظ وتخزين كميات المياه العذبة دون أن يضيع منها القدر الكثير والنفيس بسبب عمليات البخر. وتلك خدمة لها قيمتها الثمينة بالذات في المناطق الحارة أو الاصقاع المعرضة لويلات الجفاف, ولاسيما في قارة أفريقيا التي تفقد في المتوسط ثلث مياهها المجلوبة من المستودعات المائية كل سنة بسبب عمليات التبخر. في ضوء ما سبق ينبغي أن نركز الاهتمام على مستوى العلم والفكر وأيضا على مستوى السياسة وصنع القرار على أهمية المياه الجوفية بوصفها واحدا من المصادر التي لم يعد بالوسع تجاهلها على ما اسلفنا وخاصة في سنوات القرن الوليد الذي نعيشه. حرب الموارد المقبلة أن أوساط العلم والسياسة أصبحت تتبع نهجا مستجدا على الفكر الاستراتيجي ويمكن أن يوصف بعبارة تقول: نهج الموارد بمعنى انه لم يعد الأمر يقتصر على صراعات السياسة التقليدية.. وعلى المنافسات العسكرية أو الاعلامية أو الايديولوجية التقليدية التي كانت شائعة خلال حقبة الحرب الباردة التي سادت العالم خلال النصف الأخير من القرن العشرين. نهج الموارد أو منظور الموارد هو الذي سوف يصوغ أنماط المنافسة والصراع الدولي مع سنوات القرن الحالي. هكذا يقول البروفيسور مايكل كلير أستاذ دراسات السلم والأمن العالمي في جامعة أمهرست الامريكية في دراسة نشرتها مجلة شهرية كرنت هستوري في عددها الصادر في ديسمبر 2000 بعنوان يقول: السياسة العالمية والتنافس على الموارد في القرن الحادي والعشرين وبين دراسة الباحثة الهندية والاستاذ الأمريكي يظل الحديث موصولا بإذن الله.