EMTC

لماذا فاز شارون وإلى أين من هنا، بقلم: جيمس زغبي

طرح معظم كتّاب المقالات الافتتاحية والمعلقين السياسيين الأمريكيين رداً سهلاً على السؤال الذي يدور حول السر في انتخاب الاسرائيليين ارييل شارون رئيساً للوزراء. وهو أن تلك غلطة ياسر عرفات. وشأن نظرائهم الاسرائيليين الذين التقط هؤلاء المحللون الأمريكيون طرف الخيط منهم, فقد مضوا الى القول إن عرفات هو الذي خلخل وضع باراك وان العنف الفلسطيني هو الذي جعل الاسرائيليين يديرون ظهرهم للسلام. ووفقاً لهذا التقويم فإن باراك قدم أكثر مما ينبغي, وخذله عرفات. هذه هي الرؤية التي تشترك فيها الولايات المتحدة واسرائيل, لكنها خاطئة. وفي الحقيقة فإن هناك عاملين حسما نتيجة هذه الانتخابات, العامل الأول هو باراك نفسه, فقد كان الى حد كبير هو الذي تسبب في سقوط نفسه, لأسباب تتعلق بالحياة السياسية الداخلية في اسرائيل. العامل الثاني هو ما قام به ارييل شارون, الذي غرس بذور هذه الهزيمة المحددة التي منيت بها عملية السلام في السبعينيات, عندما أطلق شرارة البدء لمشروع هائل لبناء المستوطنات, الأمر الذي أفضى الى اعتقاد الكثير من الاسرائيليين ان بمقدورهم ان ينالوا السلام والثمار التي جنّوها بوسائل سيئة. وينبغي أساساً وفي المقام الأول ملاحظة أن باراك كان مسئولاً الى حد كبير عن الهزيمة التي مني بها, وخلال الوقت القصير الذي أمضاه في الحكم أصبح انعكاساً للرجل الذي كان قد اكتسحه في انتخابات 1999, وهو بنيامين نتانياهو. وقد قام باراك, شأن نتانياهو, بقطع الجسور بينه وبين حلفائه السابقين, وأصبح ينظر إليه على أنه شخصية أوتوقراطية معزولة بصورة متزايدة. وما نسيه من يسمون بالمحللين على نحو ملائم لهم هو أن باراك قد أجبر على خوض هذه الانتخابات لأنه قد خسر ائتلافه الحكومي وفقد دعم معظم اعضاء الكنيست الاسرائيلي, ثم لعب أوراقه السياسية بشكل خاطىء بالدعوة الى انتخابات مفاجئة, على أمل احراز سريع قبل أن يتمكن خصومه من تنظيم صفوفهم. لم يؤد فوز باراك على نتانياهو في انتخابات عام 1999 الى افراز تفويض حقيقي, وخلال عامه الأول في منصب رئيس الوزراء راوح بين الأحزاب الاسرائيلية المتنافسة محاولاً تشكيل ائتلاف يحظى بالأغلبية في الكنيست. وعندما حاول انقاذ علاقته بحزب شاس الديني المتطرف (الذي يعد ثالث أكبر تكتل حزبي في اسرائيل) فقد تأييد حزبين علمانيين يساريين, وفي وقت لاحق, عندما رفض الاستسلام لمطالب شاس فيما يتعلق بقضايا الميزانية والقضايا الاجتماعية فقد تأييد هذا الحزب كذلك. ونتيجة لهذا فإنه فقد حكومته الائتلافية حتى قبل أن يمضي الى قمة كامب ديفيد التي عقدت في يوليو الماضي. عند ذلك المنعطف أثار باراك دهشة الجميع بإعلان انه لن يخطب ود الجماعات الدينية وانه يريد بدلاً من ذلك ان يقود (ثورة علمانية) دعا حزب الليكود اليميني المتطرف (ولكن العلماني) للمشاركة فيها. كلفت كل هذه الغرائب مجتمعة باراك ثمناً باهظاً, فهو لم يفقد فحسب ستة من أعضاء مجلس وزرائه ممن استقالوا من مناصبهم, وانما فقد كذلك ثقة الكثيرين في حزبه ممن شرعوا في مقارنته على نحو غير محبذ مع نتانياهو, و خسر تأييدهم أيضاً. وبيما هذا كله يحدث, كان براك يحاول مع الولايات المتحدة التوصل الى اتفاقات سلام شاملة إما مع سوريا أو مع الفلسطينيين. ومن المستبعد ان يكون قد حظي بالشعبية التي سيحتاج اليها للترويج لمثل هذه الاتفاقات. وهذا هو السر في انني خلال تلك الفترة قد دعوت الرئيس كلينتون مراراً وتكراراً الى المساعدة في تغيير الرأي العام في اسرائيل باتجاه تحبيذ السلام قبل محاولة