هذا الحوار المستمر أصبح حالة شبه مرضية!!.. بدلا من أن يكون الحوار مقدمة للفعل, أصبح (الحوار) هو الفعل.. الفعل الوحيد للأسف.. تدور طواحين المثقفين بلا توقف, تنسكب بحار ومحيطات من المداد في الصحف والمجلات والكتب, في ماراثون الحوار الذي يتجه فيه العداؤون الى اتجاهات شتى, حتى ليبدو الأمر أحيانا وكأنه مجموعة من المونولوجات, يتوهم أصحابها المشاركة في حوار.. ربما نلتمس العذر للتنوع الذي يفرضه ايقاع العصر الحديث, أو حداثة فعل الكلام, أو غموض الرؤى, أو.. ربما نستند الى ضريبة التخلف, والمنطقة الاجتماعية التي تفرز جل ــ إن لم يكن كل ــ المتناظرين, وربما عوامل نفسية كاليأس أو الرغبة في الانتحار حوارا, إلا أن هذه الأعذار والعلل هي التي تستدعي بالدرجة الأولى ضرورة الحوار, ولكن أي حوار؟ مع من؟ وكيف يدار؟.. حوار لا يمت بصلة لذلك الذي وصفناه منذ قليل, فلقد آن لتلك (المكلمة) أن تتوقف.. كفانا تدريبا لحناجرنا.. يجب أن نتحدث.. أي حوار؟: الحوار أسلوب متحضر يستخدمه البشر لتجسير العلاقات فيما بينهم, وصولا الى حد معين من التفاهم حول قضايا معينة.. واذا كان المنطق هو أهم أسلحة الحوار, إلا أن المصلحة هي الأساس الذي يقوم عليه أي حوار, وهي الغاية منه أيضا, فتعارض المصالح أحد أسباب الحوار, وإن كان ذلك لا يمنع نشأة الحوار في حالة اتحاد المصالح, ويكون سببه في هذه الحالة المنظور المختلف لنفس المصلحة ما بين طرفين, والمصلحة بالطبع ليست مجرد تعبير مادي وإنما تعبير شامل للعنصرين المادي والمعنوي سويا. إذن لنشأة أي حوار جدي يجب أن تحدد أولا المصلحة المختلف أو المتفق عليها بشكل واقعي, بمعنى أن يكون لأطراف الحوار تصوراتهم الموضوعية للمصلحة التي يدافعو ن عنها, وهو ما يخرج من الحوار الادعاء أو التسويق بمعناه التجاري, فمن المعروف أنه يمكن التسويق لبضاعة رديئة من خلال دعاية محكمة, وهو ما لايمكن تصوره في مصالح المجتمع الأساسية, فالمتحاور ليس مندوبا للاعلانات, وإنما هو صاحب قضية حقيقية يؤمن بها ويدافع عنها. وتحديد المصلحة يتطلب الموضوعية من زاوية أخرى, وهي اعتبار وجهة النظر الأخرى تعبير حقيقي للمصلحة, وليس افتراض اسقاطها منذ البداية, وإلا سقطت معها ضرورة الحوار, وهذا الاعتبار وإن كان لا يعني اعتناق تلك الوجهة المعاكسة, فإنه لا يعني مجرد مجاملة السماح للآخر بإبدائها. المسألة ليست مجرد الاختلاف مع الاستعداد للموت في سبيل أن يعبر الآخر عن رأيه بحرية كما ذكر فولتير, فالمطروح ليس مجرد حرية التعبير كحق أساسي من حقوق الانسان, وإنما المصالح الضرورية للمجتمع التي يسعى الى تحقيقها من خلال الحوار, وهو ما يقتضي القبول بما يمكن أن نسميه نقطة التوازن أو خط الوفاق Compromise فليس حتميا أن تكون نتيجة الحوار تطابقا لوجهة نظر ابتدائية, وإنما هي في الأغلب العام بلورة له في شكل يختلف كثيرا أو قليلا للمواقف الابتدائية للمتحاورين, أو هو نوع من الحوار ليس فيه خاسرون ورابحون بالمعنى الحرفي, لأن التوصل الى نوع من الوفاق هو نجاح للحوار بغض النظر عن فشل متحاور أو آخر في فرض بعض النقاط في هذا الوفاق. وتحديد المصلحة يتطلب أيضا أن يكون المتحاور على بينة من الحد الأدنى والحد الأقصى لمطالبه, فالأول ينبغي ألا يتدنى عن خط معين يصبح الرجوع عنه اضرارا فادحا بالمصالح التي يدافع عنها, أما الثاني, فلا ينبغي المبالغة فيه بالشكل الذي يصرف الآخرون عن الحوار, أو يدفعهم لمبالغة مماثلة, وفي الحالتين هي مضيعة لوقت ثمين لا تتحمله مصالح الشعوب. فإذا لم يحدد المتحاور تلك الخطوط, فإنه إما أن يتطلب في قالب جامد يمثل الحد الأقصى لمطالبه, ويفقد الحوار أي مغزى أو جدوى, أو أن يسقط في هوة التنازل عن الحد الأدنى, وبالتالي يفشل الحوار في تحقيق الوفاق الحقيقي المطلوب, حيث سيبقى هذا المتحاور ومن يمثلهم خارج هذا الوفاق بالضرورة. ويندرج فيما تقدم مقدرة المتحاور على الموازنة ما بين نجاح الحوار مع تنازله عن بعض مواقفه الابتدائية, وبين فشل الحوار وأثر ذلك على المصالح التي يدافع عنها, وهنا يجب أن تتسم نظرة المتحاور بالشمولية التي تتجاوز اللحظة الآنية للحوار, وتتطلع الى نقطة توازن أخرى في المستقبل قد تتيح له تحقيق بعض ما تنازل عنه في التوازن الحالي, إذ لابد من التسليم بأن الوفاق يكون ذا سمة مرحلية, بعكس الخلاف الذي يتسم بالديمومة لطبيعة ديمومة وتطور المجتمع البشري نفسه في مستوياته المختلفة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. ولنأخذ الديمقراطية (مثالا) لمسألة حوارية, وهذه المسألة شغلت النخبة المصرية دائما, فهناك من ينظر اليها من منظور سياسي, ومن ينظر من منظور اقتصادي اجتماعي, ومن يطرحها كنظرية مجردة عن واقعها.. الخ, والتفاوت في المواقف لا يعني بالضرورة اختلافا على أهمية (الديمقراطية) فالاختلاف يبدو في أسلوب التطبيق بالنظر الى تجارب المجتمعات الاخرى. مدرسة تعتنق النظرية الفردية الكلاسيكية, يتلخص موقفها في تقليص أي دور للدولة بمفهومها السياسي, ومدرسة تعتنق النظرية الاشتراكية, يتلخص موقفها في البعد الاقتصادي والاجتماعي للديمقراطية, ومدرسة يصل التجريد فيها الى حد نوع من الديمقراطية المباشرة التي عرفتها مدن اليونان القديمة, ومدرسة تطرح الميراث الديني بشكل يصل الى حد اعدام معنى الديمقراطية ذاته. وإشكالية الحوار في هذا الموضوع هي غيبة المنهج العلمي في الحوار ذاته, فالمصطلحات المستخدمة غائبة عن واقعها, والمصلحة مشوشة بقدر كبير من العواطف و الحماس الزائد, ثم وهو الأهم أن أغلب المدافعين عن الديمقراطية لا يعتنقونها سوى في أفكارهم النظرية, فليست هناك مصلحة محددة لأي فريق, ولا معيار لحد أقصى أو أدنى, ولا قبول بمرحلية الوفاق, فالنقاش الدائر يتراوح ما بين الأسود والأبيض, حيث أن المساحة الرمادية متهمة دائما, رغم أنها المساحة الحقيقية لأي حوار ناجح أو يهدف للنجاح. الديمقراطية مصلحة حقيقية للمجتمع, ولكن لابد في البداية تشخيصها بشكل موضوعي, كما أسلفنا, فهي ليست مجرد نظرية معلقة في الهواء تنطبق بنفس الشكل على أي أرض تحط عليها أيا كان شكل هذه النظرية, لا شك أن لها عناصرها الأساسية, وهي العناصر التي يجب أن تكون نقطة التوازن الأولى في