أمضينا أيام الأسبوع الماضي فضلة خيرك, في ضيافة مدينة قابعة في وداعة بجنوب مصر يصدق عليها بيت شهير من الشعر المعاصر يقول عنها: بلدة الشمس والجمال كيف لا تنجب الرجال والكلمات من شعر العقاد والمدينة هي أسوان مسقط رأس العقاد وحبه الأول والأعمق, كما قد نتصور لأسوان في وجدان الجيل المخضرم الذي ننتمي إليه مكانة خاصة من نواح شتى, كيف لا وهي تستدعي إلى الخاطر ذكريات وسوانح وتداعيات شتى, آخر مرحلة من عنفوان نهر النيل, عند آخر الجنادل الصخور الجرانيتية المفعمة شموخا وصلابة, نابتة في مجرى النهر العظيم منذ الأزل يقول الجغرافيون أنها تعوق المجرى, ولكنك تحس أنها ما برحت في حالة غزل بينها وبين التيار المتدفق القادم من بحيرات خط الاستواء الكبرى والمتجدد خصوبة وشبابا وعنفوانا من مرتفعات الحبشة حيث لحظة الاقتران التاريخي والجغرافي المشهور بين النيل الأبيض القادم من الجنوب وبين النيل الأزرق المتدفق من الشرق, هو نقطة منعطف المقرن بالميم المضمومة والقاف الساكنة عند مدينة الخرطوم, المجرن كما ينطقها أهلنا الطيبون في السودان, وكم استغرق تأملها ساعات من جانبنا, كأنها تسابيح روح أو ترانيم وجدان كلما كان يتاح لنا في أيام طيبة طوال زيارة السودان, فيما لايزال يحز في النفس أن لم تتح لنا الظروف زيارة منطقة بحيرة تانا في الحبشة وقد أمضينا فترة تكاد تقترب من العام في أثيوبيا خلال مرحلة العمل الدولي في آخر عقد الثمانينيات. في أسوان أنت تنزل في ضيافة مشتركة تتردد في تضافرها أسماء هي الآن أقرب إلى الرموز ومن ثم يحق لك أن تتساءل ما الذي يجمع بين أسماء حابي الاسم الهيروغليفي القديم للنيل (وهو جيون أو غيون عند أهل الحبشة) وبين رمسيس الثاني, وأجاثا كريستي وأغاخان وصدقي سليمان وعباس العقاد, وجمال عبد الناصر. تلك ضفيرة تتألف بالضوء المستمد من تاريخ زاهر ومن واقع مازال نابضا يتنفس بالحياة, وإذا كانت هذه الأسماء تشير إلى الماضي وبعضها يؤمئ إلى الحاضر فإن ثمة أسماء تومئ بالضرورة إلى المستقبل وخاصة حين تنقلك الحافلة على موقع يقارب حدود السودان إلى أقصى الجنوب من أقليم مصر, وهناك يتردد اسم (توشكا) أحدث مشاريع الانماء الأخضر, تعايش خلية عمل دؤوب بالليل وبالنهار, وتطالع الوجوه السمراء لشباب المهندسين والعمال, وهم يمهدون لعمل شامخ في مجال هندسة الري الحديث هو قناة الشيخ زايد بن سلطان هناك أيضا تحس بعز العروبة وعمق أصرة الانتماء وتعايش الترجمة الحقيقية لما سبق إليه العم عبد الناصر حين وقف في لحظة تحويل مجرى النيل 15 مايو 1964 ليؤكد من جديد أن السد العالي في أسوان هو في التحليل الأخير ملك للأمة العربية كلها ورمز لتصميم هذه الأمة والشعب المصري في القلب منها على أن تعيد بالإرادة صياغة مستقبلها. أشرف ما في هذه العبارات أنها لم تبق معلقة في متون البلاغة أو في أهاب الشعارات, بل ها أنت تراها رأي العين مترجمة إلى واقع يقول هنا جاء الرجال, من جنوب الصعيد وكان ذلك في ستينيات القرن الماضي: تزاملوا مع الروس الذين جاءوا من بلاد الثلج والقباب إلى بلدة الشمس والجمال ما أسرع ما تعلمه الصعايدة من الروس وما أعمق الصدامات التي جمعت بين حراجي القط بطل رائعة عبد الرحمن الأبنودي وبين فيدروف أو سيرجي, أو كالينين الذين ما أن عاونوا على إنجاز السد العالي وشاركوا في نصب توربينات الكهرباء العملاقة حتى سلموا المرفق المائي العالمي ومرافق محطات التوليد إلى الصعايدة من مهندسين وفنيين وعمال, وحزم الروس حقائبهم وتعانقوا مع رفاق المرحلة, وتندت مآقي الرجال بدموع الإنجاز في لحظة الوداع وعاد الروس إلى بلادهم ومازال الصعايدة يديرون الأمر كله, وقد اعتلوا معنا متن السد العالي, وهبطوا بنا إلى قاع محطة التوربينات حيث تلاحظ أن كل شئ منضبط, دقيق, مرتب ونظيف أنظر من حولك وتأمل كل بقعة في أسوان, زرناها في فترة الصبا الأول البعيد, كان ذلك منذ أربعة عقود من الزمن أو يزيد, كانت بلدة صغيرة أكثر من متواضعة, ثم عاودنا زيارتها خلال حقبة بناء السد العالي لأداء مهامنا الاعلامية للمبعوثين من إذاعة صوت العرب, فإذا بالبلدة الصغيرة, وكانت في الزمانات كما يقول اللبنانيون أشبه بالمنفى يرسلون إليه الموظف المهمل لزوم الإنضباط والتأديب أو يسوقون إلى طقسها القائظ أو أسلوب معيشته القاسي الخصوم السياسيين أيام حكم أحزاب ما قبل ثورة 23 يوليو إذا بأسوان تتحول إلى مشغل كبير, وكنت تنزل من قطار عربات النوم الدولية في محطتها فتطالعك من ميدان المحطة لافتة تقول (يابناة السد, باق من الزمن كذا يوم) وكانت أيام اللافتة ومواقيتها في حال متواصل من التناقض المبارك المبشر باقتراب لحظة الإنجاز يوما من بعد يوم. ثم زرناها في الثمانينيات في رحلة سياحية عائلية اقرب إلى زيارة المجاملة أو التحية العابرة, ثم ها نحن نعاود الكرة كما المحنا في الأيام القريبة الماضية, في زيارة أقرب إلى التأمل واستجماع كل ما استوعبته الذاكرة في الماضي, وها هي اسوان يأتي اليها زائرها العتيد كاتب السطور, وقد جلل المشيب الفودين وعانى من زمانه ما عانى . .ومع ذلك تظل اسوان عروسا أبنوسية دائبة الشباب, واعدة بأمل متجدد عريض, هو أمل العمل ورؤيا المستقبل كانت الزيارة ضمن وفد من نقابة الصحفيين المصريين ولا تتصورون من كلمة وفد أن كانت زيارة رسمية ولا بروتوكولية, صحيح أن التقى أهل الزيارة بالمسئولين الرسميين عن الحكم المحلي سواء في مدينة الأقصر أو محافظة أسوان, إلا أن الرحلة كانت والشهادة لله أقرب إلى الاستجمام منها إلى زيارات العمل التي يعرفها ويكابدها من يعرف عناء العمل الصحفي ومشاقة هذا الجانب هو الذي أتاح للزيارة أن تتحرر من ضوابط العمل الرسمي أو التكليفات المهنية أنت تزور وتشاهد وتفكر وتحاور وتنقد وتتأمل وقد تختزن من المشاعر الرؤى ومن الملاحظات والأفكار ما قد يصلح أو لا يصلح لتدوينه يوما على أديم الصفحات. واللهم لا اعتراض ولا تثريب على الزائر أو السائح أن يشاهد ويستمتع فهذا حقه على نفسه, ولكن الكاتب أو الصحفي يذهب ويعايش التجربة ويعود وقد اضطربت في فكره احصاءات وحقائق وملاحظات وأرقام وتحقيقات ومقارنات وهذا واجبه امام مهنته وامام جمهرة القارئين. وعندنا أن الكتابة عن زيارة هذه البقعة الاسوانية من وادي النيل لا تدخل في أدب الرحلة ولا في باب السوانح أو الخواطر أو الذكريات, ولكنها تدخل بالاحرى في باب الرصد المكثف لتجربة عربية في مجال التنمية الشاملة التي جعلت الانسان محورها واستطاعت ان تثبت كيف ان الانسان العربي قادر على الانجاز وكفؤ في التعامل مع ما استحدثه العصر في باب العلم والادارة والتكنولوجيا, وان هذا الانسان في مشرق الوطن العربي ومغربه, وهذا هو الأهم في رأينا لا يضيره قط أن يتعلم من تجارب ومهارات الآخرين الذين سبقوا أمتنا على الطريق, ومن ثم فهو يضع حصيلة ما تعلمه في خدمة التطور والتنمية في الواقع وللمستقبل ويظل هذا كله محاطا بعبق التاريخ القديم والحديث على السواء, تلمع وتختفي في اطاره اسماء الكوكبة التي أوردناها في صدر هذا الحديث, مابين اجاثا كريستي الى رمسيس ونفرتيتي اقرب الزوجات الجميلات الى قلبه كما يقول النقش الهيروغليفي على مثواها الجميل بنقوش مازالت متألقة بألوانها الزاهية في الأقصر, وكما تؤكد ايضا الكتابة القديمة على تماثيلها في أبوسمبل جنوبي أسوان فاذا جاوزت تمثال العقاد وأنت تصعد ربوة إلى جنوب المدينة, يسلمك الطريق الى ميدان نظيف متواضع يحمل اسم المهندس صدقي سليمان الذي اضطلع بانجاز مشروع السد العالي وحين تصل الى استراحة الكهرباء الكبرى كما يسمونها وهي بدورها مبنى حكومي متواضع بدوره ولكنه مريح تحفه أشجار باسقات مترعات بعافية الخضرة, تستقبلك وجوه النوبة الباسمة باستمرار وبعد أن يحيوك يحرصون على أن يقدموا اليك العم جمعة, هو الشيف, كبير طباخي الاستراحة, يقترب من الخامسة والسبعين, وجه يطل على الحياة في صلابة الجرانيت, يجمع الوجه بين السمرة الاينوسية وبين اخاديد العمر النوبي وبياض المشيب الذي اشتعل في كل مكان, لماذا يحرصون على أن يعرفوك على العم جمعة؟, لانه كان الطاهي الخاص لجمال عبدالناصر حين كان يزور أسوان ومعه ضيوفه من الزعماء والرؤساء. تسأله في رفق ويدور حوار: ـ هل كان له مطالبه الخاصة في الطعام؟ ـ ابدا, كان الطعام كالمعتاد وكنت اختاره بنفسي كما أفعل معكم اليوم. ـ طبعا كنت سعيدا ياعم جمعة وأنت تصعد الى الطابق الثاني حيث كان يقيم عبدالناصر وتحييه. ـ لا,! ـ كيف؟ ـ لأنه كان هو الذي ينزل خصيصا الينا لكي يحيينا بنفسه ويشكرني ويشكر العمال, ومازال الحديث موصولا