إحدى مصائبنا العربية العريقة أننا لا نريد أن نصدق إلا ما يعجبنا, فإذا واجهتنا الحياة بما يسوء هربنا إلى الأوهام وتمسكنا بها, وادعينا الصمم والعمى حتى لا نسمع ولا نرى, وتصورنا أننا بذلك نحمي أنفسنا من الخطر, ونبتعد بها عن مواطن الأذى. المناسبة انتخابات إسرائيل, ومشاعر الصدمة التى تطالعنا فى الكثير من العواصم العربية بسبب مجيء شارون. وكأن أحدا لم يكن يتوقع فوزه, وكأن هزيمة باراك كانت مستبعدة وكأن الواقع سيكون أسوأ بمجيء السفاح الجديد بدلا من السفاح الراحل عن موقعه الذى لم يفعل فيه شيئا إلا التسويف والمماطلة فى تنفيذ التعهدات التى ارتبطت بها حكومته, ثم محاولة إبتزاز العرب لتوقيع إتفاق يحصل بمقتضاه على كل ما تريد إسرائيل ويقوم بتصفية القضية الفلسطينية بشروط إسرائيل وعلى حساب الحقوق العربية ثم إظهار وجهه الحقيقى كسفاح يواجه أطفال الإنتفاضة بالرصاص المحرم دوليا. يجيء السفاح الجديد, وتبدو عواصم عربية فى موقع الصدمة, بدلا من أن نكون مستعدين تماما للمواجهة, ومدركين أننا لم نخسر شيئا بسقوط باراك ومجيء شارون, بل لعلنا إذا أحسنا التصرف نكون أول المستفيدين من هذا التغيير. لقد كنا نواجه سفاحا يوهم العالم أنه رسول سلام, ويقدم مشروعه لتصفية القضية الفلسطينية وكأنه يتنازل عن حقوقه ومقدساته, ويقتل الأطفال الفلسطينيين بدم بارد والرأى العام العالمى المخدوع يطالب الفلسطينيين بوقف العنف والبعد عن الارهاب! الآن.. نحن أمام سفاح لا يخفي بشاعته, ولا يهتم بإخفاء جرائمه, ولا يسمح إلا لأصوات التطرف والعنصرية, وهو بكل هذا القبح والبشاعة لا يمثل نفسه, ولكنه يمثل الوجه الحقيقى لهذا الكيان المسمى بإسرائيل والذى قام على الاغتصاب وعاش على الدم, ولا يرى له مستقبلا فى ظل سلام حقيقى يسود المنطقة. هذا هو الوجه الحقيقى لإسرائيل, يأخذ مكانه الطبيعى فى حكمها, ويضعنا ويضع العالم أمام الواقع الذى يحاول البعض التهرب من مواجهته, ويحاول البعض تجميله, ويحاول البعض تسويقه باعتباره الواحة الخضراء التى زرعتها الديمقراطية الغربية فى صحراء العرب المجدبة! الآن.. يسقط القناع المزيف عن وجه إسرائيل, وهي تختار هذا السفاح المفضوح على رأس حكومتها.هذا الرجل الذى يمارس ذبح العرب من خمسين عاما, والذى اضطرت حكومته لإقصائه من موقع وزير الدفاع بعد مجزرة صابرا وشاتيلا , والذى منعته فرنسا من دخول أراضيها باعتباره مجرما فى حق الإنسانية. الآن.. يسقط القناع عن وجه إسرائيل, ويصبح على العالم أن يجيب على العديد من الأسئلة التى يتجاهلها عن عمد أو خوف أو ابتزاز: هل (الشعب) الذى يختار مثل هذا السفاح ليحكمه, هو شعب مؤهل للسلام, مستعد للعيش فى أمن مع جيرانه؟ وهل (الدولة) التى يتحكم فى قراراتها المصيرية مثل هذا المجنون بالقتل تستحق أن يكون لها مكان فى المؤسسات الدولية, وعلاقات مع دول تحترم حقوق الإنسان وتطبق المواثيق وتتقيد بقواعد القانون الدولى؟ وهل آن الأوان لمراجعة المواقف, فلا نرى أمريكا تغدق من مساعداتها المالية وأسلحتها المتطورة ودعمها السياسى على دولة يحكمها السفاحون وتنتهك كل القوانين والقرارات الدولية؟ وهل آن الأوان ليدرك العالم أن نظرته لإسرائيل على أنها دولة لضحايا النازية والاضطهاد المرير ينبغي أن تتوقف, بعد أن تحول الضحايا إلى جلادين, والباحثين عن الأمن إلى قوة احتلال وحشية يخجل النازيون والفاشيون من ممارساتها العنصرية؟ ولماذا يسكت العالم الغربى الذى انتفض غضبا حين أعطى شعب النمسا ثقته لحزب كان رئيسه قد تفوه ببضع كلمات ضد الصهيونية فمنعه من تولي الحكم وهدد النمسا بفرض المقاطعة عليها.. لماذا يسكت العالم ونحن أمام سفاح لم تكن تهمته الكلمات بل المذابح؟ صحيح أنه لا يختلف عن أسلافه كثيرا, ولكنه يقدم الصورة الأبشع, والأخطر.. أنه يعلن بالفم المليان أنه سيواصل المسيرة, ويكرر التجربة, ويستأنف المذابح؟ و فى وجه ذلك كله.. ألم يأتي الوقت الذى تراجع فيه أمريكا ومعها دول الغرب موقفها السابق الذى رفضت فيه إرسال قوات دولية لحماية شعب فلسطين من حرب الإبادة التى تخوضها إسرائيل ضده. لقد كانت حجة أمريكا أن الباب مفتوح لإقرار السلام مع باراك رغم كل جرائمة.. فهل ما زال الباب مفتوحا وشارون وحلفاؤه يعلنون أنهم سيستخدمون سياسة (الأرض المحروقة) لوقف إنتفاضة الشعب الفلسطينى, وأنه سيقتحم المسجد الأقصى ويفرض حصارا على المدن والقرى الفلسطينية, ويضع شعب فلسطين أمام الخيار الصعب: قبول برنامجه والاستسلام بلا قيد أو شرط, أو المذابح والحصار وحرب الإبادة؟ أسئلة عديدة يواجهها العالم, وتواجهها أمريكا فى الأساس بحكم موقعها فى قيادة العالم, وبحكم انحيازها المطلق لإسرائيل, وبحكم دعمها ومساندتها لتل أبيب حتى وهى تمارس العدوان وتغتصب الحقوق وتدوس على الشرعية الدولية وبحكم انفرادها بالإشراف على محاولات التسوية فى المنطقة, وبحكم قبول العرب لدورها المحوري حتى وهى تعلن تحالفها الإستراتيجى مع إسرائيل؟ أسئلة كثيرة لا تكفى للإجابة عليها أن يعلن الرئيس الأمريكى بوش لشارون تأكيده على الدعم الأمريكى لإسرائيل, ثم تطالب الإدارة الأمريكية العرب بالصبر وانتظار البلاء!! ولن ينفعنا أيضا أن يتلقف الحكام العرب نصيحة واشنطن, فيعيدون تصديرها إلينا لتصبح أغنية الصبر هي النشيد القومي العربي فى هذه الأيام العصيبة. فالصبر وحده لا يكفي, وانتظار البلاء لا يمنع وقوعه, ومجيء شارون قد يكون فرصة لنرفع عن عيوننا غشاوة الوهم بسلام كاذب, ويعيد الجميع إلى أرض الواقع ليدركوا أن السلام الحقيقى ما زال بعيدا, وأن التنازلات العربية لم تؤد إلا إلى المزيد من التطرف الإسرائيلى, وأن فلسطين ليست وحدها فى دائرة الخطر والضياع, فبؤرة العدوان الإسرائيلية تمتد بتهديداتها إلى كل الأرض العربية بما فيها مصر والأردن اللتان وقعتا معاهدتي سلام مع الدولة التى لا تعرف معنى السلام. الآن يطرح شارون مشروعه للتسوية مع الفلسطينيين وهو يعرف أنه مشروع مرفوض, ويؤكد أن القدس ستظل تحت السيادة الإسرائيلية وأن الضفة الغربية ستكون تحت السيطرة الأمنية لجيش إسرائيل, وأن المستوطنات ستبقى وتتوسع وتمتد, وأن حق العودة قد أصبح فى ذمة التاريخ. والآن يؤكد شارون أن الجولان ستبقى فى يد إسرائيل, ويفتح أبوابا كان البعض يتصور أنها أغلقت, حين يعلن أن شرق الأردن جزء من أرض إسرائيل. وحين تتصاعد التهديدات بأن سد أسوان ومدينة طهران ليسا بعيدين عن صواريخ إسرائيل. وبالطبع.. فإن العرب لا يستطيعون أن يواجهوا كل ذلك بالصبر الجميل كما تطالبهم أمريكا, ولا بالانفعال الأهوج كما تتمنى إسرائيل. ولكن بالرؤية الصحيحة والعمل الجاد, وبإزاحة الأوهام التى تم زرعها خلال سنوات عن سلام الشجعان الذى يكشف الآن عن وجهه.. فإذا به سلام السفاحين مع الضحايا الذى لا يحكمه إلا منطق القوة وجنون التعصب الصهيونى الذى ورث من النازية أقبح ما فيها. الآن يكشف الكيان الصهيونى عن حقيقته.