الى اين ستأخذنا ثورة التكنولوجيا التي لم تترك باباً الا وطرقته, ولا مجالاً الا واقتحمته, هل نصحو يوماً لنرى رقاقات صغيرة تأمر آلة جامدة لتنتزع الاحاسيس الانسانية من الافئدة فتجففها وتعلبها, وتعرضها للبيع على أرفف البقاليات, او نراها تستل الحب من القلوب لتحقنه في اشباه الموصلات وتحوله الى غرام الكتروني؟ يبدو ان الوقت قد حان لهذا التحول المثير بعد ان سهلت التكنولوجيا لغة التواصل والاتصال, فأصابت عصاها السحرية كل مناحي الحياة ولم تستثن احداً, فقد اخترعت كل شيء واصبحت العواطف تنبض باشعاعات تكنولوجية, لقد تحولت الاشياء الساكنة فغدت متحركة وتحولت الاشياء المتحركة فاستقرت ساكنة ولم يعد هناك ما نبكي عليه, فمثلما اصبحت الأحاسيس الكترونية تبعتها القبل, ورسائل الغرام الملتهبة التي تواصلت عبر آلاف الاميال واستقرت في ذاكرة رقاقة الكترونية صغيرة وامتدت اليك عبر هاتفك النقال او عبر بريدك الالكتروني. لم يعد للدهشة مكان بعد ان نسفت التكنولوجيا المتواصلة المقولات القديمة التي تؤكد على ان في الدنيا سبع عجائب, فإذا كان اولئك على حق فماذا نسمي تلك الأم التي تهدهد طفلها الكترونياً لينام على ترنيمة الكترونية وهي بعيدة عنه آلاف الاميال؟ وماذا نطلق على رجل أعمال يقوم برحلات كثيرة ويواصل مهامه كرب اسرة بكل يسر من غرف الفنادق التي يقطنها في الصين او موزامبيق, فيقوم بتصحيح واجبات ابنته عبر جهاز الكمبيوتر ويتحادث مع ولده وجهاً لوجه, ويأمر احد الموظفين في شركته بمتابعة اسعار البورصة وشراء أسهم شركة الاسمنت في الحال؟. لقد أتاحت التسهيلات الالكترونية للآباء المسافرين التواصل مع ذويهم بالصوت والصورة عن طريق اتصالات الفيديو فيرونهم ويسمعونهم ويتحادثون اليهم ويرسلون لهم القبل قبل النوم ويقرأون القصص كذلك. اما ما نعتقده اليوم غريباً وعجيباً فسيصبح في المستقبل القريب عادياً جداً, فقد تتسلل الى آذاننا كلمات ربما نعتقد اليوم انها غير مفهومة او غريبة الاستعمال, مثل عليك بارتداء الكمبيوتر, أو لا تنس خلع حاسوبك قبل ان تنام. ولكن واقع الحال يقول ان ذلك سيتحقق, اذ يعكف الباحثون على تطوير هذا النوع من الكمبيوترات الملبوسة التي بامكان المرء ارتداؤها كالقميص, وبإمكانه طباعة نصوص على الآلة الكاتبة بضغط المفاتيح بأشكال وأنماط مختلفة, وهناك حقيبة سوداء تحمل على الكتف تضم بعض الرقائق ومودم لاسلكياً اضافة الى بطارية تزن ثلاثة ارطال تزود الجهاز كله بالطاقة. ورغم اقرار الباحثين على غرابة شكل الجهاز الا انهم متفائلون بأن الناس سيعتادون عليه قريباً, خاصة اذا ما تم اجراء بعض التعديلات الطفيفة من ناحية التصميم, وايجاد جهة صناعية تتبنى المشروع, فإن العالم سيدخل عصر ارتداء الكمبيوتر بعد انتاجه على نطاق واسع. وكانت شركات مختلفة وكبيرة قد اعلنت قبل 4 سنوات مثل (ميديالاب) عن دعمها للمصممين في كل من نيويورك وباريس وميلانو لتقديم افضل التصميمات وتحاول شركة اخرى ابتكار رقاقة وحزام مرصع بالبطاريات, بينما تسعى شركة جوسي لتطوير حقيبة كتف لتبدو بمظهر افضل, في الوقت الذي تحاول فيه شركة نيكي اليابانية لتطوير احذية تنس ذكية بها اضافات ذات تجهيزات الكترونية. ويمكن للكمبيوتر الملبوس كما يؤكد هؤلاء الباحثون القيام بكل وظائف الكمبيوتر الشخصي الصغير المحمول اذ يستطيع ربط مستخدمه بشبكة الانترنت ومعالجة الكلمات والبيانات واجراء العمليات الحسابية وترتيب المواعيد ولديه قدرات هائلة لتخزين المعلومات. وقد اثارت هذه الفكرة اهتمام الكثيرين, فإدارة المحاربين القدماء في واشنطن اخضعت هذا الاختراع للاختبار وتدرس امكانية استخدامه كاحدى الوسائل المساعدة للمعاقين, كما زودت شركة بوينج ومجموعة (بي.اي.اس) البريطانية للانشاءات الميكانيكية موظفيها بأجهزة الكمبيوتر الملبوسة لاختبار مدى ما يمكن ان تساهم به في رفع مستوى كفاءة الافراد, والسؤال الذي يطرحه الكثيرون عن مدى الاستفادة من مزايا الملابس الكمبيوترية, وهل هي ترف ام حاجة؟ وتأتي الاجابة على لسان الباحثين بأن جميع الوسائط التي اصبحت ضرورية لا فكاك منها كانت في بداية الامر ترفاً او مقتصرة على فئة معينة قادرة على التعامل معها, وسرعان ما تبدلت الامور لتصبح حاجة ملحة, وستساهم الملابس الكمبيوترية في تغيير حياة الناس وأنماط تفكيرهم كما سترفع من معدلات الذكاء, حيث سيكون بإمكانهم قراءة بريدهم الالكتروني وهم في الطريق بدلاً من اهدار الوقت في التسكع. هذا ما يقوله الباحثون اما نحن فنتساءل وببراءة تامة أين نغسل تلك الملابس اذا ما اتسخت؟ يبدو ان المستقبل الالكتروني القريب سيغسلنا ويعصرنا ويجففنا ويعلبنا ويسوقنا في السوبرماركت, ويبدو اننا سنتوجه لاطباء الكترونيين فيما اذا احسسنا بأن مشاعر الحب نقصت او تسربت, فيخضعنا الى تجارب الكترونية ويستبدل رقاقة جديدة بالأخرى القديمة.. وهكذا نتغلب على تلك المشاعر المتسربة.. نحن في الانتظار وإن غداً لناظره قريب!