الحوار, بحيث تمثل الحد الأدنى لكل المتحاورين, ثم يتم بحث عناصرها التكميلية في اطار المحددات التي سبق عرضها. وقد تكون نقطة التوازن النهائية في هذا الموضوع هي النقطة التي تحقق قدرا أكبر من المشاركة الفعلية للشعب في صنع القرار السياسي من خلال تنشيط أو خلق مؤسسات معينة, أو تعديل المناهج والنظم التعليمية, مع بقاء دور مرحلي للدولة في حماية نمو التطبيق لتفادي آثار الجهل والتخلف, مع الغاء بعض القوانين وتعديل بعضها الآخر, وتشريع يتناسب مع ما تقدم. إن المجتمعات البشرية لا تتغير بقرار, وإنما من خلال تراكم بنائي لأنماط سلوك تفرضها تغيرات الواقع نفسه (السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي), لذلك فمن الخطأ اعتبار الثورات نقاط انقلاب في حياة الشعوب, لأنها مجرد استجابة لحركة مجتمع تهدف الى فرض تغيرات معينة حتمتها حقائق التراكم البنائي لأنماط سلوك هذا المجتمع, والتراكم هو تفاعل مستمر بين حقائق موضوعية وصراع مستعر بين متناقضات يفضي الى مجموعة من الوفاق المرحلي وصولا للتغير المنشود. وبالتالي لا يمكن لمتحاور أن يتصور أن الغرض من الحوار هو انتصار وجهة نظره مهما تباعدت عن الحقوق الموضوعية على الأرض, بل يجب أن يأخذ في اعتباره أن وجهة نظره لا تمثل سوى جزء من الحقائق, وأن الهدف النهائي من الحوار هو أن يعكس بأكبر قدر من الأمانة توزيع هذه الحقائق على خريطة المجتمع بما تمثله في مرحلة تراكم معينة. المشكلة الحقيقية هي أن يتصور طرف الحوار أنه نبي يحمل رسالة إلاهية منوط به توصيلها دون تنازل عن أي جزء من أجزائها, فالمتحاور في هذا الاطار يتجاوز دور المجتهد, وهو ليس وحده في هذا الدور, كما أن دوره ليس منشئا وإنما مجرد كاشف عن واقع يسعى الى تعزيز أو هدم قيم معينة فيه, لذلك لا يكفي أن يكون مجرد مردد جيد لمقولات نظرية, وإنما قارئ جيد للظروف الموضوعية التي يعشها مجتمعه. السياسة كموضوع للحوار: السياسة التي نطرحها على بساط البحث, لا يقصد بها فقط تلك التي تتعلق بالمؤسسات العامة مثل الحكومة والبرلمان, وليست هي فقط نشاطات الأحزاب, فالسياسة التي نعنيها أكثر شمولا من تلك المفردات, فهي الخلافات ووسائل تسوية هذه الخلافات, والخلافات تشمل أي مستوى من النزاع داخل المجتمع, فحيثما يوجد نزاع تتولد معه الرغبة في التسوية. ويمكن القول إن التنافس بين القوى السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية يؤكد وجود الخلاف, ولكنه ليس سببا فيه, ومن ناحية أخرى فإن نشأة الأحزاب السياسية في حد ذاتها يعتبر محاولة ناجحة للتوصل الى تسوية مقبولة لهذه الخلافات, وليس الى تعميقها, وذلك في اطار شرعية مقبولة من كافة الأطراف, ومن المهم الاشارة هنا الى أن التاريخ يعلمنا أن فشل القوى المتنافسة في التوصل الى تسوية لخلافاتها يؤدي في الغالب الى الحروب الأهلية. والدول ذات الحزب الواحد, أو التي تسيطر عليها حكومات مركزية ديكتاتورية لا تخلو من تلك الخلافات, ومحاولات التسوية الدائمة تتناسب مع تركيبة المجتمع السياسية والاجتماعية في كل حالة على حدة, وبالوسائل التي تصل بالمجتمع