قصتها واحدة من تلك القصص التي يلعب فيها الحظ الدور الأكبر, وحكايتها أشبه ما تكون بالحكايات الشعبية التي تختلط فيها الدموع بالضحكات ويمتزج فيها الخيال بالواقع. ولو كنت منتجاً سينمائياً أو أحتكم على ربع ثروتها الآن لما ترددت في انتاج قصة الخادمة الفلبينية (ويلما اجيو لاندو) في فيلم سينمائي لأسجل للتاريخ وأبرهن أن الحظ حين يشرع بواباته للانسان ينقله من السفح الى القمة ويغير كل مسارات حياته, ويحيل ظلام لياليه الى نور ساطع, ويحوّل تلك الصحراء الجرداء الى جنة أزهار وحديقة ورد ومرابع. هل كانت (ويلما) تعلم أن ذلك القرار الذي اتخذته بالهرب من منزل الأسرة الاماراتية التي كانت تعمل لديها لتنفذه في باريس عندما اصطحبتها الأسرة معها للاصطياف في فرنسا سيغير مجرى حياتها تماماً ويكتب لها دوراً رئيسياً في هذه القصة التي تتوزع أحداثها بين الغرب والشرق وتتوفر لها كل عناصر التشويق ويجتمع فيها الفقر مع الثروة والمال مع السلطة والنفوذ مع القوة ولا ينقصها الغموض في بعض جوانبها؟ تقول الحكاية إن (ويلما) شأنها شأن كل الخادمات الطموحات اللواتي يتطلعن الى السفر مع مخدوميهن ذات صيف قائظ هنا, والانتقال الى ربوع إحدى دول اوروبا أو أمريكا ليس هرباً من الحر والرطوبة وانما لتحقيق حلم ابدي يراودهن منذ نعومة أظفارهن, وهو الاختفاء في شوارع تلك البلدان للعيش والاستقرار هناك, فمطارات أوروبا في نظرهن هي بوابات الدخول الى جنة الله في أرضه وليس مهما بعد ذلك أين ترمي بهن الأقدار أو ماذا تفعل بهن الايام. وككل الحكايات الشعبية التي سمعناها صغاراً تقول حكاية (ويلما) إنها قد ولدت وتربّت في حي (كالاكون سيتي) الشعبي في مانيلا, وكأن الفقر لم يكن كافياً لإذاقتها مرّ المعاناة فزادها اليتم عذاباً لتتربى في كنف إحدى خالاتها, ثم تكتمل المأساة بزواجها من رجل مقامر أنجبت منه أربعة أبناء لم تجد وسيلة لإطعامهم سوى بيع الأواني البلاستيكية مع حماتها على الأرصفة. وكان أول انفراج في حياتها التي لم نر منها سوى الجانب المظلم حتى الآن وهي في سن السادسة والعشرين عندما جاءها البشير بالسفر للامارات للعمل خادمة في بيت أسرة اماراتية وضعها الله في طريقها كي تكون حلقة الوصل بينها وبين توديع حياة الفقر والانتقال الى عالم الثراء والحياة الهانئة الرضية. على طريقة الأفلام السينمائية تغيب (ويلما) عن المشهد برهة لنشاهد رجل أعمال فرنسياً يشغل مركزاً مرموقاً في شركة (إلف اكيتين) وهو الرجل الثاني في شركة النفط الفرنسية الشهيرة, وبحكم وظيفته نراه حاملاً لمفاتيح الخزائن السرية المخصصة للعمولات والرشاوى التي تعتبر ركناً من أركان عمل هذه الشركات تتوقف دورة العمل بدونه. نعود إلى صديقتنا (ويلما) التي لا تتقن حتى هذه اللحظة سوى الخدمة في البيوت لنراها تنتقل من بيت إلى آخر حتى يستقر بها المقام في بيت السيد (الفريد سيرفين) ـ وهذا هو اسم المسئول الفرنسي المرموق ــ واضعة قدميها على الدرجة الأولى من درجات سلم المجد لتبدأ رحلة الصعود الميمونة. حدث ذلك في بداية التسعينيات, وكانت زوجة سيرفين في أواخر أيامها عندما دخلت (ويلما) بيت رجل الاعمال الفرنسي, وماهي الا سنوات قلائل حتى توفيت سيدة البيت الفرنسية لتجد الخادمة الفلبينية الطريق امامها ممهداً كي تأخذ مكانها ومكانتها في البيت وتتربع على عرش قلب صاحبه. كانت رائحة الفساد قد بدأت تنتشر, وكان (الفريد سيرفين) واحداً من ابطال فضيحة عرفت فيما بعد بفضيحة (غانية