ونكتشف نحن كم كان كاذبا وهم السلام الإسرائيلى, وكم هو عدوانى فى هذا الكيان الذى كان يقوده باراك ويقوده الآن شارون بلا فرق إلا فى إزالة مساحيق التجميل من على الوجه القبيح. الآن.. يصبح الخروج من مرحلة الصدمة إلى مرحلة العمل الجاد ضرورة قومية ووطنية. ويصبح التلهى بانتظار ما سيفعله شارون كارثة, ويصبح انتظار معجزة تحول السفاح إلى رسول سلام جريمة فى حق الوطن, ويصبح الاستعداد لكل الاحتمالات هو الرد العربى على الهوس الإسرائيلى الذى انطلق من عقاله. ولسنا ضعفاء كما يتوهم شارون, وما نملكه من أوراق يكفل لنا حسم المعركة لصالحنا إذا أحسنا استخدام ما نملك وإذا تعلمنا من دروس الماضى, وإذا أدركنا أن لا شئ تغير فى إسرائيل, إلا أن ما تحاول إخفاءه من عنصرية وفاشية وإصرار على استخدام القوة واغتصاب الحقوق العربية. قد ظهر لنا وللعالم, فوضع الجميع أمام مسئولياته. إن الخروج من مرحلة الصدمة إلى مرحلة المواجهة الجادة للتحديات التى يطرحها وصول شارون للحكم تقتضي برنامجا للعمل العربى يتم إقراره فى القمة العربية القادمة, وتقودنا إليه خطوات عاجلة على كل المحاور: إن المحافظة على الانتفاضة الفلسطينية وتطويرها وتوجيهها للطريق الصحيح هو ضرورة عاجلة فى وجه تهديدات شارون ومحاولته فرض الأمر الواقع الإسرائيلى تمهيدا لوضع برنامج حكومته النازية موضع التطبيق ولابد للدعم العربي المتسكع في أروقة البيروقراطية أن يصل, وأن يدرك العرب أنه إذا استطاع شارون أن يحاصر الانتفاضة ويفرض شروطه, فلن يوقفه شئ عن حصار الجميع وإملاء الشروط على كل العواصم العربية إن التنسيق بين ما كنا نسميها دول الطوق (مصر وسوريا ولبنان والأردن وفلسطين) قد أصبح ضرورة لمواجهة الضغوط الأمريكية والابتزاز الصهيونى. إن تجربة السنوات الماضية قد أثبتت فداحة الخسائر التى قدمناها, والتنازلات التى حصل عليها العدو دون مقابل. وشارون يوفر الآن فرصة لا تعوض.. فتهديداته تصل للجميع, وجنونه لا يترك الفرصة لكي يراهن أحد على سلام منفصل.. إنه الآن يهدد الأردن, ويصر على البقاء فى الجولان, ويعرض شروط الإذعان على الفلسطينيين, ويعيد إلى الأذهان التهديدات بنسف السد العالي, ويثير فى المنطقة مناخا يمهد للعدوان وكل العواصم العربية تسمع, وترى, وتدرك عمق المخاطر وضرورة التنسيق. إن ذلك يؤكد ضرورة السير بخطوات جادة نحو المصالحة العربية. إن جراح الماضي لا يمكن أن تحكم المستقبل العربى للأبد, والخطر الماثل أمامنا لابد أن يدفع الجميع للمزيد من التسامح والعقلانية ورأب الصدع ولم الشمل. وإذا كانت الساحة العربية تشهد الآن جهودا متواصلة لتحقيق هذه المهمة الصعبة, فإن الظروف الجديدة تحتم أن يتعامل الجميع بقدر متزايد من المسئولية. ولعل المحاولة التى تقودها مصر الآن تتكلل بالنجاح بعد أن أدرك الجميع حجم الخسارة التى تحققت, وحجم المخاطر التى تلوح فى الأفق, وحجم المطلوب لكي لا تتحول الأزمة العربية إلى مأساة.