التوصل الى صفقة في كامب ديفيد. ولم تكلل جهودي بالنجاح لأن الحكم الذي صدر في اسرائيل والولايات المتحدة كان قوامه أنه اذا قبل الفلسطينيون الصفقة المعروضة عليهم فإنها ستؤدي في وقت واحد الى زيادة هائلة في دعم الرأي العام في اسرائيل للسلام والى دعم مكانة باراك. وهكذا فإنه من البداية تم وضع الفلسطينيين على نحو بعيد عن الانصاف في موضع يلقون فيه اللوم الذي ينهال عليهم الآن. صحيح أنه في كامب ديفيد وبعدها بدا أن باراك يمضي أبعد من أي رئيس وزراء اسرائيلي آخر في تلبية المتطلبات الفلسطينية. وصحيح أيضاً أنه لم يوغل في المسيرة بالقرار الكافي. والأكثر من هذا أنه من المحتمل أن غالبية الاسرائيليين (وبالتأكيد غالبية أعضاء الكنيست الحالي) كان من شأنها أن ترفض ما يعرضه باراك على الفلسطينيين. ويرتبط عجز باراك عن المضي شوطاً أبعد وعدم قبول الاسرائيليين للشوط الذي كان على استعداد لقطعه بمواقف سائدة تجذّرت منذ وقت طويل في صفوف الرأي العام الاسرائيلي وتم تدعيمها عضوياً في عهود حكومات الليكود والعمل الأخيرة. لابد من تذكر انه ما من حكومة عمل كانت على استعداد لإعادة الضفة الغربية وقطاع غزة للسيطرة الفلسطينية (كان أفضل عرض سابق هو (خطة آلون) غير الملائمة بالمرة التي تعود الى السبعينيات) وعلى الرغم من ذلك فإنه في العقد الأول من الاحتلال, لم يكن حزب العمل يقوم ببناء مستوطنات في قلب الضفة الغربية حتى لا يحول دون شكل من أشكال الانسحاب الجزئي من المناطق ذات الغالبية الفلسطينية. وقد تغير هذا كله خلال حكم الليكود في أواخر السبعينيات عندما كان شارون مسئولاً عن بناء المستوطنات. وتمثلت احدى خطوات شارون الأولى في تنفيذ (خطة دروبلز) التي غرست المستوطنات في قلب الضفة الغربية وتضمنت التخطيط لربط المستوطنات بشبكة من الطرق الأمنية لجعل الاستقلال الفلسطيني أمراً مستحيلاً. وقد كُلل هذا الجهد بالنجاح الى حد كبير, واليوم يقيم 400 ألف اسرائيلي في مستوطنات هائلة في الأراضي المحتلة في كل من (سور الأسمنت العظيم) الذي يحيط بالقدس الشرقية وعلى المرتفعات على امتداد قلب الضفة الغربية. وخلال السنوات العشرين الماضية لم يواصل الليكود وحده وانما العمل كذلك الحفاظ على سيطرة اسرائيل على هذه المستوطنات وتوسيع نطاقها بصورة هائلة. وفي نهاية المطاف, تمثلت قضية مهمة بالنسبة للفلسطينيين بعد قمة كامب ديفيد لا في استعداد بارك للتنازل عن 95 % من الضفة الغربية وانما في الـ5% التي أصر على الحفاظ عليها, فهذا الجزء من الأراضي المحتلة يشكل كلا من السور الذي يطبق على القدس ويعزلها بالفعل عن باقي الضفة الغربية وعددا من الأصابع الناتئة في جسم الضفة الغربية والتي ستجعل من المتعذر على الفلسطينيين ان يحظوا بسيطرة مستقرة على أرضهم. وقد كان هذا في نهاية المطاف هو مقصد شارون في المقام الأول الذي رمى اليه قبل عقدين من الزمان. هذا كله يجعل من المثير للقلق بصفة خاصة ان يقوم المحللون وصنّاع السياسات الأمريكيون بإلقاء اللوم على عرفات والفلسطينيين في عدم انقاذ باراك من السقوط. ولكن هذا ليس بالتطور الجديد وهو متسق مع جوهر المشكلة التي يواجهها الفلسطينيون في الولايات المتحدة, ذلك أن الفلسطينيين على الرغم من احترازهم مكاسب حقيقية في صفوف الرأي العام الأمريكي لا يزالون بعيدين عن أن ينظر اليهم على قدم المساواة مع الاسرائيليين, فهؤلاء الأخيرين غالباً ما ينظر اليهم على انهم يشكلون مجتمعاً مركباً من أفراد من البشر الذين هم (مثلنا تماما). أما الفلسطينيون فلا يجري فهمهم بالطريقة نفسها, فهم يظلون كتلة هلامية