هو القائل: (تضيق بنا الأرض وتحشرنا في الممر الأخير فنخلع أعضاءنا كي نمر).. هو القائل: (نسافر كالناس.. لكننا لا نعود الى أى شئ.. كأن السفر طريق الغيوم).. هو القائل: (إننا نعانق قاتلنا كي نفوز برحمته).. هو القائل: (يطول العشاء الأخير.. تطول وصايا العشاء الأخير.. أبانا الذى معنا.. كن رحيما بنا.. تمهل لنسأل أكثر مما سألنا).. وهو القائل: (أريد مزيدا من العمر كي نلتقي.. أريد مزيدا من الأغنيات لأحمل مليون باب.. وباب.. أريد مزيدا من العمر كي يعرف القلب أهله).. هو محمود درويش.. الذى يهوى الشعر والبحر والسفر والسهر.. وقراءة طالع أوراق الشجر.. ويؤمن أن الحب يعلمنا ألا نحب.. ويتركنا في مهب الوطن. قابلته أخيرا ذات صباح في بيت محمد حسنين هيكل.. بلغة الشعراء. . دخل علينا مثل غمامة.. مثل سحابة حبلى بالخير والمطر.. كنا نتحدث عن مأزق الصحافة المطبوعة في زمن سلم نفسه للصورة التلفزيونية الملونة وغطى نفسه باللحاف وراح في سبات عميق.. أو راح يدق على أزرار الكمبيوتر باحثا عن فاترينة مجنونة بالجاذبية والاثارة تدلل نفسها باسم (الانترنت).. كنا نفكر في صورة قارب النجاة التي على الصحافة المطبوعة أن تركبه لتنجو بنفسها من الغرق في هذا الطقس الاعلامي الذى يحاصرها من الخارج بالعواصف والأعاصير.. ويطعنها من الداخل بالاحباط وجلد الذات والنميمة. في تلك اللحظة دخل علينا محمود درويش. . هل كان يبدو مثل طالب جامعة ترك محاضراته ليقابل فتاته في جزيرة مهجورة؟.. ربما.. هل كان يبدو مثل طبيب جراح وجد وطنه فجأة في غرفة التخدير مصابا بثقب في القلب؟.. ربما.. هل كان يبدو مثل باحث أكاديمي متمرد رفض الدراسات والاحصائيات ودخل يفتش عن حقيقة الدنيا في ظلام دار للسينما؟ ربما.. وألف ربما.. لكن المؤكد أنه محمود درويش.. الشاعر الذى نحبه عاشقا للوطن.. والمرأة والحرية والحياة والقاهرة.. جاء يحمل آخر دواوين شعره الى صديق لم يفقد اهتمامه بما يجرى في فلسطين.. الأرض المقدسة التي لم تخمد فيها النار.. منذ أن كان صحفيا في أول العمر المهني الى أن صار كاتبا كبيرا شهيرا يصر على تغيير جلد العالم العربي.. ودمه. سمحت لنفسي أن أقرأ إهداء الشاعر الى الكاتب.. إهداء يتساءل عن علاقة الشعر بالحب.. وإهداء يؤكد أن القصيدة لا تحظى بشرعيتها إلا بقراءتها.. لكن.. قبل الإهداء.. قال محمود درويش منزعجا: سلامتك.. يا أستاذ هيكل.. لقد سمعت أنك أجريت جراحة دقيقة؟.. وضحك هيكل.. إن ساعة الشعر دائما متأخرة.. فالجراحة التي يتحدث عنها محمود درويش هي جراحة عمرها أكثر من سنة ونصف السنة أجراها هيكل في مستشفى (كليفلاند) الشهير في الولايات المتحدة.. وكانت في إحدى كليتيه.. وقد أزيل منها حوالي 81% لتعود الى نشاطها بنفس الحماس . فهذه حكمة الله في خلق الكلى. وأغلب الظن أن محمود درويش لم يعرف بجراحة هيكل لأنه هو نفسه كان يجري في الوقت نفسه تقريبا جراحة في القلب.. بل ان ديوان (جدارية) الذي حمله الى هيكل يسجل شعرا تجربته مع هذه الجراحة الخطرة.. وفيه يقول: (وكأنني مت قبل الآن.. أعرف هذه الرؤيا وأعرف أنني.. أمضي الى ما لست أعرف.. ربما مازلت حيا في مكان ما.. وأعرف ما أريد.. سأصير يوما ما أريد).. (سأصير يوما فكرة).. (سأصير يوما شاعرا).. سأصير يوما كرمة.. (سأصير يوما ما أريد).. لا القوة انتصرت.. ولا العدل الشريد).. (أنا العناوين الصغيرة والبريد). كان محمود درويش قد تلقى دعوة لالقاء شعره في معرض الكتاب.. لكنه تردد في الحضور بعد أن اشتعلت الحرب الأهلية بين وزير الثقافة وجماعات ضاغطة من المبدعين والمثقفين.. فاتصل محمود درويش بمجموعة من أصدقائه في القاهرة كان على رأسهم هيكل ليسألهم المشورة.. فأقنعه هيكل أو أفتى له على حد قوله بالحضور.. وعندما جاء شعر أن جمهور الثقافة بخير.. لكنه لم يعرف بالضبط كيف يتعرف على جمهور الشعر.. أو كيف يتعرف على جمهوره بالتحديد.. فجمهور الندوات ثابت في مكانه لا يتغير.. تتغير الندوات.. ويتغير المتحدثون على المنصة.. ويتغير الموضوع. والجمهور ثابت لا يتغير.. ويبدو أن هذا الثبات جعل الجمهور يشعر أنه في بيته.. فكان الصخب.. والحوارات العائلية.. وأحاديث التلفون (المحمول) الذي لم نضع قواعده الاجتماعية بعد. لكن.. مهما كان فإن محمود درويش كان يشعر أنه خفيف كالريشة.. كبيت شعر في قصيدة لم تكتب بعد.. إن القاهرة صاخبة.. فائرة.. لكنها ساحرة.. عامرة. آمنة.. تحتضن المواهب المتفجرة.. وقد اقترح هيكل على محمود درويش أن يعيش فيها.. لقد زهق محمود درويش من سنوات الغربة في باريس.. وخنقته الحياة في رام الله.. وعمان تمنحه بعض الهواء.. إنها مأساة أن يجد الشاعر نفسه مجبرا على الاقامة في بلاد لا توحي له إلا بشعر المراثي.. بلاد تمتد من البكاء الى البكاء.. ومن النزيف الى النزيف.. وجميع مدنها كربلاء. لقد رفض هيكل في أحلك الظروف السياسية التي مر بها أن يهاجر ويعيش بعيدا عن مصر.. كان يقول: إن الانسان مثل الشجرة.. لو اقتلعتها من تربتها أصبحت مجرد لوح ميت من الخشب.. كان يقول: خارج الوطن ليس لي بيت ولا قبر.. ولكن.. هيكل كان له حق الاختيار.. أن يبقى أو يرحل.. أما محمود درويش فلم يكن له هذا الحق.. فهو إما أن يرحل أو يرحل.. فالوطن في كثير من الأحيان لا يزيد عن خيمة متحركة على أرض غير مستقرة.. غير معروفة.. لقد ضاقت الأرض به.. وسار الى بلاد ليست من لحمه ولا عظامه.. لا يعرف حجارتها ولا عيون الناس فيها. ولا أنسى قصيدته (مطار أثينا) التي كتبها بعد أن طرد الفلسطينيين من بيروت بعد الاجتياح الاسرائيلي.. (مطار أثينا يوزعنا للمطارات.. قال المقاتل: أين أقاتل؟.. صاحت به حامل: أين أهديك طفلك؟.. قال الموظف: أين أوظف مالي؟.. فقال المثقف: مالي ومالك؟.. قال رجال الجمارك: (من أين جئتم)؟.. أجبنا: من البحر.. قالوا: الى أين تمضون؟.. قلنا: الى البحر.. قالوا: وأين عناوينكم؟.. قالت امرأة من جماعتنا: بقجتي قريتي. في مطار أثينا انتظرنا سنين.. تزوج شاب فتاة ولم يجد غرفة للزواج السريع.. تساءل أين أفض بكارتها؟.. فضحكنا وقلنا له: يا فتى لا مكان لهذا السؤال.. وقال المحلل فينا: يموتون من أجل ألا يموتوا.. يموتون سهوا.. وقال الأديب: مخيمنا ساقط لا محالة.. ماذا يريدون منا؟.. وكان مطار أثينا يغير سكانه كل يوم.. ونحن بقينا مقاعد فوق المقاعد.. ننتظر البحر.. كم سنة يا مطار أثينا؟ لم يكن من الممكن أن يلتقي هيكل ومحمود درويش بالموعد وأنا معهما بالصدفة دون أن يصل الحوار وبسرعة الى ما يجرى في اسرائيل؟ قلت: إن شارون يغازل المتطرفين والمتشددين ويحلم بتحويل الصراع الى صراع ديني.. إن زيارته الى المسجد الأقصى في الصيف الماضي.. وتصريحاته الأخيرة التي ينكر فيها اسراء النبي محمد ستشعل نيران التعصب وتمزق مساحة الرحمة والمودة بين الاسلام واليهودية. قال محمود درويش: إن شارون يأتي ليعيد فكرة التمسك بالأرض التي يعتقد الاسرائيليون أن باراك قد فرط فيها.. وهناك اجماع على فظاظته.. لذلك لن يصوتوا له حبا فيه وإنما كرها في باراك.. وهو سيحاول أن يحسن صورته.. سيحاول أن يتصرف كرجل دولة.. ولن يتردد في ان يشكل حكومة ائتلافية يضم فيها وزراء من حزب العمل.. إن وجود حزب العمل في حكومته سيرفع عنه النقد القاسي الذي يصل أحيانا الى درجة السب العلني في الولايات المتحدة التي تتعامل مع حزب العمل بقدسية تضعه فوق النقد. واستطرد: إنني لن أفاجأ لو اختار باراك وزيرا للدفاع.. واختار بيريز وزيرا للخارجية.. فهم في النهاية ينتمون الى مؤسسة واحدة.. هي المؤسسة العسكرية.. هم في النهاية جنرالات.. ولا أتصور أن التصويت على شارون هو تصويت على الحرب.. والتصويت على باراك هو تصويت على السلام.. إن الانتخابات الاسرائيلية لعبة داخلية يصعب فهمها من الخارج.. وهو ما يجعلني أستغرب من التحليلات المتعجلة التي تتعامل مع طرفي الانتخابات على طريقة مباريات كرة القدم.. الانتخابات الاسرائيلية ليست أهلي وزمالك. وسأله هيكل عن موقف عرب اسرائيل: لمن يصوتون؟.. قال محمود درويش: لن يصوتوا لأحد.. سيتركون ورقة التصويت بيضاء نوعا من الاحتجاج.. فقال هيكل: في هذه الحالة ستكون النتيجة لصالح شارون.. إن ترك الورقة بيضاء هو في الحقيقة تصويت لشارون.. قال محمود درويش: نعم.. هذا صحيح.. لكن باراك أحرجهم.. ولم يترك الباب مواربا لهم.. فقال هيكل: إننا في كل الأحوال علينا أن ندفع ثمن فشل الآخرين.. دفعنا ثمن فشل شامير وبيريز ونتانياهو وباراك.. وأرجو أن يكون قد تبقى في جيوبنا ما ندفعه تسديدا لفاتورة فشل شارون. وسألت محمود درويش: ما هي في تصورك العقدة النفسية التي تحكم اسرائيل؟.. هل هي صحيح عقدة الأمن؟.. أم أنها عقدة (شيلوك) الذي أصر على قطع كيلو من لحم الشخص الذي لم يستطع أن يوفي له دينه؟ قال: أبدا.. لا عقدة الأمن.. ولا عقدة شيلوك.. وإنما عقدة أن يكون لهم دولة يهودية.. إنهم يحلمون بدولة خالصة لهم.. وهو ما لم يحدث من قبل.. وما لم يحدث من بعد.. فلا يمكن أن تكون هناك دولة كل شعبها يهود.. وقد عبروا عن هذه العقدة عندما سأل مراسل القناة التلفزيونية الاسرائيلية الثانية الرئيس حسني مبارك مؤخرا عن رأيه في وجود دولة يهودية؟.. إنهم يستمدون شرعيتهم من التاريخ القديم.. والشرعية التاريخية لا تكفي في أمور أبسط كثيرا من وجود وقيام دولة. قال هيكل: إنه لاحظ أن هناك تيارا متزايدا بين عرب اسرائيل في الداخل لفكرة وجود دولة متعددة القوميات وهي الفكرة التي لم يعترض عليها عزمي بشارة الذي زار هيكل مؤخرا وتحمس لها مؤخرا ادوارد سعيد المثقف الفلسطيني البارز الذي يعيش في نيويورك.. جاءت فناجين القهوة.. فنجانان ونصف الفنجان.. فنجان (سادة) لي.. وفنجان (مضبوط) لمحمود درويش.. ونصف فنجان على (الريحة) لهيكل.. فهو يفعل كل شئ بحساب.. وكنت الوحيد الذي أبحث عن (طفاية) للسجائر.. فقد كف هيكل عن تدخين السيجار منذ حوالى سبع سنوات.. كان مسافرا هو وزوجته الى لندن وفى مطار القاهرة اتفقا على أن يمتنعا عن التدخين.. هو عن السيجار.. وهى عن السيجارة.. ولم ينقضا الاتفاق.. وكف محمود درويش عن التدخين بعد أن وجد قلبه مفتوحا أمامه على الشاشة ومشارط الجراحين تحاول تسليك الشرايين التى سدها النيكوتين.. أما أنا فأشعر بالندم بعد كل سيجارة أشعلها.. والندم هو أول الطريق الى التوبة الخالصة. هل غيرت رائحة القهوة موضوع الدردشة؟.. أم أن هموم الأمة العربية المتداخلة والمتشابكة مثل خيوط كرة صوف عبثت بها قطة لا تحتاج الى مقدمات ولا قهوة حتى نتورط فيها؟.. لقد وجدنا أنفسنا نتحدث عما أسفرت عنه محاكمة قضية (لوكيربي).. أدين متهم.. وخرج الآخر براءة.. وبدا أن الولايات المتحدة خدعت ليبيا لتسلم الرجلين ولكنها لم ترفع عنها العقوبات.. بل بدا أن لوكيربى التى وضعت ليبيا تحت الحصار كل هذه السنوات ستكون الذريعة لوضع سوريا تحت الحصار.. فقد تحدث ممثل أسر الضحايا الذى فقد ابنته فى انفجار الطائرة الى شبكات الأخبار العالمية مؤكدا براءة ليبيا ومشيرا الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التى تستضيفها دمشق.. مؤكدا أن أسلوب التفجير هو أسلوبها. إنها متعة عقلية أن تكون طرفا ولو بالاستماع بين شاعر حساس مثل محمود درويش وكاتب مراقب مثل محمد حسنين هيكل.. ولو كنت قد شاركت فى هذا اللقاء بالصدفة فإنه قد سبق أن شاركت فى تدبير لقاء مشابه ولكن بين محمد حسنين هيكل ونجيب محفوظ.. إن (الجورنالجي) والروائي لم يكونا قد التقيا منذ سنوات طويلة ربما تزيد على العشرين سنة.. وقد راحا يتحاوران ويتجاذبان أطراف الحوار من طرفيه البعيد والقريب.. القديم والحديث.. تحدثا يومها عن جمال عبدالناصر.. والإبداع.. والأهرام.. وبيل كلينتون.. ومونيكا.. والفرق بين أسلوب الأدب وأسلوب الصحافة.. وبخل توفيق الحكيم ومتاعبه الخاصة مع ابنه.. ومعارك الكتاب التى لم تعد تؤخذ بصدر رحب كما كانت من قبل.. وموضة المحاكم التى انتشرت بين الصحفيين.. والسجون التى عرفوا الطريق اليها. إن حوار السياسة والشعر أو حوار الصحافة والرواية هو نوع من التخصيب بين جنسيات الكتابة بأشكالها المختلفة.. وهو تخصيب يخلق أجيالا جديدة من حملة جنسية دولة الكتابة يتمتعون بعمق التحليل وأناقة الأسلوب.. وهو ما يندر أن نجده.. وقبل ذلك فإن الحوار مهما كانت أطرافه يزيل أوجاع أشهر أمراض المثقفين والسياسيين النفسية والابداعية وهو مرض الوسواس القهري.. حيث يتصورون أشياء فى عقولهم لا وجود لها فى الواقع.. لقد تذكرت وأنا أترك الشاعر والصحفى ليتحدثا بعيدا عن فضولى ما قاله الشاعر فى آخر ديوان له.. (جدارية).. فى جنوح الشعر نحو النثر.. وجنوح النثر نحو الشعر.. سنحصل على الحقيقة الجميلة التى نحلم بها.