اتسمت العلاقات التركية ــ الامريكية بالتحسن المتنامي منذ اعلان الولايات المتحدة مبدأ ترومان وسياسة الاحتواء, وقد جمعت بين البلدين روابط امنية وعسكرية متينة, وصلت الى افضل مراحلها اثناء اندلاع حرب الخليج الثانية عندما كان الجمهوري جورج بوش الاب سيد البيت الابيض. لقد انطلقت الولايات المتحدة في علاقاتها مع تركيا من تصور استراتيجي مفاده الاستفادة من الدور الجيوستراتيجي لتركيا في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق, وانطلاقا من هذا التصور اقامت واشنطن علاقات عسكرية وثيقة مع تركيا وبنت قواعد عسكرية على الاراضي التركية, وقد حظيت تركيا على الدوام بمساعدات اقتصادية وعسكرية ضخمة من الادارات الامريكية المتعاقبة الى درجة ان قواتها البرية تتلقى الحصة الكبرى من بين قوات الحلف الاطلسي. ورغم ان العلاقات بين البلدين مرت بفترات توتر لاسيما في اعقاب تفجر الازمة القبرصية عام 1974 الا انها كانت ترتقي دوما الى حالة ارقى وامتن خاصة بعد توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي والاقتصادي بين الجانبين في 10 يناير عام 1980 والتي اعطت دورا متميزا لتركيا على الصعيد العسكري والاستراتيجي في المنطقة, حيث جاءت هذه الاتفاقية في اعقاب قيام الثورة الاسلامية في ايران والاجتياح السوفييتي لافغانستان, وقد استفادت تركيا من هذه الاتفاقية بالحصول على مساعدات ضخمة واقامة ترسانة عسكرية كبيرة, فهي الدولة الوحيدة التي حصلت على ترخيص امريكي بصنع الطائرات اف ــ16. لقد توقع البعض بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي اضمحلال اهمية موقع تركيا ودورها في الاستراتيجية الامريكية الا ان التوقعات لم تكن صحيحة تماما, ففي اطارالمتغيرات الدولية واعادة الولايات المتحدة رسم استراتيجيتها العالمية برزت اهمية دور تركيا من جديد كبلد مفتاح بحكم موقعه الجيوسياسي الحيوي بين آسيا واوروبا قادر على القيام بادوار مؤثرة في اسيا الوسطى والقوقاز والبلقان والشرق الاوسط وايران في مواجهة خصوم واشنطن من اسلاميين وقوميين, وما زاد من اهمية تركيا ظهور مصادر جديدة للطاقة اي النفط والغاز بكميات كبيرة في دول حوض بحر قزوين التي تربطها بتركيا علاقات تاريخية وقومية وثقافية, حيث تأمل واشنطن ان تقتدي هذه الدول بالنموذج التركي العلماني وليس بالصيغة الايرانية للراديكالية الاسلامية, حيث تؤكد التقارير الاستراتيجية الامريكية لاعوام 1997ــ 1998 ــ1999 على (ان المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في احدى اكثر مناطق العالم حساسية تخدم على نحو جيد بوجود دولة تركية ديمقراطية, علمانية مستقرة, ذات توجه غربي. في المقابل حرصت تركيا على توطيد علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة اكثر فأكثر سواء للحصول على المساعدات المالية والعسكرية او لدورها في الضغط على الاتحاد الاوروبي لقبول تركيا في العضوية الاوروبية او لمواجهة التحديات الامنية الداخلية (المشكلة الكردية) والحصول على دور امني في الدوائر الجيوسياسية التي تحيط بها, وفي كثير من الاحيان تتحرك تركيا والولايات المتحدة بصورة مشتركة في اكثر من قضية ومحور سواء بشأن العلاقات مع اسرائيل او حيال العراق وايران وسوريا او حيال آسيا الوسطى بخصوص النفط ومشاريعه اضافة الى قضية كاراباخ المتنازع عليها بين اذربيجان وارمينيا, لقد كان الدعم الامريكي لتركيا حاسما في قضايا الوحدة الجمركية مع الاتحاد الاوروبي وقبول تركيا في لائحة الدول المرشحة للعضوية الاوروبية وفي العمليات التي قام بها الجيش التركي في شمال العراق واعتقال عبدالله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني, ومسألة الصراع مع روسيا حول طريق امداد نفط بحر قزوين عبر خط باكو ـ جيهان على البحر المتوسط, واخيرا في الوقوف مع تركيا في ازمتها الاقتصادية. ان تقاطع المصالح والمواقف بشأن العديد من القضايا الحيوية في المنطقة والعالم جعل العلاقات التركية ــ الامريكية تكتسب ابعادا استراتيجية على الدوام, ومرشحة نحو افضل اشكال التنسيق الامني بسبب اهمية كل طرف للآخر في تحقيق تطلعاته. تركيا وادارة بوش السؤال الذي يطرحه الاتراك ويدفعهم الى التأمل بعلاقة بلادهم بالولايات المتحدة يدور حول تصورات الرئيس الامريكي الجديد جورج بوش الابن حيال دور تركيا ودرجة اهميتها في السياسة الجمهورية الجديدة على نحو: هل سيحدث بوش الابن تغييرات في الثوابت الايجابية للعلاقات الامريكية التركية؟ رغم بعض القضايا التي تشغل العلاقات التركية ــ الامريكية (العراق, الاعتراف بالمذابح التي ارتكبت ضد الارمن) فان الاتراك يعتقدون ان المقاربة السياسية للادارة الامريكية الجديدة حيال بلادهم ستكون اكثر استراتيجية وامنية مما كانت لدى الديمقراطيين, الامر الذي يعني ان العلاقات الثنائية العسكرية ستشكل محور اهتمام الجانبين في العهد الجمهوري. الجنرال تشيفيك بير وهو مرشح رئاسي تركي سابق وجنرال متقاعد يطرح هذا الامر انطلاقا مما يسميه بالرؤية الاستراتيجية لتركيا والفراغ الجيوبولتيكي اي بالاستراتيجية التي ستتبعها تركيا في الشرق الاوسط وآسيا الوسطى وايران التي يراها بير بانها مناطق او دوائر (فراغ جيوبولتيكي) والتي تحتل اولوية في الاستراتيجية الامريكية, ومع تأكيد الجنرال بير على دور تركيا الهام في هذه الاستراتيجية فانه يوجه الاهتمام الى قرب تركيا من (المثلث الاستراتيجي) اي التقارب الروسي الصيني ــ الهندي الذي يريد ان يرى النظام العالمي يتشكل من جديد وفق تعددية قطبية وليس القطب الواحد, المقاربة التركية هذه تقوم على ان السياسة الجمهورية حيال مراكز القوى العالمية والمناطق الاستراتيجية ستكون مختلفة عن سياسة الديمقراطيين, فالجمهوريون يعدون روسيا قوة منافسة ينبغي كبحها اكثر فأكثر, ويراقبون بحذر التقارب الروسي, الصيني, الهندي, الايراني, ولعل اعلان بوش الابن عزمه المضي في مشروع النظام الصاروخي المضاد يشكل دليلا بالغا على ان السياسة الجمهورية ستأخذ ابعادا أمنية وعسكرية اكثر حدة حيال العالم. انقرة التي لها علاقات وثيقة بواشنطن ترى ان لها مفردات مشابهة ومتفقة مع التوجه الجمهوري هذا, وذلك انطلاقا من البنيان العسكري والسياسي للبلاد وكذلك الخيارات السياسية التركية حيال الخارج وعليه فانها (تركيا) تسعى مجددا الى التأكيد على أولوية التعاون العسكري والامني في العلاقة بواشنطن وابعادها خاصة وان نائب الرئيس الامريكي الجديد ديك تشيني ووزير الخارجية كولن باول يعرفان أهمية الموقع الاستراتيجي لتركيا في السياسة الامريكية حيال الشرق الاوسط واسيا الوسطى وايران والعراق, ولكن هذا التوافق في الاطار الاستراتيجي العام لا ينفي التباين والاختلاف حيال بعض المحاور انطلاقا من تباين المصالح والاولويات ومن هذه المحاور موضوع العراق, فتركيا اتجهت مؤخرا الى تطبيع علاقاتها مع العراق واتخذت خطوات مهمة في هذا السياق وكان اخرها تعيين محمد اكاد سفيرا لها في بغداد, في حين الادارة الامريكية الجديدة وعلى لسان الرئيس بوش الابن اكدت عزمها اكمال العمل الذي قام به بوش الاب حيال العراق, والسؤال الذي يطرح نفسه, هل ستعيد انقرة النظر في سياستها الايجابية حيال العراق ام انها ستستمر في ذلك حتى لو تعارضت مع السياسة الامريكية حيال العراق؟ بانتظار ما سيحدث فان تركيا بلغت درجة من القوة في تحديد سياستها ورسم خياراتها السياسية الأمنية, حيث كان لها دور اساسي في افشال اجتماع حلف الشمال الاطلسي والناتو الاخير عندما طلب الاتحاد الاوروبي السماح باستخدام قوات الحلف وقواعده في المشروع الدفاعي الجديد لأوروبا, وقد كان للفيتو التركي ضد المشروع المذكور علامة بارزة على ان تركيا تتطلع الى الخلاص من القيام بدور المنفذ للسياسات الأمنية الاوروبية والغربية دون وجودها في آلية القرار والمشاركة انطلاقا من اعتباراتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية وأولوياتها السياسية اضافة الى موضوع العراق هناك مجموعة من القضايا تشغل العلاقات التركية ـ الامريكية, مثل: قبرص, الخلافات مع اليونان حول بحر ايجه, حقوق الانسان, المشكلة الكردية, مذابح الارمن, العلاقة باسرائيل والعرب.. كلها قضايا تتضمن الى هذه الدرجة او تلك الاختلاف والتباين, الا انه بالرغم من كل هذا فان الاتراك يعتقدون ان علاقات بلادهم بالولايات المتحدة في عهد بوش الابن لن تسير نحو ما هو سلبي بل تبدو هذه العلاقة وكأنها امام محطة جديدة لتعزيزها امنيا وعسكريا, وعلى أعلى المستويات والدرجات, وفي كل ذلك اشارات ينبغي ان تحفز العرب الى الانتباه الى ماقد يطرأ على السياسة التركية من تصورات وابعاد أمنية جديدة حيالهم وقضاياهم. * كاتب سوري