الى حالة معينة من التوازن, ويمكن هنا اعتبار قهر السلطة لبعض القوى السياسية مجرد حرب أهلية من طرف واحد, تصل الى شكل من التسوية, مؤقت ومرحلي, وهي خصائص نقطة التوازن كما قدمنا. والسياسة الداخلية شأنها شأن السياسة الخارجية, ليس فيها صداقات أو عداءات دائمة, وإنما فيها مصالح دائمة, ولا غرو في ذلك حيث أن السياستين في التحليل الأخير نسيج واحد مع اختلافات في الطبيعة والوسائل, فالنشاط السياسي ينتج من ضرورة الخيار بين بدائل سياسية يكون أحدها فقط هو المجدي اقتصاديا. ولا يعني ذلك أن المنفعة الاقتصادية وحدها هي أساس الخلافات بين القوى المتنافسة داخل المجتمع, فربما ينشأ الخلاف مثلا حول قضية تحرير المرأة, أو حول قضايا ذات طبيعة أخلاقية أو معنوية, إلا أنه يبقى للخلافات الاقتصادية السبق على كل ما عداها, وبالتحليل الدقيق قد يتبين أنها تمثل قاسما مشتركا أعظم في أي نوع آخر من الخلاف. وبتأمل الخلافات التي تتواجد في المجتمعات التي تمارس الديمقراطية, سوف نجد أن صندوق الانتخابات يمثل وسيلة هامة لتسوية الخلافات ما بين القوى السياسية المختلفة, فتلك القوى قد ارتضت سلفا بالاحتكام الى صوت الناخبين, وهذا الصوت يعكس في التحليل الأخير نقطة التوازن بين تلك القوى, وبالطبع يجب أن نلاحظ أن النتيجة السالفة ليست كماً حسابياً أو أنها تستقر على النقطة الحقيقية للتوازن في المجتمع, إلا أنها مرة أخرى ذات طبيعة مرحلية ومؤقتة, حيث يمكن أن تنتقل طبقا لعوامل عديدة تتحكم في أصوات الناخبين. ونقطة التوازن بالاضافة الى كل ما تقدم, هي محل تركز أو توزع السلطة السياسية, وهي السلطة في أبسط تعريف لها أهلية التأثير السلوكي, على الآخرين مع وجود القوة التي تتيح إجبار المخالفين على الطاعة, وهذه القوة تتراوح ما بين الترغيب والترهيب, كما أنها تمثل علاقة ذات مستو معين, ولا يمكن اعتماد معيار واحد لها, فالسلطة السياسية تقوى أو تضعف لأسباب عديدة, فهي علاقة تستمد طبيعتها من طبيعة المجتمع نفسه, بدرجة نموه وتطوره, وأحيانا من أشخاص بعينهم, فأحيانا تتأثر هذه العلاقة بوجود شخصية معينة في ظرف تاريخي معين, والأمثلة بلا حصر. وقد أبدى توماس هوبز تقديرا خاصا لأهمية أن تكون للحكومات سلطات ارغامية فعالة للقضاء على ظاهرة الحروب الأهلية, وهكذا فنقطة التوازن في تصوره تنطبق على السلطة التنفيذية بغض النظر عن أي توزيع آخر للقوة ما بين السلطات الأخرى, وربما يصلح تحليله في فترات الأزمات الحادة أو الحروب, لكن ذلك التحليل يتجاهل جذور الخلافات في المجتمع, وهي كما قدمنا جزء من طبيعة وتركيب أي مجتمع بشري, وهي دائمة, والأسلوب الذي يقترحه هوبز قد ينجح فقط في تأجيل تسويتها بثمن اجتماعي فادح. وربما يقترب جان جاك روسو مما عنيناه أكثر, حيث يقول في كتابه (العقد الاجتماعي): إن الأقوى ليس قويا بما فيه الكفاية كي يسود دائما, إلا اذا حول القوة الى حق, والطاعة الى واجب فالحق والواجب مؤشران لسيادة القانون, الحكم الفاصل الذي يحول دون اقتران الخلاف بالصراع الدموي لحسمه. ولا يمكن كذلك أن نغفل دور الأفكار السياسية