بلا هوية ولا وجوه. والرأي العام الاسرائيلي له أهميته, أما الرأي العام الفلسطيني فلا أهمية له, والاسرائيليون يجري تفهمهم على أنهم مجتمع للأصوات الفردية أهمية فيه. أما الفلسطينيون فينظر اليهم على انهم كتلة ينبغي, أو يمكن, السيطرة عليها والتحكم فيها. وهكذا فإن بحسب (حكمة) المحللين الأمريكيين فإن (باراك قدم الكثير, وخاطر, وعرفات رفض ثم قام بإثارة أو على الأقل رفض السيطرة على شعبه, وهكذا جعل الاسرائيليين يقلبون ظهر المجن للسلام ولباراك). ما الذي سيحدث عقب ذلك؟ لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان شارون سيغدو أكثر نجاحاً في تشكيل حكومة من اليمين مما كان سلفه في الابقاء على حكومة تتألف من اليسار والوسط, ذلك أن الكنيست, شأن المجتمع الاسرائيلي, منقسم على نحو فظيع. إن هذا الانقسام نفسه (العرقي والديني والسياسي) هو الذي يحظى بالقدرة على جعل الموقف أكثر تغلغلاً. فعلى سبيل المثال إذا قرر شارون اتخاذ اجراءات عدوانية في القدس أو ضد الفلسطينيين لكي يزيد من قاعدة الدعم الذي يحظى به, فإن العنف يمكن أن يتصاعد بل وينتشر بصورة أكبر. والأمر الواضح هو ان انتخاب شارون ينهي فصلاً في السعي وراء اقرار سلام شامل في الشرق الأوسط. فشارون في نهاية المطاف عارض الذهاب الى مدريد وعارض كل اتفاق وقعه رؤساء وزراء اسرائيل سواء أكان في الحكم أو خارجه وقت التوقيع. وبفوز شارون يدخل الشرق الأوسط مرحلة خطيرة. فماذا عن رد الفعل الرسمي الصادر عن واشنطن؟ أياً كان رد الفعل هذا فإن شارون لا ينبغي ان يتوقع ان يتلقى تأييداً في صورة شيك على بياض, فالولايات المتحدة قد تلوم الفلسطينيين على فوزه في الانتخابات, ولكن في ضوء المصالح الأمريكية الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط فإن الادارة الأمريكية لن تعطي مهلة طويلة لرئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد. وعلى الرغم من الحقيقة القائلة إن جورج دبليو بوش قد أشاد بشارون ذات مرة باعتباره (بطل حرب) خلال الحملة الانتخابية الرئاسية لعام 2000 وأشاد بالجنرال السابق لأنه أطلعه على احتياجات اسرائيل الأمنية, فإن الأرجح أن الرئيس الأمريكي لن يكرر ذلك الحديث في القريب العاجل. كان هناك نمط خلال الادارات الأمريكية الأخيرة قوامه التصرف ببرود الى حد ما حيال حكومات الليكود. فقد تردد الرئيس الأسبق بوش في منح اسحاق شامير زعيم الليكود وقتذاك الضمانات الانتخابية التي كان يسعى اليها. وبعد أن ألحق رابين الهزيمة بالليكود في عام 1988 رد بوش بمنح رابين هذه الضمانات والغطاء الدبلوماسي في الأمم المتحدة عندما قام رابين بطرد 400 فلسطيني الى لبنان. وكذلك فعل كلينتون, حيث أثنى عظيم الثناء على قادة حزب العمل, رابين وبيريز وباراك, ولكنه مارس بعض الضغط الخفي وإن كان حقيقياً على نتانياهو في اطار جهد استهدف ضمان الوصول الى اتفاقيتي واي والخليل. ويمكن للمرء أن يتوقع أن تتبنى الادارة الأمريكية الحالية المنهاج نفسه. أما أنصار اسرائيل اليمينيون في الكونجرس فسيكونون شيئاً مختلفاً, حيث تكالبوا على كيل المديح لرئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد. وهناك أيضاً تهديدات محددة تأخذ شكل مشروع قانون سيحاولون من خلاله خفض المساعدات الأمريكية للفلسطينيين بصورة كبيرة لإجبار إدارة بوش على الوفاء بالوعد الذي قطعه خلال الحملة الانتخابية بنقل السفارة الأمريكية لدى اسرائيل الى القدس. وهكذا يبدأ الفصل الجديد. * رئيس المعهد الأمريكي العربي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات