في كل مرة يتعكر صفو العلاقات بين أوروبا وإسرائيل يَهُّبُ مركز الدراسات الاستراتيجية الاسرائيلي (يافي) لانقاذ تلك العلاقات بعمل (أكاديمي) ظاهره البحث عن الحقيقة العلمية أو التاريخية وباطنه المزيد من إشعار المجتمعات، الأوروبية بعقدة الذنب, وبالتالي تحفيز الرأي العام الأوروبي لدعم ممارسات اسرائيل في محنة الشعب الفلسطيني الراهنة وهو يوحّد فصائله وقواه في ثورة عارمة تريد إسرائيل تسويقها كانتفاضة وما هي بالانتفاضة. إنها حرب تحرير وهبّة غضب وكرامة ضد استعمار محتل... آخر استعمار على وجه الأرض بعد استقلال كل الشعوب. ويهّب مركز (يافي) وقسمه التاريخي هذه المرة ليؤكد ان (نابليون وعد اليهود بدولة في فلسطين منذ حوالي قرنين...) وقد كنت منذ سنوات عرضت هذه القضية بما أتيح لي من وثائق في جامعة السوربون ووضحت مقاصد اسرائيل من الترويج لهذه الأطروحة عام 2001, وفي مناخ سياسي أوروبي يتميز باستقلال نسبي ولكنه حقيقي عن الموقف الأمريكي, فالرأي العام الأوروبي عامة والفرنسي تحديداً بدآ يعيدان قراءة نكبة فلسطين ومشروعية ثورة فلسطين ضد القمع والاضطهاد والعنصرية والميز العنصري المقنن والمنظم. ولعله من المفيد التذكير بصدور كتاب في باريس منذ بضع سنوات بعنوان (بونابرت في الأرض المقدسة) كتبه صحفيان الأول فرنسي هو جاك دوروجي والثاني اسرائيلي هو هيسي كرمل الذي تحمل أيضاً مناصب دبلوماسية في اسرائيل. وبالطبع لم يأت الكتاب ليخدم الحقيقة التاريخية بل هو يندرج في مخطط اعلامي واتصالي مدروس غايته تبرير الصهيونية الحديثة وربط الصلة (التاريخية) بين فرنسا والحركات اليهودية, وقد أعيد نشر هذا الكتاب منقحاً هذه الأيام حيث اقتضت ثورة الأقصى وانتصار شعارات المقاومة العودة لتحريك رمال (العلاقات التاريخية) بين الصهيونية والقارة الأوروبية بطريقة تختلف عن إثارة (مذابح الهولوكست) التقليدية. والكتاب يتحدث عن حملة نابليون على مصر والشام في العام 1798 مُسلطاً الأضواء على (واقع التخلف العربي الإسلامي في ذلك العام) ومؤكداً على موقف الجالية اليهودية من دخول الجيش الفرنسي النصراني الى أرض الإسلام, فُيظهر لنا تلك الجالية فرحة جذلانة مساندة للمد الصليبي الجديد. وهنا يفتري المؤلفان على الحقيقة الموضوعية لأنهما يعممان أحداثاً منعزلة على كل الحملة, إذ لا يخفى على المؤرخين المحايدين استمرار الخوف اليهودي من التطرف النصراني وبقاء الرعب اليهودي في ذاكرة اليهود منذ قرون حيث كانت محطات الاضطهاد النصراني لليهود كثيرة جداً وأهمها محاكم التفتيش الاسبانية بعد سقوط غرناطة والاضطهاد النازي الألماني في الحرب العالمية الثانية, وقبل هذه وتلك ما نال اليهود عام 1096 حين دخل الصليبيون بيت المقدس مخربين وقَتَلَةً... للمسلمين واليهود على السواء. وهذا الكتاب يذكرنا بما طرحته مجلة (هستوريا) الفرنسية من (اطروحات) تقول إن نابليون وعد اليهود بدولة قبل بلفور. والبحث المذكور هو انموذج لتوجيه التحقيق التاريخي الموضوعي لخدمة أغراض اسرائيل بطريقة تعتمد خلق الحدث من عدم, وتحميل التاريخ ما لا يحتمل ثم اعطاء القضية أبعاداً عقائدية يستعملها الإعلام الصهيوني ويسوقها لمزيد من احتلال العقول الأمريكية والأوروبية, بل وربما العربية في مشروع التطبيع المشبوه. انطلقت هذه البدعة التاريخية من يوم عثور المؤرخ الفرنسي اليهودي بول جيفنسكي على خمسة سطور في الصفحة الأولى من جريدة فرنسية هي (لاجازيت ناسيونال) صدرت بتاريخ 22 مايو 1799 ـ تاريخ الحملة على مصر وحين كان الجنرال كليبر يخلف بونابرت في قيادة الحملة. جاء في هذه السطور ما يلي: (تركيا ــ القسطنطينية ــ أصدر بونابرت بياناً دعا فيه كل يهود آسيا وأفريقيا الى الانضمام لصفوفه وتحت رايته لاستعادة القدس القديمة. وقد أمد بونابرت عدداً من اليهود بالسلاح بل وهددت كتائبهم حلب وضواحي دمشق من أمصار الباب العالي...). هذه هي الأسطر الخمسة لا غير. فكيف استخلص المؤرخ ان نابليون بونابرت وهو في حالة حرب ضد العرب والمسلمين في الشرق كان يخطط لإقامة دولة يهودية في فلسطين التي يدعي الصهاينة انها أرضهم الموعودة؟!