السائدة خلال فترة ما, من حيث تأثيرها على كل العوامل السابقة, فتلك الأفكار هي إفراز المجتمع نفسه, وتلعب دورا لا يستهان به في أسلوب تسوية الخلافات, وغنى عن الذكر أن تلك الأفكار في الغالب تتبلور حول مطالب قيمية معينة, فعلى سبيل المثال قد يطالب العمال بزيادة رواتبهم, إلا أنهم لن يصيغوا هذا المطلب في شكل منفعة مادية خاصة بهم كفئة, وإنما سيضعونه في قالب المصالح العليا للمجتمع, مثل أن يترتب على ذلك زيادة الناتج القومي, وتقليل الواردات وزيادة الصادرات.. الخ.. والأفكار السياسية هي أهم أدوات اللعبة السياسية, حيث يقوم كل تيار بتسويق أفكاره كي تكتسب أكبر قدر من التأييد, والخطورة هي استخدام أفكار زائفة لا تعبر بالضرورة عن المروجين لها أو المجتمع الذي تسوق فيه, فقد تنجح حكومة في نشر أفكار سياسية معينة حول خطر وهمي بهدف تركيز مزيد من السلطات في يديها, ولكن ذلك في حالة نجاحه لا يحقق الاستقرار الحقيقي في المجتمع, بل قد يكون بذرة لأخطار حقيقية فيما بعد نتيجة لتفاعل الخلافات وتأجيل تسويتها الى درجة حتمية الصدام. ومن الممكن تصور وجود تيارين أو أكثر من الأفكار السياسية بنفس القوة وبنفس التوزيع على خريطة المجتمع, إلا أن ذلك لا يعني استحالة التوصل الى نقطة التوازن, ومن أمثلة التوازن في هذه الحالة الائتلافات الحكومية التي تعني تنازل كل تيار عن جزء من مطالبه في سبيل تأمين جزء حيوي مع قبول قدر من تأمين مطالب التيار الآخر التي لا تسبب له ضرراً كبيراً. السياسة كموضوع للحوار تشمل إذن الخلافات وأساليب التسوية, التسوية ذاتها, وعملية صنع القرار, والسلطة السياسية, والأفكار السياسية السائدة, ولابد من التسليم بأن السلطة السياسية لا يمكن توزيعها بشكل متساو في أي نظام سياسي, ومهما قيل عن الأوضاع المثالية لتوزيع السلطة, فإن القرارات في النهاية تتخذ بواسطة فئة قليلة العدد, إلا أن تلك الفئة لا يمكنها أن تنحرف عن نقطة التوازن في المجتمع دون أن تغامر باستقراره, مع ملاحظة أن الاستقرار السياسي لا يعني غيبة التغيير, وإنما يعني مقدرة النظام السياسي على امتصاص التغيير بدون تقلبات عنيفة. خاتمة: قبل أن ينتحر المجتمع حوارا, يجب أن تكون هناك قواعدا علمية واضحة ومحددة, فمن المستحيل أن نتصور مباراة لكرة القدم يلعب فيها كل لاعب بكرة خاصة به في الاتجاه وبالطريقة التي تروق له!!.. وإذا كان اللهو البريء يتطلب قواعدا منظمة, فإن مصالح المجتمع العليا أولى بتحديد الحوار الساعي لتحقيقها. ان بعض ما نراه حولنا يبدو وكأنه سوق مضطربة لتسويق الكلام, لا شك أن لبعضه قيمة هائلة في ذاته, لكنه يفقد الكثير من هذه القيمة باعتباره جزءاً من الحوار الوطني, فليست النوايا الطيبة وحدها مصحوبة بصياغات ذهبية هي مقدمات الحوار أو أدواته, وإنما كيفية الطرح العلمي, وتفعيل القطاع الأكبر الايجابي من الرأي العام للتأييد, التجدد المستمر اضافة وحذفا, الأخذ والعطاء, التقدير الموضوعي لموقف الضد, السعي الواعي لنقطة التوازن في المجتمع.. لقد تكلم (المتحاورون) كثيرا.. ربما أمكنهم يوما أن يتحدثوا معا. * كاتب مصري