السر الذي لم يعد سراً بشأن العراق والعقوبات هو أن بغداد منهمكة في مبيعات متجددة لنفطها خارج نطاق رقابة الأمم المتحدة.. وأن هذه الكميات الإضافية تُضخ الى السوق العالمية عبر تركيا وسوريا. ولكن اتضح مؤخراً أن لهذه العملية (غير القانونية) بعداً أكثر اثارة. ففي مقدمة الزبائن المستفيدين كبرى شركات النفط الأمريكية. هذا عنصر واحد من عدد من العناصر الجديدة التي سوف يكتشف وزير الخارجية الأمريكية الجنرال كولين باول أنها طرأت على صورة المسألة العراقية عندما يصل إلى الشرق الأوسط خلال ما تبقى من فبراير الجاري في أول زيارة له كممثل للإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جورج بوش الابن. لكن.. هل حقاً يجهل باول أن شركات النفط الأمريكية تشارك في مساعدة العراق على خرق نظام العقوبات الدولية التي تشدد واشنطن على بقائها؟ على أساس حرفية القانون فقط ليس بوسع الحكومة الأمريكية أن تمنع الشركات الأمريكية من مواصلة تعاملها في شراء النفط العراقي من وراء ظهر الأمم المتحدة. فالصفقات التي تبرمها هذه الشركات تُعقد مع وسطاء لا مع الأجهزة العراقية المختصة. ولكن حتى لو تطوّر مسلك الشركات الأمريكية الى تعامل مباشر وسافر مع بغداد ينطوي على تحدٍ للعقوبات, فإنه ليس بوسع الإدارة الأمريكية أن تتخذ ضدها إجراءً تأديبياً دون أن تتكبد واشنطن خسارة سياسية على صعيد آخر. متاح بالطبع للولايات المتحدة أن تتحرك باسم الشرعية الدولية لوقف ضخ النفط العراقي عبر كل من تركيا وسوريا. وإذا كانت واشنطن لا تعبأ بإغضاب دمشق فإنها لا تستطيع أن تُغضب أنقرة, التي مثلها مثل سوريا تربح كثيراً من الضخ العراقي, دون أن تخاطر بفقدان امتياز استخدام قاعدة انجرليك الجوية التركية التي تنطلق منها الطائرات الأمريكية بانتظام إلى (منطقة الحظر الجوي) فوق العراق. العنصر الثاني من الصورة العراقية التي سوف يراها باول تتصل بالدول العربية. فكلها تقريباً شاركت وتشارك في كسر الحصار المفروض على العراق.. وبعضها (مصر وسوريا) ذهب أبعد من ذلك, فعقدت اتفاق (منطقة تجارية حرة) مع بغداد. وآخر الأخبار في هذا الصدد أن الأردن يعد العدة لإبرام اتفاق مماثل. وإذا كانت هذه التطورات هي وليدة المناخ العربي الجديد الذي أفرزته الانتفاضة الفلسطينية فإن كولين باول سوف يكتشف أنه بصعود الجنرال الدموي أرييل شارون إلى السلطة في إسرائيل دخلت المنطقة العربية لتوها مرحلة جديدة لن يكون مستساغاً فيها ولا مقبولاً على الصعيدين الشعبي والرسمي أن تطلب الولايات المتحدة من الدول العربية الاستمرار في دعم السياسة العدوانية الأمريكية ضد العراق مع بقاء واشنطن على شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل على خلفية التصعيد العسكري الإسرائيلي المرتقب ضد المقاومة الشعبية الفلسطينية. وامتداداً لهذا السياق سوف تبرز أكثر من أي وقت مضى مسألة التكافؤ في أسلحة الدمار الشامل. لقد أعلنت الإدارة الأمريكية الجديدة التزامها بموقف الإدارة السابقة في الإصرار على عودة مفتشي الأسلحة الدوليين الى العراق لاستئناف نشاطهم في (البحث) هناك عن أسلحة ومواد الدمار الشامل. إن هذا الإصرار الأمريكي سوف يرتد على واشنطن عندما يحمى وطيس التصعيد الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني, فيبرز التساؤل المنطقي: وماذا عن أسلحة الدمار الشامل الإسرائيلية التي تشتمل على الأقل على برنامج نووي كامل؟ وأخيراً فإن باول ربما يكتشف أيضاً صدقية ما كتبه الصحفي الأمريكي اليهودي الأصل توماس فريدمان حين قال: (أدركت أن الشارع العربي يود أن يقول التالي لبوش: أنتم تريدوننا أن نساعد أمريكا في فرض الحصار على القائد العراقي الذي دمّر الكويت.. بينما تقبل أمريكا بالقائد الإسرائيلي الذي دمّر لبنان. مستحيل!).