(لا نريد أي وساطة عربية.. بل مساندة عربية وموقفاً صلباً في مواجهة شارون). هذه الصرخة الصادقة أتبعها مروان البرغوثي زعيم حركة (فتح) ــ الفصيل النضالي الذي يتصدر قيادة الانتفاضة الفلسطينية بمناشدة لا تقل صدقاً إلى العواصم العربية بألا تستقبل أرييل شارون تحت أي ظرف أو أية ذريعة. إن انتصار الجنرال الدموي شارون في الانتخابات الإسرائيلية بأجندته الحربية ضمناً يمثل فيصلاً قاطعاً بين مرحلتين: مرحلة رمادية هلامية الملامح ومرحلة ساطعة ذات ملامح محددة وقاطعة من الدمامة. في المرحلة الرمادية التي انتهت لتوها بسقوط إيهود باراك اختلطت حقيقة القمع الإسرائيلي الوحشي المنظم للشارع الفلسطيني بصورة شبه يومية مع وهم جولات تفاوضية تنقلت ما بين واشنطن وكامب ديفيد في الولايات المتحدة وشرم الشيخ وطابا في مصر مع مشاركة أمريكية وعربية من قبيل الوساطة. هذا التزاوج بين الحقيقة الواقعة والوهم المصنوع هو الذي أتاح لبعض الأطراف العربية اتخاذ (موقف اللاموقف) باسم (دفع عملية السلام). وهذا بالضبط ما حدا الآن بزعيم فصيل (فتح) إطلاق صرخته (لا نريد وساطة عربية.. بل مساندة عربية وموقفاً صلباً في مواجهة شارون). (مواجهة شاورن) هو إذن عنوان المرحلة الساطعة التي بدأت لتوها بذلك التفويض الشعبي الإسرائيلي الذي حصل عليه الجنرال في انتخابات الأسبوع الماضي. فطروحات الجنرال بشأن القضايا المصيرية للشعب الفلسطيني لا تحتمل أي تأويل أو تفسير.. وبالتالي فهي تنسف عملياً الخيار التفاوضي.. ومن ثم تنسف ذلك الهامش الذي كان يسمح للأطراف العربية بالاحتفاظ بمسافة آمنة بينها وبين الشارع الفلسطيني الفائر بدعوى المراهنة على المفاوضات وكأن الأسلوب التفاوضي هو الخيار الأوحد المتاح أمام الشعب الفلسطيني. (رب ضارة نافعة).. هذه هي الحكمة التي ننظر من خلالها في انتصار شارون وصعوده إلى سدة السلطة الإسرائيلية. فهذا الانتصار لزعيم يهودي يرى في الصراع العربي الإسرائيلي لا مجرد نزاع حول مساحات جغرافية من الأرض وانما مسألة بقاء أو لا بقاء.. حياة أو موت.. هم أو نحن يجب أن يكون معناه عربياً تبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود. لحين من الدهر اختفى من قاموس الصراع العربي الإسرائيلي شعار (صراع وجود لا حدود) وطواه الزمن تحت ركام عبارات ومشتقات (سلام الشرق الأوسط). وها هو الشعار نفسه يبعث الآن باللغة العبرية كأساس لأجندة شارون السلطوية. من منظور شارون المدعوم (توراتياً) فإن الشعب الفلسطيني ليس شعباً أو بالأحرى هو شعب طارىء على أرض يهودية (مقدسة). ومع دعم الحاخامات والأحزاب والجماعات الدينية له فإن طرح شارون الرافض عملياً للتفاوض مع الفلسطينيين ينسجم مع منطقه الأساسي. ولذا فإنه يضع بإزاء مستقبل القدس والضفة الغربية وما يتفرع منهما من قضايا فلسطينية شروطاً محددة.. على الفلسطينيين أن يقبلوا بها حتى دون مجرد احتجاج. على هذا النحو يبلغ الصراع العربي الإسرائيلي أعلى ذراه منذ قيام الدولة اليهودية قبل ما ينيف على نصف قرن. أجل.. لقد أشهر شارون شعار (صراع وجود لا حدود) من منطلق عقيدة يهودية. فماذا يكون رد الفعل العربي؟ قادة المقاومة الميدانية الفلسطينية أعلنوا على الفور عزمهم على تصعيد الانتفاضة.. فلا خيار لهم سوى ذلك إلا الاستسلام. فهل يكون موقف الأطراف العربية على مستوى تحدي شارون وتحفز المقاومة الفلسطينية؟ في كل الأحوال لن يكون متاحاً أمامهم خيار بديل سوى الوقوف حفاة على صفيح ساخن.