الجمهورية) في إشارة لدور (كريستين ديفيير جونكر) عشيقة وزير الخارجية الفرنسي الأسبق رولاند دوما الضالع في قضية فساد متهم فيها مع ستة آخرين باختلاس وإهدار أكثر من 435 مليون دولار من خزينة شركة (إلف) على الرشاوى والهبات للساسة والمحظيات وعلى رأسهن عشيقته الملقبة بـ (غانية الجمهورية). في هذه الأثناء صدرت في حق (سيرفين) مذكرة جلب أولى عبر الانتربول سارية على الدول الاوروبية, وهنا جاء دور الخادمة الفلبينية التي لم تعد خادمة, وتجلت مواهبها التي لم تعد قاصرة على الخدمة في البيوت فدبرت امر انتقال (سيرفين) الى بلدها الفلبين بجواز سفر لشخص ميت. وهناك بدأت مرحلة أخرى من حياتها بعد أن هرب المسئول الفرنسي بملايين الدولارات التي تحولت إلى مليارات البيزو الفلبينية. ولأن الرجل هارب من العدالة في بلده فقد كان أمر ملاحقته في كل مكان واردا ومتوقعاً, ولذلك فقد أسلم قياده لـ (ويلما) التي استعانت بأفراد أسرتها لتشتري وتستأجر منازل عدة في أنحاء متفرقة من البلاد كان المسئول الفرنسي الهارب يتنقل بينها فراراً من يد العدالة التي تلاحقه, وتضليلاً للساعين في أثره. كان المختلس المطارد بحاجة للحماية, وكانت (ويلما) توفر له هذه الحماية عن طريق أفراد استعانت بهم من الطائفة الدينية الصغيرة التي تنتمي إليها, وكان كل ذلك يتطلب أموالا طائلة, وكانت هذه الاموال تحت تصرف الزوجة المخلصة التي ودّعت حياة الفقر وهجرت بيوت الصفيح في حي (كالاكون سيتي) البائس لتتنقل بين عدد من البيوت في ارقى أحياء العاصمة مانيلا. رحلة الفرار هذه التي بدأت عام 1997 وانتهت قبل أيام شهدت أحلى سنوات عمر (ويلما) الذي جاوز الأربعين بثلاث, وكانت خلال سنوات الفرار هذه تلبي لرجلها كل طلباته وتتنقل باسم مستعار منتحلة صفة سيدة أعمال, حتى حانت اللحظة التي حاولا الهرب منها وتمنيا أن لا تأتي, فقد ألقت السلطات الفلبينية القبض على (سيرفين) بناء على أمر اعتقال دولي ووضع المحققون السلاسل في يديه رغم احتجاجه متعللاً بسنوات عمره الأربع والسبعين, واقتادوه مخفوراً لتحمله طائرة تابعة للخطوط الألمانية (لوفتهانزا) وتحط به في فرانكفورت ليبدأ فصل آخر من فصول الرواية. في ألمانيا كانت عناصر الشرطة الألمانية في انتظاره على أرض المطار حيث اعتقلته وأودعته أحد السجون بمدينة فرانكفورت, فالألمان ينظرون إليه كشريك مهم في فضيحة فساد أخرى لاحقت مستشارهم السابق هيلموت كول, ويرون أنه الشاهد المرتقب على تلقي كول رشوة مالية لحزبه المسيحي الديمقراطي مقابل تسهيل بيع مصفاة نفط ليون في الشطر الشيوعي الألماني السابق إلى شركة (إلف) إبّان التسعينيات ليمتزج الفساد الفرنسي بالفساد الألماني وفساد شرقي آخر مصدره تايوان لتزداد القصة تشويقا. وسائل الإعلام الفرنسية تصف (الفريد سيرفين) بأنه الرجل الذي يستطيع إسقاط الجمهورية لكثرة مايكتنز من أسرار عن الفساد, أما (سيرفين) فيقول إنه سيحمي حلفاءه القدامى رغم أنه يستطيع توريط مئات الأشخاص. أما (ويلما) فقد بدأت رحلة هروب أخرى بعد أن أطلقت أجهزة الأمن الفلبينية حملة لملاحقتها ومقاضاتها لدورها في التستر على (سيرفين) وقيامها بتوفير الملاذ الآمن لمتهم ملاحق دولياً. فهل تطمع (ويلما) في العثور على من يوفِّر لها ملاذاً آمناً كذلك الذي وفرته لمن عرفت ورأت مباهج الحياة على يديه؟ من ينكر هذا الحق عليها فعليه أن يعيد قراءة الحكاية من أولها, وإن كان ثمة فصل أخير لم يكتمل بعد نحن جميعاً بانتظاره.