يستمد النظام السياسي الإسرائيلي شرعيته من الاستيطان ويتم توظيف كافة المؤسسات والهيئات والأحزاب لصالح هذا الاستيطان وتكتسب المؤسسات الأمنية أهميتها القصوى في ذلك, وهي تعتبر بحق اليد العليا في حسم القرار ، وصناعته.. وحتى يتم التناول التفصيلي لهذا النظام السياسي نبدأ أولا من محاولة وضع دستور مكتوب, والقوانين ذات الطبيعة الدستورية وتنظيم وتحديد العلاقات بين السلطات. محاولة وضع دستور مكتوب من المعروف أن إسرائيل ليس لديها دستورا مكتوبا حتى الآن رغم المحاولات المتعددة لذلك, حيث كانت المحاولة الأولى عند صدور قرار التقسيم حيث شكلت الوكالة اليهودية بفلسطين, لجنة من فقهاء القانون برئاسة البروفيسور (ليوكوهين) لتحضير مشروع للدستور, وبالفعل عرض المشروع على المجلس المؤقت للدولة ونشر هذا المشروع في 9 ديسمبر 1948. وفي 13 يونيو ,1950 أصدر الكنيست قرارا بتأجيل وضع الدستور مع الإشارة لأهمية أن يكون لإسرائيل دستور, وكانت الأحزاب الدينية أعلنت معارضتها لمشروع الدستور لأنه لم يتخذ التوراة مصدرا للتشريع, كما عارضه حزب (المابام العلماني) لاعتراضه على عبارة (الإله القادر القوي) وتعويضا عن عدم وجود الدستور نص قرار التأجيل على تشكيل لجنة لتحضير مشروعات وقوانين عادية تتضمن أحكاما دستورية. ومن المعروف أن حكومة ايهود باراك التي تشكلت عقب انتخابات الكنيست في دورته الخامسة عشرة عام , 1999 قد كلف رئيسها بعض الخبراء بتحضير مشروع للدستور لمناقشته فيما سمي بثورة العلمانية أو الثورة المدينة, وأشار لأهمية الزواج المدني, والغاء الدين في بطاقات الهوية وتشغيل طيران العال يوم السبت بعد أن كان محرما وربما تغيير النشيد الوطني (هاتيكفا) لأخذ فلسطينيي 1948 في الحسبان كمواطنين في (دولة إسرائيل). وهناك مجموعة من القوانين ذات طابع دستوري يأتي على رأسها: قانون الكنيست, أراضي إسرائيل, رئيس الدولة, الحكومة, الجيش, أملاك الدولة ومداخلها, القضاء, مراقب الدولة, قانون العودة, قانون مساواة المرأة بالرجل, قانون الجنسية, قانون التعليم, قانون الخدمة الوطنية والأمن القومي, قانون الانتقال من الانتداب البريطاني إلى الدولة حسب قرار التقسيم وما تلاه من استيطان وضم أراض. ومن المعروف أن الأساس القانوني لقيام (دولة إسرائيل) كان في 29 نوفمبر 1947 حيث قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة وجوب إقامة دولتين على أرض فلسطين: دولة يهودية ودولة عربية, على أن يكون ذلك قبل أكتوبر ,1948 وهكذا قسمت فلسطين بحسب خريطة كانت مصاحبة للقرار الصادر. وفي 14 مايو ,1948 حدد بن جوريون في (اعلان الاستقلال) الذي قرأه أمام(مجلس الشعب) في تل أبيب أهداف الدولة بما يلي: (دولة إسرائيل ستكون مفتوحة للهجرة اليهودية ولجمع الشتات وستعمل على تطوير البلاد لصالح كافة سكانها), وقد جاء ذلك المعنى في نص قانون العودة (يحق لكل يهودي أن يهاجر إلى إسرائيل وأن يستقر بها). ومن أجل تنفيذ ذلك الغرض, أصدر مجلس الدولة المؤقت مرسوم أنظمة الحكم والقضاء لسنة 1948 التي كانت سارية المفعول في فلسطين حتى 14 مايو ,1948 وتعديلها بما يتلاءم مع قيام الدولة الإسرائيلية. فيما بعد تم الإقرار بأنه هناك قوانين لا يتم تعديلها إلا بتوفير ثمانية من أعضاء الكنيست, وبعد سنتين من قيام الدولة, سنت إسرائيل القوانين اللازمة لتحقيق أهدافها الاستيطانية والاحلالية والعنصرية, فكان قانون العودة ,1950 قانون أملاك الغائبين لسنة ,1950 قانون أملاك الدولة لسنة ,1951 قانون الجنسية لسنة ,1952 قانون استملاك الأراضي لعام 1953. وبمرور الوقت, تزايدت القوانين الإسرائيلية, وازداد الاعتماد على التشريع اليهودي القديم وأبطلت وتقلصت قوانين السلطة العثمانية والانتداب الانجليزي, وعبر ذلك تم تكريس الهوية اليهودية للدولة, كما تم بناء الأساس القانوني لها وفي القلب منه النظام القضائي الإسرائيلي. السلطة القضائية تعتبر السلطة القضائية في إسرائيل طبقا للقانون رقم 5713 لعام 1953 مستقلة استقلالا تاما عن كل من الكنيست والحكومة, و(يعتبر الجهاز القضائي في إسرائيل امتدادا لما كان متبعا في فترة الانتداب, مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة). وتمثل المحكمة العليا في إسرائيل أعلى سلطة قضائية يرأسها أكبر القضاة سناً وتتشكل من تسع قضاه دائمين منهم قاض متخصص في الشئون الدينية, وقاض ممثل للطوائف الشرقية, وأضيف مقعد للمرأة عام 1982. وتتمتع المحكمة العليا بصلاحيات واسعة في جميع القضايا المدنية والجنائية. ويتم تعيين أعضاء المحكمة العليا من قبل رئيس الدولة بناء على ترشيح لجنة مكونة من 9 أعضاء (رئيس المحكمة العليا + 2 من رجال القضاء من المحكمة العليا + 2 من أعضاء الحكومة منهم وزير العدل + 2 من أعضاء الكنيست + 2 من المحامين) ومن المعروف أن وزير العدل هو نفسه رئيس المحكمة العليا. والمحكمة العليا هي الجهة الوحيدة المنوط بها حركة تنقلات رجال القضاء, كما يوجد إلى جوار تلك المحكمة العليا محاكم اقليمية وتخصصية (5 محاكم اقليمية مركزية +30 محكمة صلح + محاكم الشباب + محاكم الصلح الخاصة بوسائل النقل محاكم العمل, محاكم الإيجارات). بالاضافة إلى ذلك فهناك المحاكم الدينية وجهاز القضاء العسكري والمحاكم الانضباطية لمستخدمي الدولة. وهكذا يتكون الهيكل القضائي الإسرائيلي من محاكم الصلح (درجة أولى تفصل في الدعاوى المالية التي لا تزيد قيمتها على75.000 شيكل, وتفصل في دعاوى التصرف وحيازة الأراضي والعقارات, والدعاوى الجزائية والجنح والمخالفات, ويحق لها أن تفرض عقوبات مالية وأن تحكم بالحبس بما لا يزيد على 7 أعوام). بعد ذلك يأتي دور المحاكم المركزية وهي موجودة في القدس وتل أبيب والناصرة وبئر السبع. وفي كل محكمة عدد من القضاة يتلاءم مع كثافة الدعاوى المقدمة إليها ومع عدد سكان الاقليم ومهمة المحكمة نظر القضايا المستأنفة والصادرة عن محاكم الصلح. ونظر الجرائم الكبيرة التي عقوبتها الموت أو السجن أكثر من 10 سنوات وعندها تتشكل من ثلاثة قضاة وتكون قراراتها بالأغلبية بعد ذلك يأتي دور المحكمة العليا في القدس حيث تتألف من 11 قاضيا وصلاحياتها تشمل الدولة بجميع أجهزتها, وسكانها, ومؤسساتها, وسلطاتها. ولها رئيس ونائب يديران شؤونها ويوزعان العمل والقضايا بينهما. وفي معظم القضايا, تنظر المحكمة العليا بهيئة مؤلفة من ثلاثة قضاة. وفي القضايا ذات الأهمية القصوى, يجوز لرئيس المحكمة أن يأمر بأن تنظر بخمسة قضاة. محكمة العدل العليا يتم التوجه إليها بالتماس, لأن قرارات المحكمة العليا مبرمة, وإذا رأت توفر شروط الجدية في الالتماس تسير في القضية حسبما ترى. وحتى نعطي تفصيلا أكثر للمحاكم الدينية في إسرائيل سوف نجدها محاكم دينية يهودية على درجتين محاكم بداية في ظل لواء ومحكمة استئناف وصلاحيات هذه المحاكم تمتد لتشمل قضايا الزواج والطلاق والنفقة وإدارة وإنشاء الأوقاف اليهودية وهي تشمل كل يهودي مقيم في إسرائيل حتى ولو لم يكن إسرائيليا ومحاكم شرعية إسلامية ومحاكم دينية مسيحية ومحاكم درزية. ويهمنا هنا النظر إلى علاقة السلطة التنفيذية وفي القلب منها الحكومة بالسلطة القضائية, حيث أنها علاقة متشابكة ومعقدة رغم الاستقلال, وذلك لأنها تتم عبر ثلاثة خطوط منفصلة لكل دور ومهمة في التواصل والرقابة في نفس الوقت: * المستشار القضائي للحكومة ووظيفته المسئولية عن التشريع من قبل الحكومة وكذا عن الاستشارات القانونية للحكومة وأجهزتها ومؤسساتها, كما أنه من الممكن أن يشارك في الاجراءات الهامة المصحوبة بالفتاوى القانونية مثلما حدث في مفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية, والإسرائيلية الفلسطينية, والإسرائيلية الأردنية. * محكمة العدل العليا وهي المنوط بها الحفاظ على حقوق المواطنين أمام السلطة, كما أنها تمتلك حق التدخل في القضايا السياسية مثل قرارها بعدم قانونية الاستيطان في مكان ما وإجبار الحكومة على عدم البث التلفزيوني يوم السبت, كما أنها ألغت قانون الكنيست الخاص بتمويل الأحزاب لعام 1969. * لجان التحقيق القضائية: وهي مؤسسة قضائية يتم تعيينها من قبل الحكومة لفحص قضية محددة مثل لجنة أجرانات ولجنة كاهانا. وهكذا عبر الخطوط الثلاثة تلك يتم نسج علاقة الندية والاستقلال بين السلطة التنفيذية والقضائية. * كاتب وباحث سياسي مصري